القاهرة ـ «القدس العربي»: بعد أن ظل كثير من كتّابها يحثون الجماهير على الاعتكاف في البيوت، ومقاطعة الاختلاط للنجاة من الفيروس القاتل، ارتدّت صحف القاهرة أمس الاثنين 4 مايو/أيارعلى اعقابها مروجة خطاب الاستسلام للأمر الواقع والقبول بوجود كورونا في ما بيننا. وحرصت الصحف على التأكيد على أن العالم شرقه وغربه في صدد اتخاذ قرار تخفيف الحظر، وممارسة الحياة بحذر.
وقال الدكتور خالد مجاهد، المتحدث باسم وزارة الصحة، إن كل دول العالم بدأت تتعايش مع فيروس كورونا المستجد، لذا تناشد الحكومة المواطنين الاهتمـــــام بالإجراءات الوقائية، من أجل الحفاظ على النفس والمجتمع بشكل عام.
فتاة «التيك توك» بريئة حتى تثبت إدانتها… والشباب بين إغراء الفضاء الإلكتروني وانشغال الأهل
وأضاف، أن البعد النفسي مهم جداً في ظل جائحة كورونا، والإصابة بالفيروس القاتل، ليست وصمة ولا شيئا غير لائق، كون الجميع عرضه للإصابة به، وعلينا اتباع التعليمات الطبية، من أجل تجاوز الأزمة. بينما قال الدكتور خالد العناني، وزير السياحة والآثار، إنه سيتم فتح الفنادق في شرم الشيخ والغردقة، بدءًا من 15 مايو/ أيار الجاري بطاقة استيعابية 25٪ حتى أول أيام العيد، وبضوابط موجهة من منظمة الصحة العالمية، ومنفذة على مستوى الجمهورية.
وأضاف، أن الضوابط تشمل أعداد العاملين وإجازاتهم، ذاكرًا أن إجازة العامل محددة كل 60 يومًا، مع تطبيق الإجراءات الاحترازية. وأشار إلى أن نسبة الطاقة الاستيعابية من الممكن أن تصل إلى 50٪ حسب المستجدات، مضيفًا أن المطاعم السياحية تعمل فقط داخل الفنادق؛ لمنع غلق جميع النشاطات التي قد يختلط الناس من خلالها. وواصل: سيتم توفير عيادة بفريق طبي داخل كل فندق، لاستقبال أي حالات مشتبه فيها».
وقال الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إن الذين يزعمون أنّهم يتوكلون على الله، ولا يعنيهم أن يطبقوا أو يأخذوا بالأسباب، يخالفون القرآن الكريم والسنة النبوية مخالفة صريحة.
وأضاف، أن الذين يقولون إننا نتوكل على الله وهذا يكفي، وبالتالي لا يهمنا أن نخرج أو أن نذهب إلى التجمعات، فكل ذلك بيد الله، وأن كورونا هذا أمرٌ لو شاءه الله سيكون، هؤلاء في الحقيقة يخالفون القرآن الكريم والسنة النبوية، ويعرّضون حياتهم وحياة الآخرين للخطر.
شكراً للعطل
أمس «الراوتر» وقع على الأرض في منزل صلاح منتصر، و«الواي فاي» والنت توقفا عن البيت كله. قال لنفسه وفق ما أخبرنا به في «الأهرام»: «خير وبركة زهقت خرجت من غرفتي وعملت فنجان قهوة وقعدت في الصالة. شوية ولقيت ابني خارج من غرفته، وأول ما شافني أحضان وبوس وعمل شاي وقعدنا ندردش شوية.. أخبارك إيه يا ابني، وخطبت ولا لسه وشغال فين؟ راح مقاطعني وقال لي سيبك من أخباري حضرتك عامل إيه؟ وإنت في إجازة النهاردة من الشغل ولا مزوغ؟ قلت أبدا ده أنا طلعت معاش من سنتين.
وإنت فين دلوقت؟ قال لي أنا تخرجت وشغّال في شركة كبيرة.. حضرتك وحشتني يا بابا، بس والله شكلك متغيرش كتير عن زمان غير بس شوية الشعر الأبيض.المهم القعدة طولت وخرجت بنتي من غرفتها وانضمت للقعدة، وبعدها خرجت أختها من أوضتها وقعدوا معانا. ما شاء الله بنتي الكبيرة اتخرجت وبتشتغل، وآخر العنقود اللي لسه كنت مقدم لها في الجامعة بقت في السنة النهائية.
المفاجأة الحلوة بقي لما لاقيت باب غرفة مراتي بيزيق وبيفتح بالعافية، وشوية لقيت مراتي في حضني وهاتك يا بوس وعياط.. إنت هنا في مصر وأنا معرفش، فاكراك لسه متغرب. قلت لها أنا نهيت عقدي في الخليج من زمان، وزهقت من الغربة ورجعت. بس إنتِ ما شاء الله عليكي وكأن الزمن مالوش دعوة بيكي. قالت لي الحمد لله وعلشان المناسبة السعيدة اللي جمعتنا أنا حطلب غدا نتغدى كلنا سوا. ولسه بترفع سماعة التليفون علشان تطلب لنا كباب وكفتة إشارة الواي فاي رجعت. بصينا لبعض وكل واحد حس أن النداهة ندهت له. سلمنا على بعض وكل واحد رجع أوضته. كنت بافكر ناخد صورة جماعية، ابني قال مفيش وقت، واقترح كل واحد ياخد صورة سيلفي لنفسه ويبعتها له وهو بالفوتوشوب يعمل لها مونتاج وتبقى جماعية. يا ريت الواي فاي يتعطل كل سنتين مرة».
الرهان على الوعي
تراهن الحكومة اليوم على وعي المواطن في مواجهة فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، فالفيروس سيبقى معنا لفترة طويلة، ولا بد أن نتعايش معه، وأن نعمل على تحقيق ذلك التوازن المنشود بين الحفاظ على الصحة، ودوران عجلة الإنتاج. ويصطدم هذا الرهان، كما ترى فتحية الدخاخني في «المصري اليوم»، بنماذج متعددة من الوعي، قابلتهم الكاتبة على مدار الأسابيع الماضية، واحد منهم سأل: هل هناك فعلا كورونا؟ أم أن كل ما يحدث مجرد دعاية لتخويف الناس؟ وآخر قال إن المرض غير قاتل، دول شوية برد شديد شوية، ولا يوجد ما يبرر حبسنا في منازلنا عشان شوية برد، وآخرون يرون أن كل شيء بيد الله، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ولو كتب لنا الموت فلن ينفعنا الحظر ولا الحذر، ناهيك عمن تجاهلوا كل التحذيرات الخاصة بالفيروس، من أجل الحفاظ على التقاليد الرمضانية المتعلقة بالعزومات والتجمعات، ونظرة إلى الشوارع الجانبية في أحياء القاهرة المختلفة، أو على المناطق العشوائية أو الأسواق والمراكز التجارية، كفيلة بأن ترسم صورة لذلك الوعي الذي ننتظر منه أن يسهم في الحد من انتشار الفيروس. لا أقلل من أهمية تحقيق التوازن بين الصحة والحفاظ على عجلة الإنتاج، فالحظر الكلي يعني توقف الإنتاج، ويؤدي إلى تشريد آلاف العمال، ونتائج ذلك معروفة من فقر وعوز وجوع، وفي المقابل فإن عودة الحياة إلى طبيعتها تعني مزيدًا من انتشار المرض، ومزيدا من حالات الوفيات، ووفقًا لنظرية أصحاب رؤوس الأموال، فإن هناك خيارين، أن يموت بعضنا بكورونا حتى يعيش الآخرون، وتدور عجلة الإنتاج، أو نموت كلنا من الجوع مع توقف الاقتصاد وإفلاس المؤسسات. خياران كلاهما مرّ، ويبدو أن الحكومة والعالم الآن يتجهان إلى الخيار الأول، ملقين الكرة في ملعب المواطن، الذي أصبح مطالبًا بالحفاظ على صحته وصحة الآخرين، وكل فرد يتحمل مسؤولية نفسه وأسرته، فلن يتحمل العالم مزيدا من الإغلاق، بما يتبعه من خسائر اقتصادية تقدر بالمليارات. وهنا يعود السؤال الرئيسي: هل لدى المواطن الوعي الكافي لحماية نفسه وأسرته، ذلك المواطن الذى ينتظر رحيل عربة الشرطة بعد تنظيمها للمسافات والزحام في الأسواق الشعبية ليعيد كل شيء إلى حاله، ذلك المواطن الذي زاحم زميله أمام محال بيع الفسيخ في شم النسيم، وقبلها أمام محال بيع المطهرات والكحول، ذلك المواطن الذي يكاد يجلس على قدم زميله في وسائل النقل العام في المواصلات؟ لا أعتقد أنه يمكن فقط الاعتماد على وعي المواطن لمواجهة الفيروس الشرس، الذي قتل ما يقرب من ربع المليون شخص حول العالم، ومازال مستمرا في حصد الأرواح، لا بد من وجود قوانين وعقوبات على من لا يلتزم بالإجراءات الاحترازية، لكنني أشفق على من سيقوم بمراقبة تطبيق هذه القوانين، فالمصري فهلوي بطبعه ويعشق خرق القانون».
رسائل الفيروس
رغم رسالة المساواة في المصائب التي حملها كورونا، الذي لم يميز بين الفقير والغني، ولم تفرق في مقاومته أموال الأثرياء بالسفر إلى الخارج، أو بالحصول على خدمة صحية متميزة، فإن البعض في مصر أصر، كما اعترف عمرو الشوبكي في «المصري اليوم»، على الترويج لخطاب سطحي للتطاحن الطبقي، لإثبات أن كل طبقة أو فئة اجتماعية هي المسؤولة عن انتشار الفيروس، فوجدنا من يحرضون ضد «الجهلاء»، وهم في الحقيقة الكادحون، الذين يذهبون إلى أعمالهم، وينشرون صور الازدحام في الشوارع والميادين الشعبية، كالعتبة أو شبرا، باعتبار من يسيرون فيها هم فقط المسؤولون عن تزايد أعداد المصابين بالفيروس، ويتهمونهم بعدم الوعي. في المقابل، روّج آخرون صورا كثيرة للقلة المترفة ممن يعيشون في التجمعات السكنية المغلقة «الكمباوند» أو يذهبون إلى شواطئ العين السخنة أو الساحل الشمالي لقضاء عطلات نهاية الأسبوع، واعتبروهم المترفين الذين لا يشعرون بالناس، وأن لديهم حصانة خاصة تجعلهم فوق القانون، وقادرين على مخالفة الحظر والقواعد، بجلسات سمر خلف الأسوار، ورغم المبالغات وعدم دقة الكثير من الصور المتداولة حول سلوك كل طرف، مورست عمليات تحريض وكراهية متبادلة، لا تحمل في الحقيقة أي درجة من الوعي السياسي، ولم تعكس نضجا سياسيا، تمثل مثلا في صعود دور النقابات العمالية، أو الجمعيات الأهلية لتدفع الأثرياء إلى المشاركة بصورة أكبر في مساعدة المتضررين من وباء كورونا. كما أن الخطاب المضاد الذي روج له بعض الأكثر تعليما وثراء، لم يقدم تصورا رأسماليا أكثر إنسانية وإنتاجية للمجتمع، إنما مارس تحريضا سطحيا، اتهم فيه من يجرون خلف لقمة عيشهم، بأنهم السبب في انتشار الوباء، وبطريقة فيها كثير من الاستعلاء.
كما تدين تدان
ماذا يحدث هذه الأيام على مواقع التواصل الاجتماعي؟ يجيب عماد الدين أديب في «الوطن»: «شرف أي امرأة هو أمر يسهل تلويثه وتصديق وتسويق الإساءة إليه، سمعة أي رجل أعمال تعتمد على أن الرأي العام يميل إلى أن كل صاحب مال هو فاسد بالضرورة، حتى تثبت إدانته، وطنية أي سياسي موضع تشكيك دائم، نوايا أي كاتب دائماً مطعون فيها، مساهمات أي فاعل خير، حتى لو كانت بالملايين، هي بالتأكيد «تمثيلية وتكنيك لخداع الرأي العام». جعلنا من أنفسنا أفضل حكام لمباريات كرة القدم، وأعظم نقاد متخصصين بالدراما، وأهم علماء في الفيروسات، وأعظم خبراء في الطهو والأناقة واللايف ستايل. نحن خبراء – ما شاء الله- في كل شيء، وأي شيء، ولدينا القدرة على إصدار الفتاوى في الدين، وتحليل الرسوم البيانية للبورصات العالمية، وتقييم الأعمال الفنية، وتقديم النقد الفني للبرامج التلفزيونية، ولا ينقصنا سوى إبداء الرأي المتخصص في إجراء جراحات دقيقة في شرايين المخ. القسوة ابنة الجهل، والجهل ابن التخلف، والتخلف ابن الفساد، والفساد ابن الاستبداد، والاستبداد ابن التعليم الفاشل والتنشئة السالبة للخصوصية! ما نراه على منصات التواصل الاجتماعي من جرائم اغتيال معنوي لأهم رموز، وأفضل قيم، وأبرز إنجازاتنا، يعبر عن جريمة متكاملة نحن فيها الفاعل والمفعول به، وأداة الجريمة! كلما جاءتنا فضيحة أو خبر مدسوس على «النت» سارعنا على الفور بالضغط على زر «الشير» كي يكون لنا سبق ترويجه وتسويقه، وكأن كلاً منا قد نصّب نفسه وكالة أنباء لنشر الأخبار، أو أخبار، بدون التأكد من أي حرف منها. ما هذه القسوة في التعريض بالناس والجهود وتزوير الحقائق؟ أيتها «النت» كم من الجرائم تُرتكب باسمك وباسم حرية تداول المعلومات».
نموذج مشرف
يقدم لنا محمد منير في «الأهرام» نموذجاً مشرفاً على حب الخير يقول: «رجل مصري بسيط، نشأ وسط أسرة متوسطة الحال، درس وتعلم في المدارس الحكومية، تخرج في كلية طب قصر العيني عام 1967، وعمل طبيبًا في الوحدات الصحية في القطاع الريفي في محافظة الغربية، إلى أن أصبح مديرًا لمستشفى الأمراض المستوطنة، أسس عيادته الخاصة عام 1975، ولاتزال حتى الآن، في عمارة بسيطة، تبدو متهالكة، بالقرب من مسجد السيد البدوي، تهالكها يجعلك تعتقد للوهلة الأولى أنها خالية، أو مهجورة، ولا يقطنها أحد، لكن مشهد الناس الغلابة الذين يصطفون أمام العمارة، ويجلسون على درجات السلالم، ويغلقون مدخلها، في انتظار الدكتور محمد مشالي، أو طبيب الغلابة، أو ملاك طنطا، أو أي لقب يلقبه به أهل طنطا، هو رجل بسيط زاهد في الحياة، لا يفكر في غير الناس الغلابة، وكيف يُساعدهم؟ رغم عمره الذي يُناهز الآن الـ75 عامًا، إلا أنه مازال يعمل بكامل طاقته من أجل الغلابة، من الساعة العاشرة صباحًا حتى التاسعة مساءً بشكل متواصل، وبعد ما يقرب من 11 ساعة عمل، يخرج من عيادته إلى محطة قطارات طنطا متجهًا إلى قرية «محلة روح»، ليصل إلى عيادته الثانية في تمام التاسعة والنصف، وبعد أن يُنهي عمله يستقل القطار مرة أخري متجهًا إلى عيادته الثالثة في قرية شبشير الحصة، بعدها يعود إلى طنطا حيث يسكن، والدكتور مشالي يعمل من أجل الغلابة 365 يومًا في السنة بدون إجازات، ومقابل كشف قيمته 10 جنيهات فقط في عيادة طنطا، و5 جنيهات في العيادات الأخرى، ويُجري التحاليل الطبية بنفسه، بدون أجر إضافي من أجل أن يوفر على الغلابة، وكما يقول الدكتور مشالي: هم لا يملكون قيمة الكشف أحيانًا، كيف يستطيعون إجراء تحاليل طبية».
لا مفر من هذا
السؤال الرئيسي في مصر الآن، الذي يسعى للإجابة عليه عبد الله السناوي في «الشروق» هو: «هل من الحكمة التعجل بالعودة إلى الحياة الطبيعية قبل السيطرة على الوباء؟ هناك ضرورات اقتصادية لا شك فيها، وموازنات اضطرارية لضمان استمرار حركة الحياة، غير أن الكلمة الأولى والأخيرة للعلم والطب، وليس لضغوط بعض رجال الأعمال. أيا ما كانت درجة كفاءة المجموعة الاقتصادية الوزارية، فإنها في حاجة إلى أن تستعين بآراء أساتذة وخبراء الاقتصاد في البلد، حتى تطمئن إلى أن ما تتخذه من إجراءات أقرب إلى الصحة، وليست لها آثار سلبية تنعكس على المجتمع وسلامته. إذا ما تحسن الأداء العام، وجرى الانفتاح على العلم، ورد اعتبار الأطقم الطبية وترميم العلاقة بين وزارة الصحة ونقابة الأطباء، ونقابة الأطباء والسلطات الأمنية، التي توترت إثر حادث اعتداء من أمناء شرطة على أطباء أثناء تأدية عملهم، فإننا نكون قد قطعنا خطوات ملموسة تساعد على التماسك الداخلي في أوقات شدة. المسار الثاني ـ استباقي ينظر في المتغيرات الدولية والإقليمية المحتملة، مصادر الخطر على الأمن القومي كما الفرص المتاحة، وفي الخيارات والتصورات والأفكار والسياسات والأولويات. تحت ضربات الوباء تأكدت أهمية دور الدولة في مواجهته وأولويات الصحة والتعليم وضرورات التقنيات الحديثة، كما تبدت حالة إفلاس معلنة للرأسماليات المتوحشة والعولمة في شقها الاقتصادي. يمضي عبد الله السناوي في طرح اسئلته المرهقة: ما الذي يجب علينا أن نؤكد عليه، وما الذي يتوجب أن نراجعه؟ بأية معايير ووفق أي اعتبارات؟».
فلننظر في المرآة
يستكمل عبد الله السناوي في «الشروق»: «هذا كله موضوع حوار لا بد أن يشمل أهل الاختصاص من جميع المدارس الوطنية، وأن يكون الرأي العام حاضرا فيه بالمشاركة والمتابعة. الانفتاح على التنوع الطبيعي في المجتمع يقتضي انفتاحا إعلاميا، وهذه نقطة ضعف لا يشك فيها أحد من رئيس الجمهورية حتى أصغر مواطن. دعونا ننظر في المرآة لنرى الحقيقة، كما هي قبل التطلع إلى أي تصحيح وتصويب واجب، قبل أن تداهمنا عوالم ما بعد كورونا. الحياة السياسية شبه مجمدة، وهناك نزعتان متضاربتان بشأن مشروع قانون جديد للانتخابات البرلمانية، إحداهما تتبني تحريك الحياة السياسية بما يضخ دماء جديدة في شرعية النظام، والأخرى تعمل على إنتاج حزب سلطة جديد ونسخة مماثلة للمجلس النيابي الحالي. إذا تغلبت الأولى فإن الحوار ممكن، وإذا سادت الثانية فالنتائج معروفة سلفا. المجتمع المدني واستقلال القضاء واستقلال الجامعات والحريات والحقوق المنصوص عليها في الدستور، عناوين كبرى تستحق التوقف عندها بالنقد والتصحيح، فالجور عليها عدوان صريح على الشرعية. قبل ذلك كله فإن قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية وعدالة توزيع الأعباء لها الأولوية الشعبية تحت ضغط الأنين الاجتماعي، والأمل المراوغ في تحسين مستويات معيشة الطبقات الفقيرة. لا يمكن لعاقل واحد أن يتوقع الانتقال من حال لحال في يوم وليلة، أو أن نتحول بضغطة زر إلى دولة مؤسسات وقانون وتداول سلطة. كل شيء يحتاج إلى وقت وإرادة سياسية مشتركة، إذا لم توجد مثل هذه الإرادة، فإن الأخطار سوف تداهم البلد بأقسى من أي توقع. فكرة المراجعة الاستباقية، ربما يجري تجاهلها بذريعة أو أخرى، بوهم أو آخر، باليأس المفرط أو التهوين المفرط، لكن الواجب الوطني يقتضي طرحها».
الأزهر على حق
بعد جريمة بئر العبد الإرهابية الأخيرة.. خرج علينا بعض ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي، كما تابعهم مجدي سرحان في «الوفد» ليصبوا نيران غضبهم على شيخ الأزهر، ويدعونه للتنحي أو الاستقالة، ويحملونه مسؤولية انتشار الأفكار التكفيرية والإرهابية، لأنه يرفض إصدار فتوى بتكفير «داعش» وأخواته من التنظيمات والعصابات الإرهابية، وكأن إصدار فتوى التكفير هذه كانت ستمنع هؤلاء التكفيريين من سفك دماء الأبرياء، مرة أخرى نرد على هؤلاء الذين يلحون في السؤال: لماذا لا يصدر الأزهر فتوى بتكفير داعش؟ ونسألهم بدورنا: وماذا بعد أن يكفر الأزهر «داعش»؟ هل يدخلهم الله النار؟ وهل ينتظر الله فتوى أو موافقة من الأزهر ليعذب الذين كفروا؟ حاشا لله، وهل هذه الفتوى ضرورية لتحليل قتل الدواعش؟ هل نحن ننتظر فتوى الأزهر لنقتل القاتل، ونقيم عليه حد الله.. ولا نستطيع أن نفعل ذلك بدون تكفيره؟ ألا تقام الحدود وتنفذ أحكام القصاص على المسلمين أيضًا؟ أليس من الدين أن القاتل يُقتل ولو بعد حين؟ أليس من الدين أن «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب»؟ وهل يُشترط تكفير القاتل حتى نقتص منه للمقتول؟ ثم هل للأزهر أو لغيره أن يوزع صكوك الإيمان، أو مسوح الغفران، أو يفتئت على حق من حقوق الله؟ حاشا لله. التكفير حق لله.. ولا يجوز تكفير إلا من كفره الله.. وقد علمنا أئمة الإسلام أن «أهل العلم والسنَّة لا يكفِّرون مَن خالفهم، وأن كان ذلك المخالف يكفِّرُهم؛ لأنَّ الكفر حكمٌ شرعيٌّ، فليس للإنسان أن يُعاقب بِمثله، كمَن كذَب عليْك، وزني بأهلِك، ليس لك أن تكذِب عليه وتزني بأهله؛ لأنَّ الكذِب والزِّنا حرامٌ لحقِّ الله، وكذلِك التَّكفير».. هذه مسألة محسومة فقهيًا وشرعيًا.
كنا وأصبحنا
عقد يسري عبد العزيز في «الشبكة العربية» مقارنة بين حالنا في زمن الملكية وماحدث بعد ذلك: «كانت مصر في عصر الحكم الملكي قوية ومترامية الأطراف، فكانت تعرف بـ«مملكة مصر والسودان وكانت غزة تحت الوصاية المصرية». وكانت مصر قوية اقتصاديا، وتعد من أغنى دول المنطقة، وكان الجميع يتودد لها، خصوصا دول الخليج، وكان للمصري هيبة وقيمة وقامة وكرامة في محيطه الإقليمي والعالمي، وكانت مصر جاذبة للأيدي العاملة، وليست طاردة لها، وكان نظام الحكم برلمانيا، وتوجد أحزاب سياسية قوية، وشفافية انتخابية، والأهم من ذلك كله كان هناك من يعمل على الحفاظ على ثروات البلاد والحد من تهريب الآثار. وكانت مصر صاحبة أكبر غطاء ذهبي منذ عام 1926 حتى عام 1953، ففي عام 1930 كانت قيمة العملة المصرية 4 جنيهات لأوقية الذهب الواحدة، أي أن الوزن الذهبي للجنيه المصري الواحد كان أكثر من 7 غرامات، بينما كانت قيمة العملة الأمريكية هي 20.67 دولار لأوقية الذهب الواحدة في العام نفسه، ويأتي بعد مصر في الترتيب من حيث الغطاء الذهبي الأكبر في العالم، بريطانيا، وجنوب افريقيا، ونيوزيلندا. وكانت للأزهر كقلعة دينية مكانة مرموقة في محيطها الإسلامي والعالمي، ويعد مصدر إشعاع في نشر الدين الإسلامي، وكانت للأزهر مكانته الرفيعة، ولعلمائه خصوصا لشيخ الأزهر، هيبته ووقاره، وكان مستقلا وغير تابع للسلطة السياسية، ولا يتم تعيين مشايخه من قبل الحاكم. أما الآن وفي عصر الحكم الجمهوري وبالتحديد منذ حركة 23 يوليو/تموز 1952 وبعد 65 عامًا من تولي ضباط الجيش الحكم، وبداية من حقبة الرئيس جمال عبد الناصر، الحقبة التي تحول فيها نظام الحكم في مصر إلى حكم الفرد الواحد الآمر الناهي في البلاد، أنهت العمل بالنظام البرلماني وتحولت مصر إلى دولة بوليسية».
الانحراف بالقطعة
إلى أن ينتهي التحقيق مع فتاة «التيك توك» حنين حسام، قرر عماد الدين حسين في «الشروق» ألا يسارع إلى إدانة المتهمة، مؤكداً على أن: «العنوان العام لقضية حنين حسام، يطرح أمرا بالغ الخطورة، وهو الدور المتزايد الذي تلعبه تطبيقات التكنولوجيا الحديثة، في إغراق الشباب في مشاكل وأزمات أخلاقية، لن تقضي فقط على مستقبلهم، ولكن يمكنها تخريب المجتمع من أساسه. لوسائل التواصل الاجتماعي فوائد عديدة، ولكنّ لها أضرارا عديدة أيضا، ومنها أنها صارت تقتحم البيوت، وتتسلل من دون أي رادع إلى أولادنا وبناتنا، ونحن عنهم لاهون. حنين حسام دافعت عن نفسها وقالت إنها بريئة، وإن أهلها يعرفون ماذا كانت تفعل، لكن المؤكد أيضا أن العديد من الآباء والأمهات يمكن أن يعرفوا أن ابنهم أو ابنتهم مشتركان في تطبيق معين، لكن الأكثر تأكيدا أن أولياء الأمور غير موجودين مع أولادهم، ليطمئنوا على أنهم في أمان، بعيدا عن أي مخاطر أو انحرافات. في السنوات الأخيرة لجأت فتيات كثيرات في أماكن عديدة في العالم إلى تحويل بعض التطبيقات التكنولوجية على الموبايلات، إلى وسيلة للتكسب، من خلال عرض أجسادهن، أو ترتيب لقاءات في أماكن مغلقة. وفي مصر تمكنت شرطة الآداب من القبض على قضايا مماثلة. المشكلة ليست في بعض الفتيات المنحرفات، فشرطة الآداب كفيلة بالتعامل معهن، لكن المشكلة الأخطر، هي الفتيات العاديات اللواتي لا يعرفن خطورة هذه التطبيقات، ويدخلن في دوامات الانحراف ببطء شديد، ومن دون أن يشعرن. حجم الإغراءات في الفضاء الإلكتروني كبير جدا، وحجم انشغال الأسر وأولياء الأمور عن أولادهم كبير جدا. وما بين الإغراءات والانشغالات يتعرض الكثير من الشباب لمخاطر كبيرة، وتزيد الخطورة مع وجود أزمات اقتصادية عديدة».
البديل غير متوفر
لا مفر إذن من التعايش مع وباء فيروس كورونا القاتل، كما يعترف الدكتور فتحي حسين في «البوابة نيوز»: «هذا ما اتخذته أغلب دول العالم حتى لا تتوقف الحياة وتزيد خسائر الاقتصاد بشكل كبير ومتزايد، لا تستطيع دول العالم لا سيما ذات الاقتصاد الضعيف تحمله بمرور الوقت! وفيروس كورونا، الذي انتشر مؤخرا من مقاطعة ووهان في الصين وانتشر بعد ذلك في باقي دول العالم، فكانت النتيجة بعد شهور قليلة فقدان عدد كبير من الأرواح البشرية، وصلت إلى ما يقارب الـ300 ألف شخص على مستوى العالم، وما يقارب 3 ملايين مصاب، فضلا عن خسائر اقتصادية لا حصر لها، بعد أن توقفت حركة الطيران بين الدول، ووضعت قيود صارمة على عمليات التصدير والاستيراد، وتخصيص مليارات الدولارات لمواجهة جائحة كورونا، وشراء أدوات التعقيم، وكمامات وكحول وغيره من الإجراءات الاحترازية، التي قامت بها الدول على مستوى العالم، من أجل مواجهة تداعيات الفيروس الخطير القاتل، ناهيك من فقدان واختفاء العديد من الوظائف، وزادت أعداد البطالة حول العالم بشكل غير مسبوق، بسبب جائحة القرن، التي نعيش فيها وتعيش معنا، فكان القرار هو، لابد من التكيف والتعايش مع هذا الوباء الخطير ولا بد من الإنتاج وتشغيل المصانع وفتح الأسواق والمحلات، من أجل أن تعود الحياة مجددا.
الشعوب التي وجدت فجأة الحياة متوقفة والشوارع خالية، لا يوجد فيها أحد بعد أن فرضت الحكومات حظر التجوال في أغلب ساعات اليوم، حفاظا على أرواح المواطنين من الإصابة بالفيروس القاتل واسع الانتشار، فقد أعلنت دول أوروبية عديدة مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبريطانيا عن إعادة الحياة العملية في منتصف مايو/أيار الجاري من أجل إنقاذ البلاد من التدهور».
في الحالتين ميت
أيهما أصعب أن تجوع أم أن تموت؟ ربما يختار البعض كما يرى محمد علي إبراهيم في «المصري اليوم» الموت هربًا من الجوع.. ويزعم آخرون أن البيات على الطوى مؤقت.. لكن أن تموت وتجوع ويتحكم فيك ملوك الطوائف وأصحاب المال، فمؤكد أنك في الجحيم.. هذا حال اللبناني.. قبل سنوات كان يضحك ويسهر ويغني رغم أصوات قنابل إسرائيل والحرب الأهلية، حتى بعد أن ملك «لجامه» حزب الله، ورهن قراره بالأسياد الإيرانيين.. الآن هو غلبان.. لمن يشكو حاله.. ربما يدندن لفيروز «لمين ليه بتخلص العتمة».. لكن العتمة طالت.. محال البقالة الشهيرة في عيد الفصح ورمضان خاوية.. الدولار «شنق» الليرة بفعل فاعل، وتفرق دمها بين البنك المركزي ومحافظه سلامة والحكومة ورئيسها دياب.. لبنان الذي كنا نتغني بديمقراطيته، صار بلدا بلا دولة.. لاطمه الوباء وصارعه الدولار وتحول المواطنون إلى متسولين، بعد أن تبخرت المرتبات قبل أن يقبضوها.. المساكين لا يجدون من يطعم أولادهم إلا بقروض مرتفعة الفائدة ستنتهي بهم للسجن، إذا لم يسددوها.
نحن في مصر نشكو سوء الأحوال رغم مساندة الحكومة، ببيروت المواطن أعزل أمام كـــورونا.. مهــــدد في حياته وأهله أمام جائحة تتطلب غذاء ومناعة.. لكن «من وين؟» كما يقول أهل الشام.. المواطن للأسف «مطحون» بين محافظ البنك المركزي المحصن دستوريا، فأصبح أقوى من كل السياسيين والحكومة التي تحتمي حينًا بالطائفية، وأخرى باتهامات ضد الأغنياء.. وأستحضر قول المتبني العظيم وهو يسخر من الخليفة:«لا خيل عندك تهديها ولا مال.. فليسعد النطق إن لم تسعد الحالُ».
والمعنى أنه إذا لم يكن عندك مال فعلى الأقل تكون تصريحاتك أفضل حالاً من خزائنك. هذا البلد الصغير الذي كان مضرب الأمثال سياحة وثقافة، تحول في عصر الاقتصاد الحر إلى مجرد متفرج، يلتقط ما يهبط عليه من بيانات تبدو متفائلة، ولكنها تدفعه لمزيد من التشاؤم.. نسيت الدولة واجباتها وتحولت إلى مجرد عسكري مرور بين الأقوياء والأغلبية التي رحلت إلى العوز والجوع».
وجه الشبه
نتحول بالمعارك الصحافية نحو السودان في صحبة الدكتور محمد قسم الله في «المشهد»: «رحيل السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة لأكثر من نصف قرن، بعد إعلانه خلال الفترة الماضية عزمه التخلي عن الحزب واعتزال العمل السياسي، أمر يشبه رحيل الرايخ الثالث «المانيا في زمن هتلر» بعد سنوات طويلة، يبدو معها تنفيذ هذا الرحيل الطوعي عن أضابير الحزب، ودهاليز السياسة السودانية أمراً عسيرأ، إن لم يكن من باب الاستهلاك أو (طق الحنك) على الطريقة السودانية، حيث تستخدم العبارة في اللغة المحلية للأمور غير القابلة للتنفيذ في الواقع.
فالرجل مكث في حزبه، وعلي رأس الطائفة سنين طويلة، ومغادرته في هذا التوقيت تعدُّ في حد ذاتها مفاجأة من العيار الثقيل، لمناصري الحزب الذي سيجد نفسه في منافسة حادة مع التكوينات الحزبية القديمة والحديثة، في ظل الاستقطاب الحالي في الساحة السياسية المحتقنة، التي تفتقر للمخضرمين ذوي الدربة والحنكة في الفعل السياسي والتنفيذي، وإدارة قضايا الحكم والتنوع.
صحيح طالت السنوات بالصــــادق المهــــدي واستطالت، بدون أن يفسح المجال لأحد كوادر حزبه للقيادة، ومــارس من حيث أراد الديمقراطية أقسي أنواع الديكتاتورية، بملكه العضوض للحزب، بل وتوريثه لأبنائه وبناته مواقع وصلوها بحكم العائلة، في وجود كوادر تاريخية مارس عليهم الحزب الإقصاء المتعمد، مثل الدكتور مادبو وأبنائه.
ومثلما ابتعد أو أُبعد الدكتور آدم موسي مادبو عن موقعه في الحزب، ابتعد كذلك الدكتور بكري عديل كضلع تاريخي مؤثر كذلك، وبشير عمر وغيرهم من كبار قادة الحزب مقرونا ذلك مع الخلافات الشهيرة حول الإمامة، التي لا تزال تطل بينه وبين عمه الإمام أحمد المهدي، وبقي الدكتور إبراهيم الامين القيادي التاريخي في الحزب منزوياً لا يشبه تاريخ من سبقوه».