سليم عزوز
أكتب لكم من على فراش المرض عن المتهم المريض حسني مبارك، الذي ينام لنا وللمحكمة التي تحاكمه ‘بالعرض’، ظنا منه انه يمكن أن يستدر عطف الناس بهذا الإخراج السينمائي البدائي!
كنت مع فيروز زياني في برنامج ‘حديث الثورة’ عقب الجلسة الأولى لمحاكمة مبارك، وقلت لها ما معناه ان ما جرى هو جزء من سيناريو لفيلم هابط وشاهدني قارئ فعلق في الأسبوع الماضي، أليست فيروز أجمل من جمانة نمور؟
، وإجابتي: نعم، فالبعيد عن العين بعيد عن القلب.
لرداءة إخراج الحلقة الأولى من مسلسل محاكمة الرئيس المصري المخلوع فقد ظننت أننا في الحلقة الثانية سنشاهده على ‘كرسي متحرك’ ولو من باب التغيير، لاسيما وان مشهد المتهم النائم على سرير المرض لم تقنع أحداً، لكن التغيير جرى في مشاهد أخرى!
مبارك ظهر هذه المرة بدون الملابس البيضاء، وهذا مخالف للوائح السجون، التي تنص على أن يرتدي المحبوس احتياطياً ملابس بيضاء، في حين ان المحبوس بحكم قضائي فانه يرتدي الملابس الزرقاء على النحو الذي عليه حبيب العادلي الذي صدر ضده حكم بالحبس خمس سنوات في قضية التربح!
كنت اجلس أمام التلفزيون المصري أترقب لحظة وصول الرئيس المخلوع، وقد كان نجله الأكبر في استقباله أمام باب المحكمة، كما لو كان في بيت العائلة!
علاء مبارك وضع كف يده على كاميرا التلفزيون المصري، ومنذ الجلسة الأولى وهو يسعى مع شقيقه لستر والدهما ومع ذلك فقد شاهدناه وراء القفص، وشاهدته الدنيا كلها وهو يحاكم بتهم السرقة والقتل والتربح.
كان مبارك في كامل وعيه في الجلسة الأولى، وهو يسعى لمشاهدة كل من حوله ويعبث في أنفه بحركة لا إرادية، وقد أيقن الجميع ان المخلوع يتمارض وليس مريضا!. كان حسني مبارك مهزوزاً وعندما نادى عليه القاضي هتف: ‘ أفندم موجود’ وهي العبارة التي تم الترويج لها، وأصبحت نغمة للهواتف الجوالة.
أشعر أننا امام مشهد الفتوة في أعمال نجيب محفوظ، الذي يستعبد الخلائق، ويفرض نفوذه على الجميع، وعند أول صفعة على وجهه ينهار لنكتشف أننا امام رماد اشتد به الريح في يوم عاصف.
أهذا هو حسني مبارك الذي كان يتصرف على انه نصف اله، وكان الجميع يخضعون له بالقول سعيا الى رضاه؟!
وصار المثقفون في عهده إمعات وطراطير ومطايا الا من رحم ربي وقليل ما هم.
مع انه عند أول حركة نضال جادة سقط نظام حسني مبارك، وصرنا نستحق الشفقة ونحن الذي خفنا من رجل أضعف من الضعف.. وها هو يهتف خوفا وطعما ومخاطبا القاضي بـ ‘ أفندم’. في الجلسة الثانية تم تغيير النغمة ورد مبارك على القاضي عندما نادى عليه ‘ موجود’ وهي نفس الكلمة التي نطق بها جمال مبارك، في حين قال علاء ‘ ايوه موجود’.. يبدو أن هذا تم بنصيحة ناصح بعد ان بدا الرئيس والذين معه في الجلسة الأولى مسخرة من العيار الثقيل!. لقد جرى تغيير بسيط على السيناريو.. لكن ظل الجسم العام له كما هو فمبارك مصر على أن يأتي للمحكمة على سرير المرض.. ليستدر عطف من كان شعارهم: ولو!
كنت أبحلق في الشاشة كلما حطت على المخلوع وراعني في الجلسة الأخيرة انه توقف عن العبث في انفه يبدو انه اطلع على النصائح المدرسية في الكراس الخاص بحفيده، كما بدا أكثر استسلاما فكان يغمض عينيه على العكس من المرة الأولى التي كانت فيها عيناه في منتصف رأسه.
وقد نسي جمال مبارك نفسه وتصرف على انه في اجتماع للجنة السياسات بالحزب الحاكم فلوح للجماهير بعلامات النصر.. وهي رسالة لا تعبر عن صمود الفتى وإنما هي موجهة إلى الشامتين فيه.. واللهم لا شماتة.
الوزير الجديدفي مصر نقول أن ‘ الغربال الجديد له شدة’، وهذا هو السبب في حماس وزير الإعلام الجديد أسامة هيكل الذي طرح اختياره وزيراً سؤالا عن مدى وعي أهل الحكم بما يلزم وما لا يلزم لنظام ديمقراطي.. فهذا المنصب عرفته الأنظمة المستبدة، على قاعدة الإعلام الموجه.
وكان أهل الحكم قد ألغوا المنصب، ثم كانت مفاجأتنا بعودته وبهذا الاختيار، والوزير الجديد من أهل الثقة وليس من أهل الخبرة، وله مقال تاريخي قبل الثورة المصرية بيوم واحد قال انه لا يريد لمصر ان تشهد مصير تونس!. ومع هذا فأنا متعاطف معه لحماسه، ولأنه دخل ‘عش الدبابير’ بإرادته الحرة، وحجم الفساد في مبنى التلفزيون يحتاج إلى أولي العزم من البشر للتصدي له، فالتلفزيون المصري خلق من ضلع اعوج ان ذهبت تقيمه كسرته.
في إطار حماسه استغنى هيكل عن عشرين مستشارا وهو المسمى الوظيفي الذي يتم من خلاله تكريم الأحبة برواتب فلكية، وهو أمر يحمد له، كما قرر تشكيل لجنة لإعادة تقييم البرامج راعني أنها احتوت على ذات الأسماء القديمة التي كانت تشارك في هذه اللجان منذ بدء الخليقة، ومع هذا لم نلاحظ تطويرا يُذكر.
عموما نتمنى أن يخرج أسامة هيكل بعد انتهاء المدة التي تم تحديدها بستة شهور من المبنى بوجهه وليس بقفاه.
يسري فودةيدير الإعلامي يسري فودة برنامجه على قناة ‘اون تي في’ بمهنية، الأمر الذي كان سبباً في أن يصبح برنامج ‘التوك شو’ الأول في مصر واظهر بذلك ضعف الآخرين وترهلهم، لاسيما المذيعة التي تتحدث من بطنها والتي كانت تتعامل في زمن الندرة علي أنها ‘ليمونة في بلد قرفانة’. وقد فوجئت برسالة من الدكتور علاء الأسواني ينعي فيها صديقه يسري ويرحب به بين ‘الفلول’، ولم أشاهد الحلقة لكي احكم عليها، لكن ما سمعته عما دار فيها لا يمكن ان يجعل يسري فودة من الفلول، الذين لهم فضائية من ‘ بابها’ اجتمعوا فيها على قلب رجل واحد، وجلبوا معهم من هم محسوبون على الثورة من باب غسيل المواقف، ولإدخال الغش والتدليس علي المشاهد.
فيسري الذي فضح الفلول بحرفية شديدة لا يمكن ان يكون واحدا منهم، ولا يمكن للرجل ان يكون مع الثورة عندما كان الانحياز لها مغامرة ثم يصبح أحد الفلول بعد ان أصبحوا قلة لا يزيد عددهم عن مئة شخص يمارسون البلطجة ضد اسر الشهداء أمام المحكمة التي تحاكم حسني مبارك.
إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
صحافي من مصر[email protected]