قدمت تجربة جديدة في معرضها الأخيرابو ظبي من فاطمة عطفة: تشهد حركة الفنون التشكيلية في الإمارات نهضة متطورة وغنية وتمتاز بأنها تجمع ما بين التراث والحداثة، وتضم الساحة الفنية الإماراتية فنانين كبارا رفعوا لهم ولإبداعاتهم مكانة مرموقة بين الفنانين العرب والأجانب، ومن هؤلاء الفنانين المتميزين تأخذ الفنانة نجاة مكي مكانتها الإبداعية المتجددة دائما، حيث قدمت في معرضها الجديد 25 عملا فنيا وبأحجام مختلفة عكست تجربة جديدة في اللون والتشكل. نظم هذا المعرض مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام وافتتحه الشاعر حبيب الصايغ مدير المركز في قصر الإمارات. ويأتي المعرض استكمالا لمشروع الفنانة في التجريب والمغامرة في عوالم اللون بتعبيريته ورمزيته العالية، وفي الوقت نفسه، المحافظة على المنابع التي شكلت مرجعيات أساسية لأعمالها عبر تجربتها الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود. وتؤكد الدكتورة مكي أن التراث يشكل جزءا أساسيا ومهما في ذاكرتها الحياتية والثقافية والفنية، وكل لوحة في المعرض تحمل رؤيا وهدفا، كما أن الألوان الواضحة مثل الأصفر والأحمر والأزرق والأسود توحي بأفكار ودلالات مقتبسة من المجتمع، وكل عمل في المعرض يوحي بقصة شفافة مأخوذة من تأثيرات الواقع الحي، إنما بلمسات يمتزج فيها الفن بالجمال بإشراق اللون ونعومة الحركة وانسيابية خطوطها. هناك البحر والصحراء والمرأة التي تبين أنها الشاغل الأكبر من حيث تركيز الفنانة على حضورها المتنوع في أغلب اللوحات وبأشكال جميلة ومختلفة، كل منها تعبر عن حالة وحكاية رمزية، وكان لـ ‘القدس العربي’ مع الفنانة هذا اللقاء.
ـ كانت واضحة عملية التجديد في الأعمال المعروضة، وكيف يتم التجديد عند الفنانة؟ هل من خلال المتابعة للفنون الأخرى ومنها الأوربية أو من خلال تطوير التجربة عبر التراكم والتعمق في الواقع والتراث؟ تقول الدكتورة نجاة مكي: ‘إن لم تكن تجربة الفنان دائما فيها تجديد يعنى ذلك أنه لا يوجد تطور حتى بنفسه، الاطلاع مهم لأي إنسان سواء كان رساما أو مثقفا، أما أن التطوير يأتي من متابعة الفنون الأوربية بالتأكيد على أي فنان أن يتابع كل جديد، لكن عندنا فنانين عربا أعمالهم ترتقي إلى مستوى الأعمال الأوربية. هذا كان سابقا، أما الآن الفنون التشكيلية عندنا تحمل وتقدم أساليب وأساسيات حديثة ومتجددة باستمرار’. ـ الفنانة مكي مهتمة بالتراث وهذا ما يظهر دائما في أعمالها، وهي تؤكد على ضرورة وجمالية التراث في اللوحة بقولها: ‘التراث جزء مني، والفنان إذا لم يكن ينتمي إلى قضيته والبيئة التي يعيش فيها يكون فارغا، لأن من خلال البيئة يظهر الإبداع، من خلال تعايش الفنان مع قضايا مجتمعية إنسانية ووطنية يطور تجربته الإبداعية’. ولأن تجربة اللون عند الفنانة مكي تأخذ حيزا جميلا في هذا المعرض تتطرق لهذه الجمالية بقولها: ‘تجربة اللون والتنوع في تداخلاته هي نتيجة تراكمات عند الفنان، لأن التجارب الكثيرة تعطي الفنان اتساعا أكثر ورؤية عميقة حيث تأخذه إلى كنف اللون إلى قوة أو شدة اللون، ومن هذا التركيز على ما يوحي به اللون من خلال العمل الفني يؤثر على نفسية الإنسان’. ـ ويضم معرض الفنانة نجاة مكي 25 لوحة تتنوع في أشكالها الدائرية أو المستطيلة، أو المربعة، وأحجام هذه الأعمال أيضا تتفاوت في القياسات والأبعاد لتبين الفنانة ذلك بقولها: ‘هذا التداخل هو الخروج من النمطية للعمل الفني عن اللوحة العادية، إن خروج الفنان إلى مساحة أكثر تحفيزية تشعر المتلقي بنوع من أنواع التغير بالشكل، وحتى لا يتعود على مشاهدة الأعمال بشكل معين، يشوف لوحة معلبة، بينما يكون شكل آخر يمكن أن يعجبه ويتوقف عنده، وتدع عنده مجالا للتساؤل: لماذا هذه تختلف عن الأخرى؟ وحتى الشكل الفني يتغير عندما يأخذ إطار اللوحة شكلا دائريا أو مستطيلا أو مربعا، تلك الدائرة عندما تتواجد في ضمن اللوحة تعطي مفهوما مختلفا، من هنا حاولت أن أستخدم التنوع في الإطار الخارجي لهذه الأعمال’. ـ والمرأة دائما تأخذ الحضور الأكبر في الفنون التشكيلية، لكنها عند الفنانة مكي تعبر عن تراث المنطقة بأشكال متعددة مستوحاة من النخيل والبحر واللؤلؤ، أو من خلال الصحراء حيث تعكس ظروف المجتمع وتقاليده لتفسر لنا الفنانة عن مدى اهتمامها بالمرأة، تقول: ‘إن المرأة وقضايا المرأة والمجتمع عندي لها أولويات، ولكن لا أختلف معك أن قضية الرجل لازم تطرح أيضا، المرأة هنا مرتبطة بالرجل، ليس فقط المرأة تستقي الإبداع من الرجل وهو كذلك، كما أن الاثنين معا يساعدان في تنمية الوطن أو التنمية الحضارية للمجتمع، وجود أشكال اللؤلؤ في اللوحة وهي تشكل دائرة بها غموض، بها موت، بها حياة، الغواص لما ينزل لعمق البحر بحثا عن لؤلؤة هو بايع نفسه، ممكن أن يموت، أو ممكن إن حصل عليها وباعها أن يعيش ملكا، مثل ما شفناها تتقلدها حسناء أو أميرة وتتباهى بها. وفي حالة لو فقد الغواص جزءا من يده أو رجله تكون كارثة، لذلك اللؤلؤة في اللوحة تحمل معاني كثيرة’. ـ وعن تطور الفن التشكيلي في الإمارات تبين مكي أن ذلك يرجع إلى عوامل كثيرة منها: ‘أولا شغل الفنان في الإمارات على نفسه وسعيه المستمر نحو الأفضل، وثانيا يأتي اهتمام المؤسسات الوطنية في الدولة، والمراكز الخاصة أيضا مثل مركز الشيخ سلطان بن زايد هذا يعطي الحركة الفنية والتشكيلية والثقافة بشكل عام حافز للفنان والمثقف، وهو دليل على رعاية الفنانين والمثقفين، وهذا بحد ذاته يعطي دافعا كبيرا للإبداع’. والفنانة خريجة كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1982، وتحمل دكتوراه في مجال المسكوكات المعدنية من الكلية نفسها، كما أنها حائزة على جائزة الإمارات التقديرية في الفنون البصرية لعام 2007 وجائزة تحكيم بينالي الشارقة، وبينالي المحبة بدمشق، وبينالي مجلس التعاون بقطر، وجائزة العويس الثقافية. وتعتبر نجاة مكي واحدة من أبرز الفنانات التشكيليات في الإمارات وأكثرهن التصاقا بعالم الألوان والإبداع على مستوى البحث والإنتاج.