تعرف الثقافة العربية المعاصرة اليوم حركة فكرية نشيطة تسعى إلى تأسيس أوراش فلسفية للنظر في القضايا الفلسفية المعاصرة من منطلق البحث الأكاديمي الجاد، وقد ظهرت الأعمال الأولى لهذه الورشة تحت إشراف المفكرُ اللبناني مشير باسيل عون، بعنوان «الفلسفة الفرنسية المعاصرة: اتجاهاتها ومذاهبها وإسهاماتها» (دار صوفيا، الكويت، عشرة مجلدات تصدر تباعا) وبمساهمة ثلة من الباحيثن اللبنانيين والعرب من مختلف البلدان العربية.
بعد الجزء الأول الذي تناول فيه الباحثون قضايا الفلسفات البنيوية وما ترتب عنها من تيارات التفكيك والاختلاف، أثرت بشكل كبير في المشهد الفلسفي العالمي. يأتي الجزء الثاني الذي تم تخصيصه للفينومينولوجيا وتفرعاتها والفسارة الفلسفية (التأويل الفلسفي) حيث تم إنجاز أربعة عشر فصلا ومقدمة بقلم الباحث اللبناني فرانك درويش، الذي اعتبر أن دخول الفينومينولوجيا إلى فرنسا، دخل منهجيا من البوابة الديكارتية باعتبارها المدخل الرئيس للفكر الفرنسي، الذي تأسست معظم أطروحاته على فلسفة رونيه ديكارت.
وبما أن الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل، بنى معظم أفكاره انطلاقا من فكر ديكارت، فإن الفرنسيين وجدوا الفلسفة الفينومينولوجية امتدادا للديكارتية. من هنا انتعشت الفينومينولوجيا في فرنسا، التي أصبحت المركز الأول لهذه الفلسفة على الصعيد العالمي.
اخترنا في هذا المقال الحديث عن بعض الأبحاث وعرض أهم أفكارها، مع العلم أن كل المواد التي تم تقديمها في الكتاب لها قيمة علمية وفلسفية من شأنها أن تغني الفكر العربي المعاصر.
قدم الباحث التونسي فتحي انقزو، في هذا الجزء دراستين الأولى، حول هنري كوربان، عالم المثاليات وتأويليات الفرد، هذا المفكر الحقيقي الذي جمع بين الاستشراق والنفس الصوفي العميق، من خلال دراساته الدقيقة وارتحاله الروحي من عالم الفكر الغربي إلى عالم جديد، ساهم بشكل كبير في الكشف عن كنوزه الثمينة، وهو عالم العرفان في التراث الإسلامي الإيراني، خصوصا توقفه الطويل عند السهروردي، الذي يعد أحد أعلام التصوف الإسلامي، وهذا ما جعله يعنون سيرته الذاتية بعنوان دال «من هايدغر إلى السهروردي». إن ترجمة كتابات هذين العلمين الكبيرين واشتغاله عليهما بحثا ودرسا، جعله يكتشف أن ما يجمع بينهما هو الهرمينوطيقا وعنصرها المنهجي الفينومينولوجيا، الذي تلقى مبادئه الأولى على يد إدموند هوسرل، ومن خلاله حاول أن يساهم في تغذية هذا المنهج، الذي لعب دورا كبيرا في تطوير الفكر الإنساني عموما، وقد قدم فتحي أنقزو دراسة مفصلة حول أعمال كوربان، باعتبارها علامة فارقة في دراسات الفلسفة المعاصرة ذات الطابع الفينومينولوجي في صيغته الفرنسية. أما الدراسة الثانية فيه حول مارك ريشير بعنوان» الفلسفة والخيال: من الفينومينولوجيا إلى التاريخ» ومارك ريشير هو أحد أعمدة الفلسفة الفينومينولوجية، التي حاول أن يبلور إشكاليتها عبر ثلاث مراتب، الأولى تخص المرحلة التكوينية انطلاقا من المناظرة مع المثالية الألمانية المبكرة، ووجهها الرئيس فيخته، والثانية تتعلق بالنواة النسقية لهذه»الفينومينولوجيا الأصلانية» كما عبرعنها كتاب «المباحث الفينومينولوجية» والمؤلفات التي تدور في فلكه، والثالثة اتخذت صيغة الفينوميولوجيا التكوينية، وما تعلق بها من مسائل التأسيس الرمزي للمعنى وانتظامها على هيئة معماريات فلسفية ذات منحى نسقي.
وبما أن الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل، بنى معظم أفكاره انطلاقا من فكر ديكارت، فإن الفرنسيين وجدوا الفلسفة الفينومينولوجية امتدادا للديكارتية. من هنا انتعشت الفينومينولوجيا في فرنسا، التي أصبحت المركز الأول لهذه الفلسفة على الصعيد العالمي.
تلي ذلك دراسة ثانية للباحثة المصرية صابرين زغلول حول المفكر الفرنسي المثير للجدل إيمانويل ليفيناس تحت عنوان: «الذات والآخر في جدلية الهوية والدين» حيث وضحت بأن مهمة فلسفته هي فهم العلاقة بالآخر بوصفها أصل كل علاقة بالوجود، من خلال احترام غيريته والحوار معه وعدم اختزاله في هوية الشبيه، التي تضيع إنسانيته. هكذا وضع ليفناس هذه القضية على أرضية إيتيقية عوض الأرضية الأنطولوجيا التقليدية، فأسس بذلك تصورا جديدا للهوية، انطلاقا من مفاهيم المغايرة والاختلاف. كما أن ليفيناس ينتقد فلسفة الأنا التي تنطلق من التأمل الترنسندنتالي وتنظر إلى الغير نظرة اختزالية مقلصة المسافة بينه وبين الأنا. وتضيف الباحثة صابرين زغلول، أن الخلفية اليهودية لأصول ليفيناس جعلته يعطي الاختلاف بعدا دينيا، من خلال مصطلحات الجار والضيافة والمحبة، حيث اصطبغ مفهوم الهوية بصبغة سياسية دينية، بالإضافة إلى أنه سعى إلى تنقية الاختبار الإيماني من كل ضروب الهيمنة، التي تمارسها الأنظومة الفكرية اللاهوتية والمؤسسة الدينية الزمنية..
أما الباحث المغربي عزالعرب لحكيم بناني، فقد أنجز في الجزء الثاني من هذه الموسوعة بحثين مهمين الأول، حول المفكرهنري دومري بعنوان «كيف ينكشف المطلق المقتضى في الحرية المطلقة من منظور منهجي جديد» وضّح من خلاله الخطوط العريضة للمشروع الفلسفي لهذا المفكر، الذي يندرج ضمن فلسفة الدين، باعتبارها حقلا فلسفيا يسعى إلى إخضاع بنيات السلوك الديني، مبينا أصله وتطوره للتأمل النقدي، مبينا أصالته الفلسفية، خاصة في سعيه إلى الاستفادة من نظرية الفيض الأفلاطونية المحدثة (نسبة إلى الفيلسوف أفلوطين) من أجل بناء علاقة جديدة بالألوهية، تتجاوز الأطر الميتافزيقية التي حولت الذات الإلهية إلى «موضوع الذات البشرية». ويحمل البحث الثاني عنوانا دالا «التفكير في الكينونة: توفيقا بين الظاهراتية الفلسفية والعلم الدقيق، من أجل إنسية عقلانية» حيث استعرض خطوط فكر دومينيك جانيكو الفلسفي، موضحا الروافد التي نهل منها داخل الفلسفة الألمانية، من خلال أعمال هيدغر وهوسرل، كما استعرض خصوصية الظاهراتية الفرنسية، التي احتلت جزءا مهما من أعمال جانيكو، بالإضافة إلى تطرق الباحث إلى معالم فكره الفلسفي، من خلال دفاعه عن العقلانية والمذهب الإنساني، ونقد المذاهب الأتوبية وما بعد الحداثة، وإعادة توجيه البحث الفلسفي في اتجاه محاربة الشر الجذري وخلق تكامل مثمر بين العلم والأخلاق، دون التهويل بمخاطر العلم على مستقبل الطبيعة البشرية.
الباحث اللبناني فرانك درويش، تناول بالدرس موضوعين الأول، يتعلق بالجسد في تناولات الفينومينولوجيا، نموذج الفيلسوف موريس ميرلو بونتي الذي استطاع توظيف معطيات علم النفس الجشطلتي، من أجل إعادة النظر في جميع مستويات الفكر الفلسفي والنفسي، عبر اكتشافه للمنهج الفينومينولوجي عند إدموند هوسرل، الشيء الذي أدى به إلى إشعال ثورة فكرية حول تصور الإنسان لجسده وفكره وعلاقته بالأشياء، بعيدا عن التصورات العقلانية والتجريبية والكانطية الجديدة، بحث ساهم في تطوير الكثير من المفاهيم المتعلقة بالجسد والنفس، في أبعادهما التاريخية والسياسة واللغوية. أما البحث الثاني فيدور حول جدلية الوهب: من ديكارت إلى تجاوز الدازاين عند الفيلسوف جان لوك ماريون، الذي تأثر في فكره بديكارت ومارتن هيدغر، بحيث انتقل تدريجيا من أبحاثه الديكارتية إلى تطوير مفهوم الهبة، بالإضافة إلى توجهه المستمر نحو الفكر الديني في صيغته الكاثوليكية. وما زال يواصل أبحاثه في هذا المجال بحضوره المستمر في الساحة الثقافية والإعلامية.
ثم قدم الباحث المغربي المهدي مستقيم، دراسة بعنوان «من أبستمولوجيا الفضائل إلى أبستمولوجيا الاعتقادات الدينية» بحث فيه أهم أطروحات المفكر الفرنسي روجه بويفه، مبينا أن المراجع تشير إلى أن تأسيس أبستمولوجيا الاعتقاد يعود إلى الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين، عندما جعل الاعتقاد موضوعا للدراسة الأبستمولوجية، منطلقا من أن الاعتقاد له مجموعة من السمات تجعله متميزا عن باقي الاعتقادات. ومن بين أهم الاجتهادات في هذا المجال، ما قدمه روجه بويفه، الذي أكد أن الاعتقادات الدينية ليست مجرد فرضيات ينتظر منا تدعيمها وتقويتها ببرهان. غير أن الاعتقاد المبني على أسس عقلاينة تكون له قيمة أعظم من ذلك الذي يخلو من أي أسس أو مسوغات. كذلك فإن الحق في الاعتقاد هو من بين المواضيع المفضلة في أبستمولوجيا الاعتقاد، حيث يمتلك الشخص الحق في الاعتقاد بأي فكرة يكون مقتنعا بها، لاسيما وأن الخصائص المعيارية للاعتقادات ترتبط بنتائجها. ومن ثم، يمكن القول وفق هذا المنظور، إنه ما دام ليس للاعتقاد نتائج مضرة، فيبقى مشروعا من الناحية الأبستمولوجية. لأن المعيار الأبستمولوجي الذي تقوم عليه هذه الاعتقادات لا يتجلى في مدى مطابقتها الحقيقة، بل في قيمة نتائجها العملية، بل إن هناك بعض الاعتقادات الدينية، التي تحفز أصحابها على إنتاج أفعال خيرة مثل اعتقاد وجود الله.
وقدمت اللبنانية كارين نصر دميرجيان، بحثا حول الفيلسوف جان غرايش بعنوان: «فسارة التوفيق الابتكاري بين التيارات الفلسفية». وغرايش هو أحد الأسماء الفارقة في الفكر الفلسفي المعاصر الذي لعب دورا كبيرا في توضيح الكثير من الأطروحات الفلسفية لكل من هوسرل وهيدغر وربطها بالمنظومة الفسارية، كما ساهم في حوار مفتوح بين الفلاسفة، والفلاسفة واللاهوتيين. بالإضافة إلى تطويره للدراسات المتعقلة بفلسفة الدين، خاصة في كتابه العمدة في هذا المجال والموسوم بـ»العوسج الملتهب وأنوار العقل: ابتكار فلسفة الدين» حيث عكف على دراسة أهم المقاربات التي أثمرت في فلسفة الدين، مميزا بين المقاربات التي تناولت فلسفة الدين خلال العصور التي سبقته، ويصنفها على الشكل التالي: المقاربة النظرية، والنقدية، والظواهرية، والتحليلية، والفسارية. ويمثل تسلسل هذه المقاربات مسار التفكير الغربي عبر التاريخ.
أما الباحث اللبناني جان الرعيدي، فقد بحث في موضوع «فينومينولوجيا الحياة أو العودة إلى البدايت الفينومينوجية المفقودةعند ميشيل هنري» وهو أحد المجددين لفينومينولوجيا إدموند هوسرل، الذي عمل على تأصيلها وبعث روح جديدة في أطروحاتها، على ضوء اجتهاداته انطلاقا من الأرضية الأصلية للفينومينولوجيا، وهي الحياة الكامنة في ذاتها وفي بعدها الباطني، إنها الحياة اللامرئية التي تعكس ظهور الأشياء في فضائها الداخلي، وليس في العالم المرئي. إن الحياة حسب ميشال هنري تعانق عمقها، ولا ترى ذاتها إلا في صلب هذا العناق الذي يأبى أن يشقه نور شعاع فكري ليس من طبيعة نوره. كذلك فإن المعرفة تحصل من خلال ما ترينا إياه الحياة، لأن المعرفة ليست نتيجة تصورات أو تحليلات عقلية لأشياء مفصولة عن الذات العارفة، بل هي فعل متجسد حي، ولأنه لا يمكن أن نرى الحقيقة، إلا إذا أظهرتها لنا الحياة في عمق إحساسنا الذاتي بها.
باحث من المغرب