الفلسطينيون يواصلون استذكار “مطران العرب” بشارة حجار- (صور)

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: المطران اللبناني الأصل غريغوريوس بشارة حجار المعروف بمطران العرب رحل منذ ثمانية عقود وما زال الفلسطينيون يستذكرونه بفضل دفاعه عن وطنهم وعروبته، وانفتاحه على الإسلام ومساهماته في تقديم مختلف الخدمات لهم، وبفضلها أطلق عليه لقب “مطران العرب”.

بالتّعاون مع مجلس معليا المحلّيّ مؤسّسة “محمود درويش للإبداع” عقدت ندوة ثقافيّة بمناسبة مرور ثمانين عامًا على رحيل مطران العرب “غريغوريوس بشارة حجّار” رئيس أبرشية حيفا للرّوم الكاثوليك الملكيّين، شهيد فلسطين وفقيد الشّعب الفلسطينيّ والأمّة العربيّة كلّها. غصّت قاعة “الأحلام” في قرية معليا، بجمهور كبير من أهالي معليا وأهالي القرى المجاورة، جاءوا ليشاركوا في هذه النّدوة المميّزة. في جوّ من الأحاسيس بالفرح الرّوحانيّ والوطنيّ وبحضور المطران “عطا الله حنّا” رئيس أبرشية الرّوم الأرثوذوكس، والأب “إلياس العبد” خوري القرية ومدير مدرستها الابتدائيّة، ورئيس مجلس معليا المحلّيّ “حاتم عرّاف”، والمحامي “جواد بولس” والمؤرّخ دكتور “جوني منصور” والشّاعر “علي هيبي”.

افتتح النّدوة الكاتب “عصام خوري” مدير مؤسّسة “محمود درويش للإبداع” في الجليل، وقد استهلّ بكلمة ترحيبيّة وتطرّق إلى مسيرة “الحجّار” الوطنيّة ونشاطه الكفاحيّ في خدمة قضيّة الشّعب الفلسطينيّ.

ومن ثمّ قدّم رئيس المجلس “عرّاف” كلمة ترحيبيّة شكر فيها الحضور وشكر مؤسّسة “محمود درويش” ومديرها على لفتتها الكريمة باختيار معليا أن تكون حضنًا لهذه الذّكرى العاطرة لإحياء مسيرة “الحجّار” العريضة، وأعرب عن استعداده لتقبّل أيّ اقتراح وتعاون مع المؤسّسة في فعاليّات ثقافيّة ووطنيّة مستقبليّة.

نشر الوعي

المحامي “جواد بولس” في كلمته تطرّق بطلب من الجمهور إلى تاريخ تأسيس مؤسّسة “درويش” وفعاليّاتها في حفظ الإرث الدّرويشيّ الأدبيّ والوطني وعن إنجازاتها في نشر الوعي الوطنيّ والإنسانيّ، ومن ثمّ تطرّق لمسيرة “الحجّار” وبخاصّة عشقه للتّعليم وبناء المدارس الّتي كانت صروحًا تعليميّة ووطنيّة على المستوى الفلسطينيّ وخدمة لقضيّته بكلّ طوائفه ومشاربه الفكريّة. ولذلك نوّه بولس بدور تلك المدارس الأهليّة المسيحيّة الّتي كان “الحجّار” رائدًا من أشهر روّادها منذ بدايات القرن العشرين، ومنذ تولّى كرسيّ الأبرشيّة في عكّا، سنة 1901. ونبّه بولس إلى ضرورة الحفاظ على هذه المدارس المسيحيّة والّتي هي ملك وحقّ لكلّ إنسان عربيّ وفلسطينيّ، يحترم وطنيّته وانتماءه العربيّ ويحافظ على نسيجه الاجتماعيّ المتعدّد المشارب والاتّجاهات.

وفي كلمته ذات الأبعاد الرّوحانيّة والدّينيّة والقوميّة محورَها المطران “عطا الله” حول ضرورة طرح السّؤال، ماذا يمكن أن يقدّم لهذه الشّخصيّة الّتي قضت عمرها في العمل من أجل الوحدة الوطنيّة، ماذا نقدّم لها ونحن نعيش هذا التّشرذم والانقسام والعنف والتّطبيع؟ وقد وصف الحالة كأنّنا نعيش في ظلّ مؤامرة “سايكس بيكو” جديدة، وهو ما يريد تخليده أعداء هذه الأمّة من حالة تشتّت قوميّ وفلسطينيّ دائم، ولذلك دعا الحضور من المسلمين والمسيحيّين والدّروز، أن تمسّكوا بوحدتكم فهي السّلاح الأقوى الّذي يخافه أعداؤنا، وابتعدوا عن خطاب التّشرذم والإقصاء وابنوا جسور المحبّة والتّقارب إذا أردتم فعلًا الحفاظ على إرث مطران العرب “الحجّار”.

أياد بيضاء

وفي كلمة مستفيضة للأب “إلياس العبد” تطرّق فيها إلى الكثير من مناقب “الحجّار” وأياديه البيضاء الّتي ما زالت تطوّق الأعناق، وقد تناول عددًا كبيرًا من القصص دلّت كلّها على علاقته بالنّاس من كافّة الطّوائف وبخاصّة بالنّاس البسطاء من فلّاحين وعمّال وفقراء. وتحدّث الأب الياس العبد عن بناء الحجار للكنائس والمدارس في معظم القرى، وعن دوره الوطنيّ في مكافحة الاحتلال منذ العهد العثمانيّ مرورًا بالانتداب البريطاني المتعاون مع الصّهيونيّة.

ثلاث دوائر

وللمؤرّخ الباحث دكتور جوني منصور كانت مداخلة تاريخيّة عن مسيرة المطران، بناها على ثلاث دوائر، الأولى نشاطه في مرحلة مبكّرة في “دير المخلّص” وسفره إلى مصر وصعوبة تحديد الاتّجاه، ومن ثمّ عودته لدراسة اللّاهوت في “الدّير”، وفي الدّائرة الثّانية تناول منصور اهتمام المطران بأبرشيّته وتنظيمها ورعايتها وجمع التّبرّعات من الخارج والدّاخل لتوسيع تأثيرها الرّوحانيّ والوطنيّ، وكذلك اهتمّ المطران بإنشاء الأندية الّتي رعت الحياة الثّقافية وزادت من التّعاون الاجتماعيّ بين النّاس في كثير من القرى.

وفي الدّائرة الثّالثة ركّز المؤرخ منصور على نشاطه خارج دائرة الكنيسة وإقامة العلاقات الأخويّة بين جميع الأديان والحركات السّياسيّة والوطنيّة لصدّ المشروع الصّهيونيّ والانتدابيّ، فأقام الجمعيّات الإسلاميّة المسيحيّة المشتركة، فكان لها دور إيجابيّ ومؤثّر في زيادة اللّحمة الاجتماعيّة والوطنيّة والسّياسيّة.

بيت القصيد

وأغنى اللّقاء المربّي الباحث بسّام عرّاف بقصيدة قديمة ألقاها أمام الجمهور في مدح المطران الراحل حجار كتبها مختار ترشيحا “فهد شريح” منذ سنة 1967 فلاقت هذه القصيدة/ الوثيقة المكتوبة بخطّ اليد إعجاب الحضور. وكان الشّعر مسك ختام هذه الأمسية، فقد ألقى الشّاعر “علي هيبي” قصيدة لشاعر القطريْن “خليل مطران” وهو صديق للمطران في مدحه سنة 1925، ألقاها بمناسبة اليوبيل الفضّيّ لجلوس الحجّار على كرسيّ المطرانيّة في فلسطين ومن ثمّ ألقى قصيدة من ديوانه الأخير بعنوان “السّيّد قام”.

راسخ بذاكرة الفلسطينيين

وأوضح المؤرخ جوني منصور لـ”القدس العربي” أن المطران بشارة حجّار ولد في قرية روم جنوبي لبنان عام 1875، وتتلمذ في دير المخلص في صيدا ثم في القاهرة ولما بلغ الـ22 من عمره سمي شماساً في كاتدرائية نيقولا في صيدا.

يشار إلى أن دكتور جوني منصور قد أصدر قبل سنوات في حيفا (مقر كرسي مطرانيته) كتابا بعنوان “رؤية معاصرة لحياة وأعمال المطران حجّار” يوثق سيرة رجل الدين المسيحي الذي برز بنشاطه الاجتماعي والسياسي ضد المشروع الصهيوني. يستند منصور في دراساته إلى أرشيف الكنيسة والروايات الشفوية ويشير إلى أن بشارة حجار عيّن رغم صغر سنه أسقفاً على أبرشية عكا عام 1899 بناء على طلب أهلها، وما لبث أن عُيِّن مطراناً لها.

ويشير أيضا إلى أنه منذ قدومه إلى عكا نجح الأسقف اللبناني في بناء شبكة علاقات طيبة مع كافة الطوائف والأطر الاجتماعية والسياسية الفلسطينية. ويؤكد ما أشارت إليه مراجع أخرى حول نهج المطران حجار بالتقرب من الفلاحين الفلسطينيين احتراماً لارتباطهم بالأرض وفلاحتها وحمايتها من السمسرة والبيع. وتجلى ذلك في مساعدته لهم بالسعي لتخفيف الضرائب عن كاهلهم وتوفير مساحات من الأراضي الكنسية لمن ليس بحوزتهم أرض. وعلى خلفية نشاطه هذا وسعيه لحماية حقوق الناس، حُكم عليه بالإعدام فلجأ إلى مصر عام 1914 وظل منفياً حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

ولفت منصور إلى أن المطران حجار الذي نقل مقر كرسي أبرشيته من عكا إلى حيفا عام 1926 وحافظ على اسمها وهو “أبرشية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل”، قرن نشاطه الديني بالعمل الاجتماعي لتعزيز اللحمة بين المسيحيين والمسلمين في وجه المخاطر الصهيونية المحدقة بالبلاد. ويشير إلى أن نضاله من أجل قضية الفلسطينيين الوطنية جعلهم يطلقون عليه لقب “مطران العرب” تقديراً لمساهمته الجليلة وظلت التسمية هذه متداولة بعد مصرعه دهساً عام 1940.

ورداً على سؤال يشير المؤرخ جوني منصور إلى أن المطران حجّار عرّف نفسه بأنه عربي وفلسطيني فرح لفرح شعبه وحزن لحزنه طيلة أربعة عقود قضاها في فلسطين. ويدلل منصور على التزام المطران حجار بقضية فلسطين بالإشارة إلى شهادته أمام اللجنة الملكية البريطانية عام 1937، وفيها أشاد بالتسامح الإسلامي التاريخي مع النصارى بعكس اليهود.

فلسطين للفلسطينيين

واستهجن حجار في شهادته مطلب الصهيونية بوطن قومي في فلسطين، مشدداً على أن اليهود أتباع ديانة من عدة شعوب وليسوا قومية مستقلة، وأن “فلسطين للفلسطينيين”، وأن مزاعم الصهيونية باطلة. ويتابع جوني منصور “كما تجلت غيرته على فلسطين في مذكرة بعثها إلى الجالية العربية في الولايات المتحدة عام 1938 يحثهم فيها على مناصرة الفلسطينيين وفلسطين التي تتعرض لما سماه “التخريب والتدمير”.

ويشير منصور لدور حجّار في الحركة الوطنية الفلسطينية عبر مشاركته الفاعلة في المؤتمرات واللقاءات والنشاطات السياسية المدافعة عن فلسطين وعن حق الشعب الفلسطيني في وطنه، دون أن يكون منتمياً إلى حزب. ويلفت منصور إلى أن المطران الراحل ساهم كثيراً في بناء كنائس وقاعات ومدارس ومؤسسات وجمعيات قدمت الخدمات لكافة الفلسطينيين.

بناء مدارس وطنية

ومن أبرز المدارس التي بناها وكانت نبراساً للعلم والتربية وعرفت بمدارس الحجار، المدرسة الأسقفية الوطنية في قرية البصّة المهجرة قضاء عكا، وفيها درس الطلاب من فلسطين والأردن حتى نهاية المرحلة الثانوية.

المؤرخ منصور ابن مدينة حيفا الذي يبرز الهوية الوطنية والقومية العربية للمطران الراحل، يوضح أن الفلسطينيين خلدوا ذكراه بإطلاق اسمه على عدد من المؤسسات وشوارع المدن والقرى العربية في الداخل. ويؤكد على تميز المطران الراحل والذي تجلى في جمعه بين الدين والدنيا عبر التشديد على النصرانية والعروبة والتدين الصادق ويشير إلى الدور الهام لحجار في نشر الثقافة وحماية اللغة العربية، ويقول إنه “أجاد لغة الضاد وأحبها وتغنى بها، وكان كثيرون ممن سمعوه يبلغونه: أنت أخطب من سمعت.

كما ينبه منصور إلى أن قضية فلسطين بالنسبة لحجار هي قضية مبدأ آمن به وبعدالته، معتبراً أن استماتته كرجل دين ومثقف لبناني الأصل في الدفاع عنها هي دفاع عن الحق والعدل، داعياً إلى صيانة موروثه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية