برلين: من المفارقات أن أكبر جالية فلسطينية في أوروبا تعيش في الدولة الأشد تأييدا لإسرائيل وهي ألمانيا. ومع اقتراب الانتخابات العامة المبكرة المقرر إجراؤها خلال الشهر الحالي دعا بعض المرشحين إلى شن حملة على “معاداة السامية المستوردة”. و يشعر الفلسطينيون في برلين بالخوف من الترحيل، في الوقت الذي يشعرون فيه، بفرض الصمت عليهم بالنسبة لإثارة قضيتهم.
“أرى شيئا لا تراه أنت. إنه الهولوكوست”. كانت هذه هي الكلمات التي ألقتها متظاهرة أثناء احتجاج في العاصمة الألمانية برلين على الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، قبل أن تسحبها الشرطة جانبا لأنها تقارن بين الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ألمانيا النازية ضد اليهود، ومقتل عشرات الآلاف من المدنيين في غزة.
وفي نظر القانون في ألمانيا، ربما تكون المتظاهرة قد ارتكبت جريمة “التقليل من شأن” جرائم العصر النازي. والواقع أن رجال الشرطة الذين يرتدون ملابس مكافحة الشغب أخبروها بأنها خرقت قوانين التحريض من خلال التقليل من أهمية الهولوكوست، كما تقول المرأة الخمسينية، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها.
وقالت المتظاهرة أثناء المظاهرة: “أعيش في خوف شديد، فالناس يتعرضون للاعتقال أثناء الاحتجاجات”، في حين رفضت الشرطة تأكيد الاتهامات لأسباب تتعلق بالخصوصية.
ومثلها كمثل آخرين في أكبر جالية فلسطينية في أوروبا، تنتقد هذه المتظاهرة إسرائيل باستخدام مفردات تطورت من تاريخ ألمانيا في زمن الحرب، مثل الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والتهجير القسري، والمحرقة. وقد فقدت هي نفسها أقارب لها في حرب غزة. ويقول كثيرون في الجالية الفلسطينية في برلين إنه بدلا من إثارة التعاطف مع قضيتهم، يتم إسكاتهم من قبل الشرطة واستخدامهم كبش فداء في خطاب سياسي يلقي باللوم على العرب في “معاداة السامية المستوردة”.
والحقيقة أن كثيرين من الألمان لا يتسامحون مع مقارنة أي شيء بالمحرقة، باعتبار ذلك إهانة لذكرى ضحايا النازية. وقد انتقد المستشار الألماني أولاف شولتس، وزعيم حزب المحافظين المعارض فريدريش ميرتس مثل هذه المقارنات في السابق.
لكن هذه المقارنة بالنسبة لفلسطيني الشتات في برلين، ضرورية في كفاحهم من أجل لفت انتباه الألمان إلى ما تعتبره منظمات حقوقية دولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش واللجنة الخاصة للأمم المتحدة إبادة جماعية في غزة.
وبالنسبة لفولفغانغ بنتس، الباحث في معاداة السامية الذي احتفل بمساعدته في تأكيد الرقم النهائي لعدد ضحايا المحرقة النازية، فإن مقارنة المتظاهرة بين المحرقة والحرب في غزة ليست جريمة، حتى وإن كانت مستفزة للشرطة.
ويقول بنتس الذي تولى رئاسة مركز أبحاث مكافحة السامية في جامعة تي.يو برلين طوال نحو 20 عاما: “إذا أرادت سيدة فلسطينية أن تقارن معاناتها والنكبة التي تضمنت طرد الفلسطينيين من أرضهم وقراهم التي أقيمت عليها دولة إسرائيل في 1948 بالمحرقة، فلا أستطيع أن أعتبر ما فعلته جريمة ولا عملا من أعمال معاداة السامية”.
نضال الفلسطينيين ليس ضد اليهود، بحسب بنتس، وإنما ضد الدولة الإسرائيلية التي تقف في طريق قيام دولة فلسطينية. ونحن “في ألمانيا اعتدنا منذ فترة طويلة على إدانة العرب والمسلمين تلقائيا باعتبارهم معادين للسامية وأعداء لليهود”.
لكن رأي بنتس ليس هو السائد في ألمانيا، بل إنه نادر.
وقد تصاعدت الخلافات حول معاداة السامية في ألمانيا منذ اشتعال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرة أخرى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلا ذلك من قتل إسرائيل لأكثر من 48 ألف فلسطيني في غزة، وفقا لوزارة الصحة الفلسطينية. ويقول المحللون إن أرقام القتلى الفلسطينيين المعلنة أقل بكثير من الواقع بسبب حجم الدمار الهائل الناجم عن الحرب الإسرائيلية.
ورغم ذلك، أدانت الصحف والأحزاب السياسية الألمانية الكبرى الاحتجاجات الأسبوعية المناهضة لإسرائيل ووصفتها بأنها “كراهية لليهود”، رغم اشتراك نشطاء يهود مناهضين للصهيونية في العديد من هذه المظاهرات.
وتعيش السلطات الألمانية في حالة تأهب قصوى، فقد سجلت الشرطة ارتفاعا حادا في الجرائم ذات الدوافع السياسية منذ بداية الحرب في غزة، حيث تم اعتبار 926 جريمة في عام 2024 جرائم معادية للسامية ومدفوعة بـ”أيديولوجية أجنبية”.
وغالبا ما ينظر إلى الدعوة لإقامة دولة فلسطينية حرة في ألمانيا باعتبارها دعوة إلى إبادة إسرائيل. وفي أعقاب هجمات حماس، زعمت صحيفة دي فيلت المحافظة أن “فلسطين الحرة هي تحية هتلر الجديدة”.
وبينما من غير المرجح أن تؤدي نتيجة الانتخابات المقررة يوم 23 فبراير/ شباط إلى تغيير الدعم العسكري والدبلوماسي الألماني لإسرائيل، يشعر العديد من العرب بأن حقهم في الاستمرار بالعيش في ألمانيا معلق على توازن نتائج الانتخابات.
فأحزاب اليمين واليمين المتطرف جعلت ترحيل الأجانب نقطة محورية في حملتها الانتخابية. وفي محاولة لتخليص ألمانيا مما يسميها “معاداة السامية المستوردة” أعلن حزب المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل في برنامجه الانتخابي اعتزامه تجريم التشكيك في الدولة الإسرائيلية وترحيل المهاجرين الشرعيين الذين يرتكبون جرائم معادية للسامية.
ومن بين جميع البرامج الانتخابية للأحزاب الرئيسية، فإن الحزب المسيحي الديمقراطي الذي يتزعمه ميرتس متصدر استطلاعات الرأي حاليا، هو الأكثر صراحة بشأن إسرائيل وفلسطين، حيث يدعو إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد ما يسمى “إسرائيل هاس” وهي كلمة ألمانية تعني (كراهية إسرائيل)، ولا نظير لها في الدول الأخرى.
كانت ميركل كمستشارة قد ربطت وجود ألمانيا ذاته، أو “سبب وجود الدولة”، بأمن إسرائيل. وفي تصريحات رددها شولتس فيما بعد قال: “ألمانيا ليس لها مكان إلا إلى جانب إسرائيل”. وعندما سئل عن الحياة في برلين، قال عبدالـ… وهو فلسطيني يعيش في ألمانيا منذ 10 سنوات ويشارك في احتجاج ضد إسرائيل، إن أعظم مخاوفه هو أن تنحرف ألمانيا إلى اليمين.
وتظهر الاستطلاعات أن نسبة كبيرة من الناخبين الألمان من ذوي الأصول المهاجرة ينظرون بشكل أكثر إيجابية إلى “تحالف ساهرا فاجينكنيخت” الجديد. وهو حزب يتنبى مواقف تمثل أقصى طرفي الطيف السياسي ودعا إلى فرض حظر على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.
في الوقت نفسه، تفرض شرطة برلين قيودا متزايدة على المسيرات المؤيدة للفلسطينيين. ففي الشهر الحالي، أعلنت الشرطة حظرا فعليا على الهتافات العربية والطبول في أي مناسبة بالعاصمة. وكثيرا ما كانت الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين محظورة أو يتم تفريقها أو إجبارها على البقاء في مكان واحد.
ويقول بنتس إنه من غير المستغرب أن ترى الشرطة تتخذ موقفا صارما ضد الفلسطينيين. ويقول: “إنهم يتبعون فقط الساسة الذين يعتبرون، بناء على طلب إسرائيل، أي شيء ضد الإسرائيلية، معاداة للسامية”.
ولم تبد الأحزاب الرئيسية على يسار الديمقراطيين المسيحيين أي تقدير للمخاوف الفلسطينية. فقد تلقت إسرائيل 30% من أسلحتها ومعداتها العسكرية من ألمانيا في ظل الحكومة الائتلافية بقيادة الاشتراكيين الديمقراطيين بزعامة شولتس، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
ويقول إبراهيم إبراهيم، وهو ناشط فلسطيني ومنظم احتجاجات: “لقد شاركت ألمانيا في هذه الإبادة الجماعية لمدة 15 شهرا، من خلال تسليم الأسلحة لإسرائيل”.
ويخيم الخوف من الوصم الاجتماعي والاعتقال وحتى الترحيل على الفلسطينيين في برلين الذين يشعرون بأنه يتم تفسير تأييدهم لوطنهم الأم على أنه دعم للإرهاب وكراهية لليهود، وهو تفسير خاطئ تماما.
وتقول وفاء سعيد، وهي مغنية من غزة تعمل أيضا في خدمة العملاء في سلسلة ديكاتلون الرياضية: “نحن أيضا لدينا حربنا الخاصة في برلين”. وتؤكد أنه يجب النضال من أجل كل شيء هنا.
وتضيف وفاء التي ترددت في البداية بالتحدث بصراحة إلى صحافي خوفا من أن تتعرض إقامتها في ألمانيا للخطر، إنها تعاني في كل شيء “بدءا من محاولة الحصول على أوراقنا الرسمية وحتى حقنا في التعبير عن هويتنا بحرية من خلال ارتداء الكوفية الفلسطينية أو الانضمام إلى المظاهرات أو التعبير عن الرأي في شيء ما في العمل أو في الجامعة. تشعر دائما بأنك لا تستطيع التحدث بحرية لأنك تخشى ما قد يحدث بعد ذلك”.
ويرى الباحث في معاداة السامية بنتس، أن نبذ الفلسطينيين يعني تخفيف عبء الضمير الألماني. “إنه لأمر ممتع ومريح للغاية، فهو يخلصنا من عبء ضمائرنا ومشاعر العار والذنب (الراسخة لدى الألمان بسبب المحرقة)”. ، مضيفا أن إرث الهولوكوست سوف يطارد ألمانيا لأجيال قادمة، “لذلك إذا كان لدينا مجموعة من الناس يمكننا أن نشير إليهم بأصابع الاتهام وندينهم باعتبارهم معادين للسامية، فهذا يعني أننا بخير”.
(د ب أ)