الفنانة الاردنية لمى حوراني: أعمالي رسائل من فضة غذّتها الأسفار وأطلقتها المخيلة

حجم الخط
0

حاورها: محمد جميل خضر: رسم معالم الشخصية الأنثوية في تواضعها وسموها.. كما يصف بعض تجربتها الفنان والناقد السوري طلال معلا، وفي تناسقها وانسجامها مع محلية الإنسان وكونيته، ملامح أساسية في تجربة مصممة الحلي الأردنية الفنانة لمى حوراني. وفي رصد عجول لسيرة حوراني الحاصلة العام 2000 على درجة بكالوريوس فنون جميلة من جامعة اليرموك، فإن الملمح الأهم المتجلي، هو حرصها على التفرد منذ بدايات مشوارها مع الحليّ والمجوهرات والأحجار الكريمة، حتى إنها تحوّل هذا التفرد إلى توقٍ ‘للاندماج بعفوية طرق العيش، والمرور إلى الموحي دون تعقيد أو غرابة’، في عودة ثانية لقراءة معلا تجربتها وعناوين تفوقها ونبوغها. هي إذن، في وجه من وجوهها، تمثل خلاصة البحث عن معادلات لشخصية الأنثى المسكونة بالطبيعي والثقافي معاً، والمتطلعة باستمرار إلى الجمال، وإلى الحكاية التي ستنسجها من هذا الجمال. وفق هذه النظرية، أقامت حوراني الحاصلة نهاية العام الماضي على جائزة ‘أفضل تصميم إبداعي للمصممين الشباب العرب’، خلال السنوات الإحدى عشرة الأخيرة ما يزيد على 40 معرضاً شخصياً، معظمها في الأردن، فيما توزعت البقية عديد العواصم والمدن العربية: حلب، دمشق، الكويت، القاهرة، البحرين، بيروت ودبي، إضافة إلى عروضها في جاليرهات ومتاحف وتظاهرات عالمية، مثل الأسبوع الثقافي الأردني ‘اكتشف الأردن’ الذي أقيم في ميلانو في العام (2009). حوراني، تمثل إذن، ودون مواربة، أنموذجاً زاهياً وبهياً للمرأة المبدعة التي لا تفارق مفردات البيئة الأردنية وعناصرها المكانية والآثارية حليّها وتصميماتها، متحفزة في خلفية المشهد ومتسربة في سائر تفاصيله، وصائغة، بالتالي، وجهته وصداه. هي إذن، وبعد أن طوت عقداً من الأعوام المحمّلات بالإنجازات، تواصل بحثها الدؤوب عن جوهر الجماليات البصرية في أصداف حِليّها، وتواصل الكشف عن القيم التعبيرية والتشكيلية، التي تجاورت وتقاطعت في مجموعاتها المتوالية، خصوصاً الجديدة منها، عبر حوار جمالي مفتوح، بين مرئيات الطبيعة ومؤثثات الذاكرة والوجدان. وعند تناول تجربة خلاقة كما هو الحال مع حوراني، فينبغي أن نتنبه، كما يقترح الفنان والناقد التشكيلي العراقي صدام الجميلي إلى خزّان التجربة الثقافي ومرجعياته الجمالية للوصول إلى مدياتها واستيعاب مدركاتها البصرية. فهي تقدم لنا قيماً ثقافية فضلا عن كل ما تقدمه من قيم حسية وجمالية في مصوغاتها. ونحن مع منجزها الفذ إزاء تجربة حسية وتصميمية تعي ما يتوجب عليها من دور في تقديم المصوغة العربية بروح شمولية تشترك مع العالم في كل مكان ببنية إنسانية خالصة خارجة الهوية الضيقة محتفية بهوية الفنانة وحدها بوصفها قطبا تدور حوله مجمل الثقافات الإنسانية. حول مجمل تجربتها، وإنجازاتها الأخيرة، وتطلعاتها المستقبلية، كان ل ‘الرأي’ مع لمى حوراني، هذا الحوار. * ما الجديد الذي تودين قوله، ماذا بقي في جعبتك ؟ * الحياة والمخيلة جعبة بلا قعر، والسؤال ينطوي على خلل منهجي، إنه يفترض أن التاريخ، الطقوس، المكان والرموز مجرد وعاء ندخل أيدينا فيه لنغرف منه، ويفترض أن الوعاء سوف يفرغ يوماً، من هذه المفردات. والحقيقة أن الوعاء لن يفرغ لأن الأمر يعتمد على الكيفية التي تنظر فيه إلى هذه المصادر. والحقيقة أن الرموز ليست أشكالاً صماء وإنما تولّد ذاتها، والأمر، بجلّه، يعتمد على المخيلة والطريقة التي ننظر بها إلى الميراث وعناصره المجسدة في رموز وأشكال. لو أننا أخذنا ما ورثنا من رموز وأشكال كما هي لما جئنا بجديد، ولما تمتعت المجموعات التي أنتجتها خلال أكثر من إحدى عشر عامأ، بالحيوية والتجدد والقدرة على الإلهام. وهو سر الإقبال عليها والإعجاب بها من الأجيال الشابة التي تبحث عن الجديد والإبداعي في حياتنا. والمتأمل في أعمالي الأخيرة يلاحظ أن رموزي تتكاثر وتتوالد وتتحول أحياناً إلى أسراب أو قطعان من الأشكال. بكلمة أخرى إنها لا تموت ولا تبهت وإنما تتعزز وتتآصر وتنمو. والسر هو المخيلة والكيفية التي تجعل من المصمم فناناً وخالقاً، وتحيل المفردات القليلة المستمدة من رحم التاريخ إلى ما يشبه الجموع الغفيرة من الأشكال التي تلتحم وتتفاعل وتتكامل لتكون، بدورها، أشكالاً أكثر تعقيداً. هذا هو الحال لو أن الأمر اعتمد فقط على نقاط الابتداء الأولي لي، لكن مسيرة السنوات الإحدى عشر الماضية، أضافت إلى الرموز المستمدة من التاريخ والأساطير، جملة من العناصر المستمدة من الحياة المعاصرة، غذتها الأسفار المتعددة في رقاع الأرض وتفاعلي مع ثقافات إنسانية شديدة الاختلاف والتنوع. فمن إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية إلى اليابان إلى أسبانيا وإيطاليا التي درستُ فيها، استلهمتُ مجموعات جديدة من التصاميم التي شكّلت إثراء للمجموعات السابقة وأضافت إليها أبعاداً جديدة على صعيد الشكل والمضمون والمواد المستخدمة، وبالتأكيد هناك مفاجأت جديدة على الطريق. وكما قال أحد الفلاسفة العرب أن الأفكار ملقاة على قارعة الطريق، والمهم هو كيف نلتقطها ونعالجها ونعيد طرحها، وهذا ما أفعله. * هل هناك تفكير بتغيير نوع المعادن المستخدمة أو المعالجة بمواد خام جديدة ومبتكرة؟! * أُجيب عن سؤالك مرتين، الأولى أن الحلي كانت وستظل تصنع من ذات المعادن والأحجار التي صنعت منه منذ الآف السنين، وستظل كذلك ربما لآلاف السنين المقبلة. المسألة أنه في كل حقبة زمنية، وفي كل حضارة اختلفت فيها طريقة المعالجة والأنماط الأسلوبية والإشكال، كما ظهرت فروق فردية بين كل مصمم وصانع للحلي في كل بلد وحضارة وزمن. وبهذا المعنى فإني سوف أظل أتعامل مع الفضة كمادة خام رئيسية في عملي، وسأستمر في إضافة معادن أخرى، كالذهب بين الحين والآخر. أما الشق الثاني من الجواب، فهو أني عمدت منذ مدة، والآن أكثر من السابق، إلى استخدام خامات أخرى في أعمالي. إذ أدخلت الجلد والخيوط والحبال محل السلاسل المعدنية، والآن أضيف إلى ما مر الشرائط القماشية الملونة. كما أن رموزي وأشكالي التي كانت تصاغ بالفضة أو المعدن عموماً تحوّلت إلى أشكال مطرزة بالإبرة على القماش، على غرار أعمال التطريز في الأثواب التقليدية. وهناك التطريز بالحرير على قلائد الفضة. إضافة إلى مجموعات جديدة تم إدخال عناصر غير معدنية عليها، مثل القماش. وثمة تفكير بأعمال منفذّة بالذهب والأحجار الكريمة والألماس كخط إنتاجٍِ موازٍ لمجموعاتي الأخيرة. * كيف ينعكس تطور التجربة وتراكم الخبرة على الأعمال الجديدة؟ * الحكم في هذا أتركه للنقاد ولمتابعي التجربة، فهم أكثر قدرة على الحكم الموضوعي على تطور أعمالي. فقط أستطيع ان أقول هنا إن عدد مقتني تصاميمي يزدادون، وهم يمثلون عدة أجيال، وتجد هؤلاء في الأقطار العربية، وكذلك في بلدان عديدة في العالم، ويحضر الأجانب من بلدانهم إلى متجري الثابت في عمان، أو يطلبون تصاميمي عن طريق موقعي على الانترنت. إن ما يجمع هؤلاء أنهم يعتقدون أنني أمثل مدرسة او اتجاه مميز في عالم تصميم الحليّ. وتعتقد الشابات في الأردن والعالم العربي اللواتي يقبلن على أعمالي أو يتابعنها أنني أمثلهن أو أمثل ما يتطلعن إليه. وذلك لأنني أشاركهن ذات القيم والمُثل والطموحات. إن أولئك الشابات يتطلعن إلى شيء جديد يخرج من رحم مجتماعاتنا التقليدية ليشكل تجاوزاً للرتابة والنمطية والتقليد والاتكاء على الموروث، ويمنحهن هوية عصرية، هوية لا تؤكد ذاتها من خلال رموز تراثية أو مجرد إحياء للقديم، وإنما تعلن عن نفسها من خلال إشارات ورموز طموحة ومثقفة وواثقة بقدرتها على أن تكون في مستوى العصر. إن الحليّ التي أصنعها ليست مجرد أشياء للارتداء والزينة، فهي بمثابة ‘بيان’ أو ‘إعلان’ عن جيل من النساء العربيات اللواتي يعلن عن نديتهن واستقلاليتهن، وفي الوقت ذاته هويتهن الثقافية كنساء عربيات معاصرات. إن لأعمالي قوة الرمز والإشارة إلى مغزى التحول التاريخي في حياة المرأة العربية المعاصرة، التي جاء ‘الربيع العربي’ ليؤكده بأوضح صورة، حيث المرأة ند للرجل وشريكة له في صنع التغيير وافتتاح عصر المستقبل. وبطبيعة الحال لم أكن، حين شرعت في عملي أقصد أن أكون ما أصبحت عليه من الناحية الرمزية، لكني كنت واحدة من تلك الشابات اللواتي سعين لإثبات أنفسهن وصياغة هوية لأعمالهن، من خلال تحدي الصعاب الموضوعية والعوائق الاجتماعية والمحددات الثقافية، والإصرار والمثابرة على ترك أثر ما في المحيط والمشهد الثقافي العربي. كان من الأسهل اقتفاء أثر من سبقنا، والبقاء في دائرة الحلي والتصاميم التقليدية والاعتماد على بريق الذهب وقيمة الأحجار الكريمة بذاتها، وكفانا مشقة الابداع و(النحت في الصخر)، لكني قاومت إغراء التقليد والسهولة والجهد القليل، لأني أنظر إلى الحلي التي أقوم بتصميمها باعتبارها بمقام اللوحة أو المنحوتة أو الفيلم الفني رفيع المستوى، ولا أقل من ذلك. * إلى أي مدى يظل المبدع بحاجة الى المتابعة الاعلامية، وإلى الجهات التي تسوّق إبداعه، وهل تكفي الجودة وحدها لتسويق الأعمال الفنية. * لنتفق أولا على أن جودة المنتج الفني، كالحليّ في حالتي، شرط وجود لا غنى عنه، ولا تعوضه أي شروط أخرى للترويج والتسويق. لكن جودة المنتج لا تكفي لترويج وتسويق الأعمال الفنية. وهنا أُميز بين دور الخبر الاعلامي الذي لا شك في أهميته في سياق الإعلان عن المنتج وبين دور الإعلام ككل ليس فقط في التغطية الإعلامية وإنما في إبراز المنتج كعمل فني راقٍ يستحق القراءة التحليلية والنقدية، أي التعامل معه كحدث ثقافي أو كظاهرة. هنا أهمية مبادرة وسائط الإعلام إلى إشراك الفنانين والنقاد والمتخصصين في قراءة وتحليل المنتج الفني واستقصاء وتحليل أبعاده الجمالية، بل ودلالته الثقافية وخلفياته التاريخية والاجتماعية. أيضاً يحتاج المبدع إلى من يسوّق عمله. فالمبدع، وفي حالتي مصمم المجوهرات والحلي، ليس بالضرورة أن يكون أفضل من يسوّق عمله. يكفيه أنه المنتج له وأنه بذل طاقته القصوى في إنتاجه، وعليه أن يعتمد على آخرين في تسويق أعماله. هنا يأتي دور رجال الأعمال والمستثمرين في تحويل المنتج الفني إلى سلعة مجزية للمبدع والشريك معاً، عن طريق الترويج والعرض في الأماكن التي تشكل سوقاً مناسباً لها. هذا هو التحدي الذي يواجه المبدعين والمبدعات الشابات، أي الوصول إلى معادلة تتضمن المنتج المبدع والمستثمر التقدمي والجريء في الوصول إلى الجمهور، وهنا أيضاً دور الإعلام الذكي واليقظ الذي يتابع ويكشف المواهب الجديدة ويقدمها للجمهور، حيث يساهم هذا المثلث (المصمم والمستثمر والإعلامي) في خلق الطلب الفعال عليها. * هل تصميم الحليّ فنا يتوجه إلى أثرياء القوم ونساء الطبقة المخملية، أم ان له طريقاً للفئات الأخرى من النساء الأقل قدرة مالية؟ * يتضمن الوضع مفارقة حادة. فالأصل أنه عندما تقوم مصممة الحلي أو المصمم بوضع تخطيطاته الأولية، وحتى عندما يقوم بصنع نماذجه الأولى، فإن عامل ‘السعر’ و’الكلفة’ و’القيمة النقدية’ لا تكون في حسابه. فالعملية بمجملها تكون إبداعية وتقنية إلى حد كبير. لكن عند نقل التصميم من مراحله التحضيرية إلى التنفيذ، يظهر عامل الكلفة، من جهد ووقت ومواد خام وأجور تصنيع وتجهيز، إضافة إلى عوامل أخرى تتصل بنفقات مكان العرض وهامش الربح… الخ. في النتيجة يبدو وكأن الحليّ سلعة لا يقدر على اقتنائها إلا المقتدرات. الماركات العالمية للحلىّ تخفض الكلفة على المشترى عن طريق الإنتاج بالجملة للتصميم الواحد. وبالنسبة لي المسألة أصعب إذ كل قطعة حليّ أنتجها هي فريدة من نوعها، منفذه 100% يدوياً، ولا نظير لها من الناحية الواقعية، وهذا يضاعف من كلفة الإنتاج لكل قطعة. بالنسبة للماركات العالمية للحليّ، فإن المقتني يدفع ثمن الاسم التجاري، وليس فقط كلفة الإنتاج وهامش الربح مما يرفع سعر الحلي رغم أن الإنتاج بالجملة يقلل الكلفة الإنتاجية لكل وحدة، أما بالنسبة لي فإن كلفة الإنتاج، كونه يدوياً بالكامل، هو ما يقرر سعر القطعة. ورغم صعوبة حل هذه المعضلة بالنسبة لأعمالي، فقد أوجدت خطوط إنتاج للحليّ بأسعار في متناول الشابات اللواتي هن غالباً ذوات دخول محدودة. إن الأعمال الموجهة للفئات الشابة هي أيضاً مصنوعة يدوياً ومنفذة فنياً بجودة عالية، لكن خفض أسعارها يعود لاعتمادها على مواد أقل كلفة وتصاميم أقل تعقيداً، لكن مع الاحتفاظ بالروح الجمالية ذاتها. * كيف يمكن أن تشرح لمى علاقتها بالألوان؟ وكيف تجعل من الأطياف اللونية وتفاعلاتها عنصراً من عناصر أعمالها؟ * الألوان في عالم المجوهرات عنصر في غاية الأهمية، فالأحجار الكريمة غنية جداً بالألوان والملامس، والتلاعب بالتضاد اللوني والملامس يضفي تأثيرات مميزة ولا حصر لها على كل قطعة مجوهرات. إن معرفة القواعد الفنية في استخدام الألوان تلعب دوراً كبيراً في إنتاج الحليّ، ولكن من المهم أيضاً تعلّم متى تُكسر القواعد، لأن ذلك يعطي إحساساً مختلفاً بالحياة والتميز، أكثر بكثير من الالتزام بالقواعد التقليدية. ان علاقتي مع الألوان بدأت منذ بدأت الرسم والتعامل مع خامات اللون في طفولتي، وامتدت من خلال الكم الهائل من الأعمال الفنية الموجودة في بيئتي (البيت والجاليري)، وأنا أغذي بصري في كل مكان أذهب إليه وأترجم ما أراه في الطبيعة والمدن والمتاحف التي أزورها، وأعمل على تنفيذ ما رأيته من خلال التأثير على الملامس والتلاعب في الكتل والتدرجات اللونية. الفضة هي مثل قماشة الفنان (الكانفاس)، فهي محايدة وحميمة، تحتضن جميع الألوان وتوحدها. إن كثيراً من أعمالي مليئة بالمشاعر والرسائل التي تولّد من خلال الألوان والمواد المستخدمة. ومن ناحية أخرى فإن علاقة المجوهرات بلون البشرة والتواصل ما بين المرتدي والمجوهرات يأتي من خلال الوقع البصري المتولّد من هذا المزيج. وبكلمات أخرى فإن الألوان هي عالم من التجربة واللعب والمخاطرة. أحياناً ألجأ إلى حجارة من لون واحد، ولكن بملامس مختلفة، وقد يكون لها الوقع ذاته، والغنى للقطعة ذات الالوان المتعددة. ومن المعروف أن لكل شخص لونه المفضل، وفي كثير من الأحيان يلعب هذا دور أساسي في اختياره للأحجار. كما أن الفصول والمواسم تلعب دورها أيضاً. ولكني بشكل عام أعتقد أن الألوان هي ربيع مستمر يضفي على العالم إشراقاً دائماً، من خلال ما نرتديه وما نحيط أنفسنا به. http://alrai.com/article/15051.html

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية