يحيي اليحياوي
مخطئ كل الخطأ من كان يزعم (من العراق او من بلدان الجوار المباشر) ان قرار غزو العراق، واحتلاله فيما بعد، اتي ليخلص بلاد الرافدين من الديكتاتورية، او يحيد مخازن اسلحة الدمار الشامل، او يقيم انموذجا في الديموقراطية سرعان ما ستنتشر عدواه بكل المنطقة، ليقف سدا منيعا امام سبل استنبات الارهاب من بين ظهرانيها، ويقطع الطريق امام احتمالات الاحترابات الاقليمية، علي اعتبار ان الديموقراطيات لا تتحارب فيما بين بعضها البعض.
ومخطئ كل الخطأ من كان او لا يزال يتصور، ان قلب نظام الرئيس/الشهيد صدام حسين، واعدامه وزمرة من رفاقه، كانا لوحدهما كافيين ليشفعا للاحتلال الانجلوامريكي بالغزو والاحتلال، او يكفرا عنه ما سبق من شرور افعاله او ما تأخر.
والحقيقة ان ما اقدم عليه الجيش الامريكي ومنذ اليوم الاول، من تدمير شامل للعراق، وتخريب كامل لمرافقه ورموز سيادته، وتقويض ممنهج لمعالمه الحضارية، وتقتيل بالجملة لأهله، واطلاقه العنان لفرق الموت الطائفية كي تقتل المارة علي الهوية، وتستبيح حرماتهم بتحريضات مذهبية بدائية ومقيتة، حتي بات الناس يترحمون بحسرة علي العهد السابق… كل ذلك لا يستطيع ان يشفع للامريكان مرارة ما اذاقوه ويذيقونه للعراقيين (او ما تبقي منهم) من اذلال، واهانة واستباحة اعراض، وتشريد، ودفع للعيش في المجهول المطلق، المفتوح الافق.
لم يكن الفلسطينيون قطعا بمنأي عما جري ويجري بالعراق منذ العشرين من آذار (مارس) من العام 2003 والي اليوم، بل طاولهم الاذي والضرر البليغ، ليس فقط لان المحتل لم يكن بامكانه التمييز بين اصحاب الارض المستهدفين وبين الاقليات اللاجئة اليها، ولكن ايضا لانهم لم يكونوا محتمين بميليشيا، او بمذهب، او بطائفة تقيهم بطش المحتل، او تشفع لهم لديه، او تدافع عن الوضعية الهشة التي اضحوا مكمنها في حلهم كما بالترحال.
قد يلتمس المرء بعض العذر للمحتل، في قصفه العشوائي للمدن والاحياء المختلطة، او في مداهماته الليلية، التي يتساوي بموجبها ابن الوطن كما اللاجئ اليه. لكن محنة الفلسطينيين بـ العراق الجديد لا تاتي من المحتل فحسب، بل تاتي بالاساس من قربي في الدم والعرق واللغة والتاريخ وما سواها… انها تاتي بالتحديد من فرق الموت المنظم، التي تثوي خلفها ميليشيا الطوائف واحزاب حكومة الاحتلال، وعصابات التطهير العرقي التي تسني لها قبل ذلك او في خضمه، تأجيج الشارع عبر فضائيات لا تتواني في الجهر بذلك ضمنا وبالمعلن المباشر، دونما اكتراث بردود الفعل من هنا او هناك.
والواقع ان التشنيع الاعلامي الذي تعرض له الفلسطينيون، وكان خلف استهدافهم بالقتل العلني، او بالخطف او بالتهديد او بالابتزاز، انما اتي كمحصلة لاحتقان وكره شديدين لطالما كنه حكام العراق الجدد لهم، علي خلفية من ثلاثة اسباب، هي الي تسويغ السلوك الخشن بازائهم، اكثر ما هي وقائع ثابتة علي ارض الواقع:
ـ الاول ويتمثل في التهمة التي وجهت لهم مباشرة بعد سقوط النظام، كونهم كانوا مناصريه (عملاءه بمنطوقهم)، مؤيدين لتوجهاته، مستفيدين من رعايته، غير آبهين بما لحق اخوانهم العراقيين من بطش واهمال في ظله، حتي اذا سقط النظام اياه، وتم اعدام راس الهرم فيه، حزنوا وتحسروا، وفتح اخوان لهم خارج العراق (وبغزة تحديدا) بيوت عزاء، واعتبروا البطل شهيدا لقضيتهم دون جدال. صحيح ان الرئيس/الشهيد اكرم الفلسطينيين، وشيد لهم احياء للسكن (بضواحي بغداد وبغيرها)، وساواهم في الحقوق والواجبات مع العراقيين (في الاجور كما في التعيينات، كما في الترقيات الي حين عودتهم لموطنهم)، لكنهم لم يتميزوا بوضع خاص اعتباطا، اذ هم ايضا اسهموا في نهضة العراق، وبلغهم الضيم والاذي (شانهم في ذلك شان كل العراقيين) عندما حوصر البلد، وحرم من ادني مقومات العيش الاساس، لاكثر من عقد من الزمن… ناهيك عن اذي الاحتلال المشترك الذي طاولهم كما العراقيين دون تمييز.
ما العيب اذن (حتي تطاولهم البهدلة) في ان يلتفوا حول نظام اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟ ما العيب (حتي يعاقبوا علي ذلك) ان يحزنوا علي رجل لم يضع بينهم وبين اهل البلد تمييزا او فارقا او تفضيلا؟ ما العيب في ان يتحسروا علي رئيس اعتاد تذييل خطبه بالعيش لفلسطين، عندما كان بالسلطة والي حين لف حبل المشنقة من حول عنقه؟
ـ اما السبب الثاني، فيرتبط بـ تهمة انخراط الفلسطينيين في المقاومة العراقية، ومساندتهم لعناصرها، وتخندقهم خلفها، بل وايوائهم لبعض مكوناتها. ويستدل الدافعون بهذا الطرح (طرح الميليشيات الطائفية اقصد) ليس فقط بوحدة المذهب بينهم وبين المقاومة، بل وايضا بوحدة التواجد الجغرافي، المتمحور حول بغداد ومحافظة الانبار حيث المقاومة علي اشدها. من المؤكد ان ثمة فلسطينيين كثر من بين ظهراني المقاومة. لكن المفروض ان يحسب لهم ذلك لا عليهم، ليس فقط من باب الدفاع (او الثأر) لاهلهم وذويهم المغتصبين والمهانين، بل وايضا اكراما لبلد حارب جيشه من اجلهم وهم في صلب النكبة، حتي عندما تشردوا فتح لهم اذرعه، وجعل من قضيتهم قضيته، وتمنع بشدة في الاعتراف بعدوهم، حتي وان كان مدركا ان من شأن الاعتراف اياه، ان يضمن لرئيسه البقاء في السلطة والاستمرار في الحكم.
ـ السبب الثالث، ويتعلق بـ التهمة الجاهزة التي روجها ولا يزال حكام العراق الجدد، والتي يجسمونها باستهداف الفلسطينيين، كما المصريين، كما السوريين، كما المغاربة، كما غيرهم: تهمة العرب خذلونا يقول هؤلاء، تحت حكم النظام السابق، و لا يكفوا ايديهم عنا، في تلميح الي الروافد العربية والاسلامية للمقاومة العراقية.
ولما كان الفلسطينيون هم الرمز المادي لهذا الطرح بالعراق، فان القصاص منهم ماديا ومعنويا كاف للتعبير عن ان لا عروبة للعراق بعد اليوم.
قد تكون هذه الاسباب كافية بالقطع للنيل من ايتام النظام السابق، بالاغتيال المباشر، او بالطرد من المنازل، او بمصادرة الاملاك، لكن الدفع بذلك في حال الفلسطينيين امر غير مسوغ بالمرة، ليس فقط لانهم (كما العراقيين سواء بسواء) من مسؤولية المحتل المباشرة، ولكن ايضا لان وضعهم القانوني كلاجئين، لا يسمح لاحد كائنة ما تكن درجة ضغينته، ان ينال من حياتهم، او من امنهم، فما بالك ان يعمد الي التنكيل برؤوسهم بالمثقاب الكهربائي.
ان الذي يتعرض له الفلسطينيون في العراق المحتل (عراق الطوائف اقصد) هو اشد وافظع، بالقياس الي ما يتعرض له العراقيون، لاكثر من اربع سنوات من الاحتلال مضت:
ـ فهم، علي الرغم من قلة عددهم (اقل من عشرين الفا) يذوقون الامرين، بين تقتيل واختطاف وترحيل وتهديد واهانة، حتي اذا اجبروا علي الرحيل، اغلقت بلدان الجوار الحدود بوجوههم، ليبقوا معلقين بالحدود، بمخيمات لا فارق بينها وبين مخيمات الـ 48 بالاردن او بلبنان او بما سواهما.
ـ وهم، بانتفاء الحيلة من بين ظهرانيهم، راهنوا علي سلطتهم بالداخل ليعودوا لفلسطين، فاوصدت اسرائيل الباب في وجوههم، واعتبرت عودتهم من عاشر المستحيلات، علي اعتبار ان حق العودة مدرج في مناقشات وحواريات الحل النهائي.
ـ وهم، بحكم حجم الفوضي الموجودة بالعراق، غير مكترث بهم ولا بمصيرهم، حتي اذا انتبه العرب لحالهم، اكتفوا بالبيانات الفجة، واعلانات النوايا المبهمة بالاجتماعات الرسمية كما بالخطب الرنانة من علي استوديوهات الفضائيات.
لكم الله يا فلسطينيي العراق المحرر… ہ باحث واكاديمي من المغرب[email protected]