الفنانة التشكيلية اللبنانية جنان بزي: سمت بريشتي لوحات تحاكي الطبيعة وجذور الإنسان والألم

عبد معروف
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: جنان بزي، فنانة تشكيلية لبنانية، حملت ريشة الرسم منذ الصغر، لتصبح اليوم محترفة، شاركت في معارض لبنانية، عربية وعالمية، رسمت لوحات تحاكي الطبيعة وجذور الإنسان والألم، ريشتها مغمّسة بالحنين والحب والابداع، وبحرية مطلقة لا تخلو من المشاعر حيناً والالتزام بالقواعد والنظم الفنيه أحياناً أبرزت اللون وجمالياته وحصرت المسافات والأبعاد والرؤى في إطار جميل لتتأرجح بين إنشائية سريالية وتعبيرية تجريدية، موضوعها قوي فرَض حضوره: الأرض والإنسان ورحلته الدنيويه بكل فخرها واعتزازها، وجذوره الممتدة إلى ما لا نهاية.
بصياغة بلاغيّة بسيطة استخدمت قشور الطبيعة (من أغصان ونباتات وبذور..) في أعمالها، ما دل على مدى تعلّق الفنانة ببيئتها وكأنه عربون وفاء للأرض الأم.
أصابها المرض الخبيث، ليكون في «حياتها ضيفا ثقيلا» كما وصفته، فكبل يديها وابتعدت عن الرسم، إلى أن كان هذا الحوار الذي شكل دافعا لإطلاق اليدين مجددا وتفتح أبواب مرسمها لنستمتع بالرسومات التشكيلية الموزعة في الزوايا مع جذور الأشجار والألوان وريش الرسم.

تأثرت بما حولي

■ متى أحسستِ أنك تميلين إلى الرسم التشكيلي؟
منذ الصغر، تبدأ عند الطفل ميول إلى أمور أكثر من سواها، والطفولة هي أهم مرحلة عند الإنسان، من خلالها يتحدد مستقبل الإنسان لأنه ينقل كل مخزون الطفولة إلى مرحلة الشباب. وعندما ينضج تصبح عنده الكثير من المسؤوليات التي عليه تحملها ومتابعتها، عندها يصبح دماغه في مرحلة تلقي أكثر منها عطاء.
من الطبيعي أن يتأثر الطفل في مرحلة الطفولة بكل ما يحيط به من بيئة وطبيعة، فتبدأ عنده مرحلة التخزين إلى أن يصل إلى مرحلة الشباب التي يبدأ معها العطاء والابداع في مختلف نواحي الحياة من فنون وعلوم.
الرسم هو نوع من أنواع الفن، منذ الطفولة يبدأ الطفل بالرسم على أي شيء يجده، على الطاولة على الجدار على الرمل على الماء خلال الاستحمام وهذه تجربة عشتها شخصيا مع أولادي ومع تلاميذي، لأنك عندما ترافق إنسانا عليك أن ترافقه بقلبك واحساسك، الرسم والأشغال اليديوية وجبل التراب تبدأ من الطبيعة ومن البيئة المحيطة بنا.
■ لماذا توجهت نحو الرسم وليس إلى نوع آخر من الفنون كالنحت أو الشعر مثلا؟
منذ الطفولة وأنا أرسم بشكل عفوي كأي طفل، ثم بدأ التوجه التلقائي نحو الرسم، لأن مخزون كل إنسان يجب أن يخرج بطريقة ما، أحسست أن الرسم بامكانه التعبير عما في داخلي.
بداية رسمي كان في المدرسة من خلال رسم الخرائط، ثم أحببت رسم أعضاء جسم الإنسان في مادة العلوم في المرحلة الثانوية.
دراستي الجامعية ليست لها علاقة بالرسم لأني درست الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية وفي الوقت نفسه، كنت أعشق مادة تاريخ الفن والحضارة، التي كانت ضمن المنهج الجامعي، مادة تاريخ الفن كانت تشدني تلقائيا إلى أن أصبحت معلمة في المدرسة، وبعض التلاميذ لا يتحركون أو يتكلمون خلال الدرس، ولكن كنت أتفاجأ بهم نهاية الدرس وهم يحملون لي بين أيديهم رسوماتهم الصغيرة والجميلة ومن بينها رسمة قلب واسمي في داخله نوع من التعبير عن حبهم لي، الرسم هو نوع من أنواع اللغة والتواصل بين الشعوب وبين مختلف الناس.
أحببت هذا المجال مع الأطفال في المدرسة ومع أولادي في البيت، فأنا ما زلت أحتفظ برسومات أولادي عندما كانوا أطفالا.
الرسم له قيمة كبيرة عندي ومكانة عالية وغالية، في يوم قامت المدرسة بزيارة إلى محترف الفنان عمران القيسي، أعجبت جدا بأعماله خاصة أنه ألقى علينا محاضرة عن الفن وقيمته، قبيل مغادرتنا طلبت منه أن يخصص لي بعضا من وقته كساعات من الدروس الخاصة، وفعلا حصلت منه على دروس خاصة لمدة سبعة أشهر مقابل مبلغ مالي.

الهدوء وصفاء النفس

تعلمت منه تقنيات الرسم والنحت وهنا بدأت فعليا مرحلة الفن والابداع عندي، نظمت منذ حوالي عشر سنوات معرضا بعنوان «عشق الروح» لما يحمل الرسم من روحانيات ومشاعر الرسام.
بدأت مسيرتي من خلال مرسم صغير في غرفتي، ثم انتقلت إلى البلكون وبعد ذلك وصلنا إلى المرسم الحالي في الطابق الأول من المنزل، كنت أعمل بجهد على نفسي لزيادة ثقافتي في الرسم. الرسم يلزمه جو من الهدوء وصفاء النفس، أحيانا أجلس مع نفسي في مرسمي وأسجل ما يمر بخيالي من أفكار أو أقوال، وأيضا آيات من القرآن الكريم، أجسدها من خلال لوحة خاصة لأني تلقيت دروسا في الحروفيات، زرت الكثير من المعارض للاطلاع على مختلف الثقافات من خلال الفنون ما ساعدني على صقل نفسي وما زلت حتى اليوم أحاول صقل نفسي وسأبقى إلى أن يحين الموت.
■ لمن رسمتِ لوحاتك التشكيلية؟
رسمت للانسان بشكل عام، الإنسان يُخلد من خلال ذكراه وأعماله بما أن الإنسان جزء من الطبيعة، السماء لا تموت، الشمس لا تموت، البحر لا يموت، كل شيء يعود إلى التراب وثم يتجدد.
على الإنسان أن يكون خصبا في عطائه وإبداعه وتطوره في كل الميادين حتى يترك ذكرى في حياته عند الإنسان سبعة إبداعات منها: مجال الحاسوب، الرياضيات، علم الطبيعة، الموسيقى، علم الحيوانات، الفن.
■ كيف يمكن للانسان العادي قراءة لوحة من خلال الألوان والخيوط المختلطة؟
اللوحة تُقرأ مثل الكتاب، كل إنسان يقرأها من منظاره ومن زاويته الفكرية وكل قراءة للوحة تختلف عن الثانية. مشكلة البشرية أن لا أحد يستطيع أن يقرأ كتابا كما يقرأه إنسان آخر، كل إنسان يقرأ ذاته، لم يعد الوصول للآخر مستطاعا، حتى في الحياة الزوجية ترى أن زوجين يتشاطران الفراش ولا يستطيعان قراءة بعضهما، على سبيل المثال قراءة القرآن تختلف من انسان عادي إلى عالم دين إلى طفل، كل سيقرأه من منظاره ووعيه وفهمه كذلك الأمر بالنسبة للوحة التشكيلية.
من منظاري، اللوحة ليست معقدة، ولكنها من منظار انسان آخر لا يحب الرسم لن يفهم منها شيئا، وحين يستمع هذا الشخص لشرح الرسام تراه يبدي إعجابه بها لأنه رأى الكثير من الأمور المخفية عليه. أما أن تلمس اللوحة مشاعرك أو أنها لا تعني لك، رغم عظمة الفنان العالمي بيكاسو إلا أن هناك بعض الناس لا تعني لهم لوحاته، بينما البعض الآخر يذوبون رقة وإحساسا أمام لوحاته، لذلك فأمر قراءة اللوحة التشكيلية يتوقف على ذوق كل إنسان وقدرته على استيعاب اللوحة، وأنا أحترم قراءة كل إنسان للوحة وأتقبل رأيه، وهذا هو سبب اندلاع الحروب، عدم تقبل الرأي الآخر.

لغة الحضارة

■ ما علاقة الرسم بالمحافظة على التراث الوطني؟
أنا أرسم الآيات القرآنية، والقرآن هو محافظة على تاريخ العرب والحضارة الإسلامية. الفن لغة عالمية منذ عصور ما قبل الميلاد كان يوجد فن داخل المغاور التي يزورها الناس حاليا، في فرنسا حضارات ما قبل التاريخ هي كنزنا الذي نُحارب من أجل المحافظه عليه.
■ هل يموت الفن مع مرض الإنسان؟
ـ الفن لا يموت بل يتجدد، إقبل على الحياة، تقبل عليك، وكل أمر في هذه الدنيا كما تراه أنت اذا أردت رؤية الجمال ستراه في كل شيء أمامك وإذا أردت الانزواء سترى السواد يلفك.
■ المرض الخبيث (السرطان) الذي أصابك ألم يؤثر على نفسيتك أو على إنتاجك الفني؟
ـ المرض قيد يدي وقررت التوقف عن الرسم والدخول إلى المرسم إلى أن أنهي العلاج، ولكن المرض لم يستطع تقييد عقلي ولم يستطع السيطرة على أفكاري، الحقيقة، عندي الكثير من الأفكار مسجلة في عقلي وأوراقي لحين التنفيذ، أقبلت على المرض بقوة حتى أستطيع أن أقمعه وأبعده عني، في الفترة الأولى من المرض انهرت، ثم رفضت الانهيار أقبلت على المرض وتعايشت معه، لأن عندي هدفا وأتمنى أن يمن الله علي بالحياة حتى أستطيع تنفيذ كل الأفكار التي سجلتها.
خلال العلاج كان بالإمكان أن أنهار بسبب تداعيات العلاج والظواهر التي برزت على جسدي، لكني رفضت الاستسلام حتى لا أتحول إلى إنسانة مدمرة، حولت الألم إلى أمل من خلال نظرتي إلى الألوان التي تظهر على جسدي بعد وخز الأبر التي كنت أتعرض لها خلال العلاج، أرى من خلال هذه الألوان وجه إنسان أو جبلا أو نهرا، وسأحاول تجسيده في لوحات. واليوم وبعد زيارتكم وهذا الحوار معكم قررت أن أطلق ريشتي مجددا للرسم وأفتح مرسمي بعد أن أقفل لأشهر طويلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية