إذا كانت الحاجة هي أم الإختراع، فمن يكون والده يا ترى؟ أجاب العلماء والباحثون على ذلك بالقول: إنها المادة الخام، فبدونها لا يمكن الوصول إلى أي إختراع وتحويله بالتالي إلى شيء مادي ملموس، فالمادة الخام ضرورية حتى على مستوى إختراع عود الكبريت، الذي لا يمكن أن تتم صناعته بدون الدمج بين عنصر الكبريت والخشب، وهكذا فإن نظرنا من حولنا فسوف نجد أن هذاالمفهوم المنطقي يندرج على كل شئ إستطاع الإنسان إكتشافه أو إختراعه. فلسطين قضية العرب والمسلمين الأولى، وإنطلاقا من ظروفها الراهنة، وغياب فرص الحل، وما وصلت اليه من نهايات شبه مغلقة على صعيد ثورتها ومنظمة تحريرها وفصائلها، فقد غدت في أمس الحاجة إلى من ‘ يخترع ‘ لها طريقة جديدة للتحرر من هذا المغتصب الصهيوني لكى تعود إلى شعبها و إلى حضنها العربي والإسلامي كدولة فعلية مستقلة وكاملة السيادة وليس على طريقة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أقرت منحها أخيرا صفة العضو المراقب وبأسلوب يتناقض تماما مع الكثير من القرارات التي سبق وأن أخذتها وأقرتها هذه المنظمة. لتحقيق ذلك الإختراع، ومن أجل تحويله إلى شيء ملموس فلا بد من توفير المادة الخام اللازمة، وحتى لا نُحمل العرب والمسلمين ما هو فوق طاقتهم، فالمنطق يقول بأن الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية يشكلون اللبنة الأساسية الأولى من مكونات هذه المادة الخام، ومن يراجع التاريخ الوطني الفلسطيني سيجد أن الشعب أولا، وقواه الوطنية ثانيا، لم يكونوا مقصرين في أية مرحلة، ولم يتقاعسوا عن تقديم الغالي والنفيس رخيصا في سبيل تحقيق التحرر والإستقلال المنشود والمأمول، ولكن هذا الهدف لم ينجز بالرغم من مرور أكثر من ستة عقود زمنية، وقد يقول قائل أن المشروع اليوم يعاني من التراجع والتعثر وربما أصبح على مشارف فقدان الأمل. الفارين من مواجهة الحقيقة والواقع يلقون بالأسباب على ظهور العرب والمسلمين، وعلى العالم وهيئاته الدولية المنحازة تماما لهذا العدو الصهيوني الغاصب، أما أولئك المصرين على التمسك بالنظرة الواقعية فسوف يجدون أنفسهم مضطرين لمواصلة إلقاء اللوم على كاهل الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية التي أخذت على مسؤليتها قيادة هذا الصراع وإدارة دفة متطلبات وإحتياجات مشروعه التحرري، وهذا يعني تحميل قيادة هذا الشعب وثورته مسؤولية هذا التعثر والتراجع والإنحراف من ناحية، وإلى تحميل الشعب مسؤولية عدم القيام بلجم هذه القيادة وإصلاحها وتعديل مسارها وتوجهاتها من الناحية الأخرى. الإرادة الشعبية هي الركيزة الأساسية التي يجب أن تتكون منها المادة الخام اللازمة لمواصلة الثورة وحمايتها من كل أشكال المخاطر التي يمكن أن تهدد مسارها و مستقبلها، وهذا ما كان ملموسا منذ فجيعة النكبة وحتي نكسة حزيران 67، فقد كانت هذه الإرادة حاضرة وفي أحسن تجلياتها وقامت بتقديم الحماية المطلوبة، لكن الفترة التي أعقبت تلك المرحلة أظهرت أن الثورة بدأت تعاني من تراجع وإنخفاض تدريجي في منسوب ومستوى هذه الإرادة وبعد أن دخلت منظمة التحرير وفصائلها في صراع مع ذاتها حول شعار القبول ‘بالمرحلية’ الذي إقتضت وحسب المؤيدين لها غض الطرف عن فلسطين التي اغتصبت وسرقت في عام النكبة أولا، إلى الإهتمام بفلسطين التي جرى إحتلالها ثانيا في عام النكسة. منظمة التحرير وفصائلها أخذت تركزعلى الجزء الفلسطيني الذي جرى إحتلاله في عام النكسة وتناست فلسطين المنكوبة منذ عام 48، وعلى هذا الأساس بدأت تبني سياساتها ومواقفـــــها، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من تناسي تام للشعب ولإرادته ولحقه في إدارة ومواصلة نضاله، فالسلطة التي ولدت من رحم إتفاق ‘أوسلو’ قررت أنها كفيلة بكل ذلك وما على الشعب سوى أن يستريح، وهكذا أصبحنا في مواجهة مع استحقاق أوسلو وما نتج عنه من مفاوضات، وسلام، ودولتان، وحكومة وتنسيق وتعاون أمني وسياسي واقتصادي وحتى عاطفي فلا يوجد ما يمنع! د. امديرس القادري