فوز ترامب في الانتخابات يضع الفلسطينيين أمام تحد مركب، وربما غير مسبوق، فيما يتعلق بتداعيات ولايته على مصيرهم. حسب تجربة الماضي، لا يوجد للفلسطينيين أوهام بأن تحقيق تطلعاتهم الوطنية موجودة على رأس سلم أولويات الرئيس القديم – الجديد. ولكن خلافاً لولايته السابقة، يتوقع أن الواقع الفلسطيني أكثر صعوبة في المستقبل القريب: لا يوجد ضغط للانسحاب من غزة أو مفاوضات حول تسوية سياسية أو حوار حول خطة تتحدى مشروع الاستيطان. ويدل على ذلك وابل التهنئة والأمنيات والتغريدات المسرورة من قبل اليمين المتطرف – البيبي لعودة ترامب إلى المكتب البيضاوي. وحتى العقوبات التي فرضتها إدارة بايدن على جمعيات وأشخاص من اليمين ربما تمحى بمرة واحدة.
في هذه الأثناء، من غير المعروف من سيتولى حقيبة الشرق الأوسط في الإدارة الجديدة. في الساحة الفلسطينية ما زالوا يتكيفون مع الواقع الذي فرض عليهم منذ 7 أكتوبر السنة الماضية، ويواجهون حقيقة أن غزة لم تعد قابلة للعيش فيها. فالجيش الإسرائيلي مسيطر على معظمها، وهناك من يريدون تسريع مشروع الاستيطان أيضاً هناك. السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية متعثرة وتمر بأزمة ثقة كبيرة لدى الجمهور الفلسطيني. وإسرائيل تدفع بالسلطة نحو الانهيار بقيادة سياسة وزير المالية سموتريتش، الذي لا يخفي نيته ضم أجزاء واسعة من الضفة.
من ناحية الفلسطينيين، ترامب سيسعى إلى إنهاء النزاع، لكن ليس من خلال تطبيق تطلعات الفلسطينيين الوطنية، بل من خلال محوها. هذا بالضبط ما فعلته أمريكا قبل مئات السنين، والآن سيجسد الفلسطينيين دور الهنود الحمر. معاهد أبحاث فلسطينية طرحت سيناريوهات متشددة أكثر، بحسبها مئات آلاف الفلسطينيين سيضطرون إلى مغادرة أماكنهم والانتقال إلى الأردن عقب ضم أجزاء من الضفة. الإضرار الكبير بمؤسسات دولية، لا سيما الأونروا، سيؤدي إلى تحطم قضية اللاجئين، والاتصالات للتطبيع مع دول عربية أخرى مثل السعودية ستعزل الفلسطينيين بالكامل. سيكون لبنان النازف وسوريا المتعثرة في حالة عجز عن التأثير على مصير الفلسطينيين، حيث ستقف إيران المردوعة إلى جانبهما. هذا الأمر يتفق بالتحديد مع تعريف الشرق الأوسط الجديد، لكنه تعريف نتنياهو وترامب.
شرق أوسط جديد
أمام المتشائمين يقف الذين لا يسارعون إلى تأبين ترامب. حتى في القطاع الذي تابع سكانه النتائج باهتمام، فإن الخسارة الكبيرة هي عقوبة تستحقها هاريس والحزب الديمقراطي بسبب سلوكهم في السنة الأخيرة تجاه القطاع والضفة الغربية أيضاً. يجد الجمهور تشجيعاً في حقيقة أن القضية الفلسطينية لم تتبخر رغم كل ما مر على الفلسطينيين، منذ ولاية ترامب الأولى وحتى السنة الماضية. الشعب الفلسطيني هنا ليبقى، فلا موجة نزوح أخرى، والتشجيع على الهجرة لن يغير الواقع.
في الساحة السياسية الفلسطينية سيفحصون كيفية تصرف ترامب أمام نتنياهو، ومن هو الطاقم الذي سيتم تعيينه للمنطقة، وإلى أي درجة سيكون قابلاً للمناقشة من ناحيتهم. أمس، سارع محمود عباس إلى تهنئة ترامب على الفور، وعبر عن أمله في تبني طموح الفلسطينيين في تقرير المصير. حماس من ناحيتها تتوقع أن الرئيس الجديد سينفذ وعده وسينهي الحرب على الفور. ورغم التشاؤم من نتائج الانتخابات الأمريكية، فإن عباس وقيادة حماس اختاروا مصطلحات غير عدوانية.
مع ذلك، يدرك الفلسطينيون أن جزءاً من المسؤولية عن تشكيل المرحلة القادمة يتعلق بالقيادة وتعاملها مع الإدارة الأمريكية الجديدة ودول المنطقة. استمرار الانقسام بدون رؤية، والصراعات الفارغة على السيطرة وتضارب المصالح في العالم العربي، كل ذلك سيجعل الفلسطينيين فريسة سهلة أمام عدوانية ترامب وحكومة المستوطنين. يجب طرح خطة ورؤية تجمع القوى الديمقراطية في إسرائيل والعالم، أو الاستمرار في البكاء على انتخاب ترامب لأربع سنوات قادمة.
جاكي خوري
هآرتس 7/11/2024