بيروت – “القدس العربي”: لم يقف الفلسطينيون في لبنان مكتوفي الأيدي أمام كارثة الانفجار الذي ضرب مرفأ بيروت والمناطق المجاورة في 4 آب أغسطس ولم يكتف الفلسطينيون في لبنان بمشاعر وبيانات التضامن، بل سارعوا لنجدة أشقائهم اللبنانيين وتطوعت مجموعات من الشباب والصبايا والأطفال والشيوخ بموقع الكارثة لإغاثة المنكوبين وعلاج الجرحى وإنقاذ المصابين، وانتشال جثث الضحايا والبحث عن المفقودين واستضافة المتضررين.
وهرع المئات والجمعيات الطبية والمؤسسات الإغاثية الإنقاذية الفلسطينية إلى مكان الانفجار، الأطقم الطبية التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، أفواج الدفاع المدني، جمعيات وروابط شبابية، مبادرات فردية، الجميع تطوع إلى اتخاذ مكان له بين الأنقاض والأحياء المتضررة.
جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في بيروت كانت في طليعة المؤسسات الطبية التي هبت لنجدة الجرحى وإغاثة المنكوبين، وأكد الدكتور رياض أبو العينين مدير مستشفى الهمشري في صيدا لـ”القدس العربي” أن الطواقم الطبية التابعة للجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني توجهت فور وقوع الانفجار إلى مكان الكارثة في المرفأ والجميزة ومار مخايل في بيروت، للتضامن مع المنكوبين وإسعاف الجرحى ورفع جثث الضحايا، لافتا إلى أن 3 سيارات إسعاف، تضم 20 مسعفا وممرضا وطبيبا انطلقت من مستشفى الهمشري، كما انطلقت سيارات إسعاف وطواقم طبية مستشفى حيفا في مخيم برج البراجنة قرب بيروت، إلى مكان الانفجار في المرفأ والجميزو ومار مخايل ومناطق أخرى في الأشرفية، وقامت الطواقم الطبية في الجمعية بمساعدة وإغاثة الجرحى وإخلاء بعض الجثث من داخل الشقق السكنية، وإجراء بعض العمليات الجراحية ومداواة الجرحى ميدانيا في مكان الانفجار بسبب اكتظاظ مستشفيات بيروت، بأعداد كبيرة من الجرحى والحالات الخطرة، بالإضافة إلى أن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني قامت بنقل عدد من الجرحى إلى المستشفيات في بيروت، ونقل عدد آخر من بيروت إلى مستشفيات صيدا، وأضاف: “قمنا بعلاج أكثر من 20 جريحا تم نقلهم إلى مستشفى حيفا في مخيم برج البراجنة، كما تمت معالجة 5 جرحى في مستشفى الشهيد محمود الهمشري في صيدا وأجريت للبعض عمليات جراحية، بسبب خطورة إصابتهم”.
وأضاف الدكتور أبو العينين أن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والمؤسسات الإغاثية والإنقاذية والمبادرات الشبابية توجهت منذ الساعات الأولى لمكان الانفجار والمناطق المنكوبة في بيروت، ودخلت الأطقم الطبية والإسعافية الفلسطينية حرم المرفأ وقامت بانتشال جثتين وأجرت عمليات مسح للبحث عن أشلاء جثث داخل حرم المرفأ، لافتا إلى أن الطواقم الطبية الفلسطينية ما زالت حتى الآن بحالة استنفار دائم وعلى استعداد لتقديم أي خدمة للشعب اللبناني الشقيق.
ونوه الدكتور أبو العينين إلى أن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني قدمت خدماتها الطبية والإسعافية في جميع الأحياء المتضررة والمنكوبة نتيجة انفجار مرفأ بيروت، وخاصة في الجميزة، مار مخايل، الدورة، لافتا إلى أن ترحيبا لبنانيا واسعا من اللبنانيين على جميع المستويات بالمبادرات الفلسطينية، مضيفا أن عمل الجمعيات والمؤسسات الفلسطينية قوبل بترحيب اللبنانيين وبتقدير كبير من الأهالي والمؤسسات، لأن الطواقم الطبية والإسعافية و الإنقاذية الفلسطينية قدمت خدمات كبيرة، ذاكرا أنه في شارع الجميزة، وجدت إصابة وجثة ضحية داخل مبنى شبه مهدم، بادرت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني لنقل الجثة قبيل منتصف الليل الى منطقة بكفيا في جبل لبنان، وتلقت الجمعية ثناء كبيرا من الأهالي بعد أن تعذر على الصليب الأحمر اللبناني نقل المصاب، وعبارات الشكر للجمعية والمؤسسات الفلسطينية وفلسطين على مبادراتهم وقدرتهم لتقديم المساعدة.
وذكر رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في لبنان أن سيارات الإسعاف التابعة للجمعية كانت تنقل الجرحى من داخل المرفأ إلى المستشفيات وتقدم الإسعافات للجرحى، وعولجت إصابات ميدانيا داخل المرفأ، حيث أجرى أطباء جمعية الهلال الفلسطيني عمليات جراحية في مكان الانفجار داخل المرفأ، لذلك رحب أهالي وسكان المنطقة المنكوبة بالدور الفلسطيني في الإسعاف والإنقاذ، ورحبت بتضامن الشعب الفلسطيني ومؤسساته الطبية والإغاثية إلى جانبهم.
وفي حي الجميزة، كان المهندس الفلسطيني طارق معروف يتنقل من مكان لآخر، ومن بناية منكوبة إلى أخرى يمسح الأضرار ويقدم المساعدات للترميم وبناء ما دمر وما تضرر بسبب انفجار المرفأ، وبادر مع العمال إلى رفع الأنقاض وفتح الطرقات، ومسح الأضرار التي أصابت مناطق الجميزة ومار مخايل.
وأكد لـ”القدس العربي” أن حجم الدمار كبير والخسائر كبيرة، أهالي المنطقة فقدوا جنى عمرهم، دمار هائل، وأضرار لا توصف، مضيفا: “جلست مع عدد من سكان الجميزة للمساهمة في تقدير أوضاع منازلهم وممتلكاتهم، يصفون حالتهم وهم في بؤس شديد، الدمع لا يفارق عيونهم.. والحزن رسم بكل ألوانه على ملامح وجوههم”.
وقال إن الدمار في الجميزة ومار مخايل لا يختلف كثيرا عن الدمار الذي أصاب غزة وجنين وصبرا وشاتيلا، مؤكدا أن مبادرته لمساعدة اللبنانيين في المنطقة المنكوبة جاء تطوعا منه كمهندس فلسطيني وبمبادرة شخصية منه كإنسان فلسطيني ومن الشركة التي يعمل بها.
وأعرب المهندس طارق عن حزنه العميق بسبب الانفجار الكارثي الذي أصاب بيروت، مشددا على أن مساعدة الشعب الفلسطيني للشعب اللبناني الشقيق أمر طبيعي، ويجب أن لا يكون مصدر استغراب واستهجان.
المبادرات الفلسطينية للتضامن مع الشعب اللبناني والوقوف إلى جانبه بعد انفجار مرفأ بيروت لم تقتصر على المؤسسات والجمعيات الإغاثية والطبية، بل هرعت مجموعات من الشباب والصبايا بمبادرات جماعية وفردية للمشاركة في عمليات الإسعاف والإنقاذ وانتشال الجثث والبحث عن المفقودين بين ما تبقى من أبنية ومنشآت.
وقال الإعلامي الفلسطيني أحمد دحويش: “بادرنا لتشكيل مجموعات شبابية من داخل المخيمات الفلسطينية، وانطلقنا إلى مكان الانفجار والأحياء المجاورة، لإنقاذ المنكوبين ومعالجة الجرحى، وانتشال جثث المفقودين، وانطلقنا بعملنا من أكثر المناطق تضررا وهي منطقة الجميزة، وتم التواصل مع الجهات المعنية اللبنانية لتسهيل عملنا وليكون عملنا منظما وفي إطار القوانين والإجراءات المرعية، ساهمت المجموعات الشبابية الفلسطينية في عمليات الإنقاذ وانتشال الجثث ورفع الأنقاض وتنظيف الشوارع والأزقة.
عمل الشباب بكل همة ونشاط وإرادة واندفاع، شعورا منهم بالمسؤولية تجاه اللبنانيين في مصابهم الأليم”.
وثمنت المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني اللبنانية دور جمعية الهلال الأحمر والدفاع المدني الفلسطيني في العمليات الإنقاذية والوقوف إلى جانب المنكوبين وعلاج الجرحى، وأكد قائد الدفاع المدني في مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا تامر الخطيب، لـ”القدس العربي” أن المؤازرة الفلسطينية بالمشاركة بمئات عمليات الإنقاذ، أثمرت عن إنقاذ العشرات نقلت إلى مستشفيات بيروت وصيدا، كما شاركت بانتشال الأحياء من تحت الأنقاض، وجرت عمليات النقل بواسطة سيارة تابعة للدفاع المدني الفلسطيني إلى مستشفى “اوتيل ديو”، وأضاف قائلا: “لم نقم إلا بواجبنا الإنساني والوطني ونعتبره قليلا إزاء التضحيات الجسام التي قدمها لبنان للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، مضيفا بأن لبنان يحتضن الفلسطينيين منذ عقود، لذلك فمصاب اللبنانيين والفلسطينيين واحد.
وحول طبيعة المهمات التي نفذها الدفاع المدني الفلسطيني في المناطق المنكوبة قال الخطيب: “انطلقنا في البداية من برج البراجنة وشاتيلا وبعدها تم طلب الفرق من عين الحلوة والبرج الشمالي إلى مكان الانفجار والمناطق المنكوبة المجاورة، قمنا بنقل عشرات الجرحى من المرفأ والمناطق المجاورة المتضررة الى المستشفيات”.
لقد تم التوجه “حسب الخطيب” مساء يوم وقوع الانفجار الى منطقة الأشرفية المتضررة لإنقاذ بعض العالقين في المباني وتحت الأنقاض.. ويروي الخطيب قصة الشاب عصام عطا الذي استغرقت عملية انتشاله مدة 11 ساعة من تحت مبنى مهدم بفعل الانفجار يصفها الخطيب بعملية الإنقاذ التي تكللت بالنجاح ويضيف: “عشنا معه 11 ساعة، كان يناشدنا: لا تتركوني فنقول له لن نتركك ونعده أن نموت سويا أو نحيا سويا”.
هو الأمان الذي أردنا أن نمده به يقول الخطيب ويصف الأمر بالمعجزة إذا كان عصام موجودا في عمق 7 أمتار تحت الأرض، لقد تم استحداث فتحة في أحد الجدران لإنقاذ رجله التي كانت عالقة.
أمام هول جريمة انفجار مرفأ بيروت، والآثار المدمرة التي أصابت العاصمة اللبنانية، هرع الفلسطينيون للتضامن مع أشقائهم اللبنانيين، تدفقت الجمعيات والمؤسسات والمئات من الشباب والصبايا لبلسمة الجراح اللبنانية.
