الفنانة التشكيلية اللبنانية منى صحناوي: الحرب لا تؤدي لنتيجة فيها خير

حجم الخط
0

اجلات الحوار: فاطمة عطفةفنانة تشكيلية انطلقت من بلدها الأم لبنان وتابعت دراستها في مصر ثم أمريكا، وهكذا جمعت في فنها بين جمال الطبيعة في لبنان وحضارة مصر العريقة واستكملت تجربتها الجمالية في أمريكا بكل اتساعها وانفتاحها على العصر وما فيه من إبداع حديث. ومن هذا الفضاء العالمي الرحب، استلهمت الفنانة المبدعة صفاء لوحاتها وجمال رموزها وشفافية الفرح في ألوانها. وإذا كانت حريصة على محبة العائلة في لوحاتها فإن موضوع السلام وعبثية الحروب ومآسيها يحتل موقعا هاما في أعمالها أيضا. إنها منى باسيلي صحناوي التي أسعدتنا بمشاهدة معرضها، وكان لنا معها هذا اللقاء لتحدث قراء ‘القدس العربي’ عن تجربتها.ـ الفنانة منى.. بداية حدثينا عن حبك للرسم، وبعد هذه التجربة الكبيرة هل ما زلت تذكرين أشياء تتعلق بطفولتك وبداية محبتك لهذا الفن الجميل؟* ‘عندما كان عمري تقريبا ثلاث سنين كانت والدتي تجلسني في حضنها وتفتح أمامي كتبا تتعلق بالفن، ومنها كتاب عن ليوناردو دافنشي وآخر لمايكل آنجلو وآخر لرفائيل، وكنت أرى هذه الرسوم وأتعجب وأذكر عند بداية ذهابي للمدرسة كنت أطلب ورقة وألوانا فمحبتي للفن بدأ منذ الطفولة’.ـ من الملاحظ في أعمالك حبك للطبيعة وتركيزك على الألوان الفاتحة، هل ما زالت في ذات الفنانة منى تلك الطفلة التي تعشق الألوان؟* ‘أكيد، عندما درست في مصر ثم لبنان وبعد ذلك في أميركا، عندها كان الفن أقل ما يمكن، أي ليس هناك فن على اللوحة. لكن عندما نسكن في منطقة من هذا الكون تحتوي على ألوان رائعة، فلا يمكن إلا أن ندخلها في أعمالنا وألواننا وأنا محبة للألوان وللفرح. أكيد هناك فنانون يحبون الرسم باللون الأسود، لكن أنا أحب أن أمنح الفرح وأنتقي دوما في رسوماتي الأشياء التي تعبر عن الفرح، لأن الحزن يأتي من دون طلب لذلك دعونا نرسم الأشياء التي تزرع الفرح في قلوب الناس مع الألوان ومع الجو الجميل الذي أضيفه في اللوحات الخاصة بي’.ـ هل اهتمامك بالطبيعة جاء من جمال الطبيعة في لبنان؟ أم أنك من خلال دراستك اطلعت على الثقافة البوذية وغيرها؟* ‘الطبيعة هبة من الله، وأنا أجد أنه يجب أن نحافظ عليها من أجل أبنائنا، فهذه ليست لنا بل يجب أن نزيد في جمالها، وأنا ألاحظ هنا في الإمارات الاهتمام بالطبيعة بشكل كبير. إن طبيعة لبنان جميلة والشرق الأوسط بشكل عام كلها جميلة إن كانت جبالا أم صحارى’.ـ لديك مشاركات عربية وعالمية، كيف ترين الإقبال على لوحاتك عندما تشاركين بمعارض عالمية، هل هو بحجم الإقبال بمشاركاتك العربية؟* ‘المعارض التي قمت بها في باريس والسعودية والكويت والإمارات وفي عدة دول كان لها صدى جميل حتى إنه عرض لي لوحة سنة 2010 في متحف في واشنطن، وطريقة عملي لا تتغير وأجد تجاوبا مع أعمالي في الدول الغير عربية أكثر في بعض الأحيان من الدول العربية. أذكر عندما أقمت معرضا في باريس، كانت الناس تمر في الشارع ويدخلون لصالة العرض ويندهشون باللوحات ويتساءلون: من هذه الفنانة؟ ومن أين هي؟ لأنهم شعروا بإحساس عالي في اللوحات لا يرونه إلا بشكل قليل عند بعض الفنانين. وهنا في أبو ظبي قال أحدهم أشعر أن هناك ضوءا في المعرض وهذا أفرحني جدا’.ـ لو تحدثينا عن موضوع اللوحة التي عرضت لك في متحف واشنطن؟* ‘لوحة هذه كانت تحمل موضوعا عن الحرب في لبنان، وكانت عبارة عن تابلو به جاكيت رجالي يوجد عليها أفعى رسمت وراءها ثلاث نساء يمثلون نساء لبنان وكان هناك حقيبة، وقد أسميت اللوحة ‘الأرامل الشابات’ لأنه في حرب قتل عدد كبير من الرجال، وتذكرت كيف فقدت أحداهن زوجها، أبو أطفالها، وبعد مقتله تذهب وتفتح الخزانة وتوضب أمتعته وكأن بها تقتله مرة أخرى. هنا أردت أن يرى الآخر مقدار الحزن وأن الحرب هي شيء محرم لأنها لا تؤدي لنتيجة فيها خير، ويجب أن يتعلم الناس التحدث مع بعضهم البعض لا أن يشهروا السلاح في وجه بعضهم فأحببت أن أستخدم رمزا قويا، وكان إلى جانب الجاكيت حقيبة رسمت عليها سيدة وسؤال: بعد شهرين هل سينحل كل شيء؟ (مع إشارة الاستفهام)، لأننا هكذا عشنا في لبنان لمدة ثلاثين سنة، والتابلو كان عليه عازف عود يغني وكان هناك نوافذ مفتوحة وكل شباك له رسمة أحدها فيها سياسيون ينظرون للخارج، وللأسف أغلب السياسيين ينظرون للذي يحدث في الخارج ولا يعيرون انتباها لما يحدث في الداخل. النافذة الثانية كان فيها امرأتان ورجل يحبون بعضهم، إن كان هناك حرب أو لم يكن، الشكر لله الحب يستمر. النافذة الثالثة حصان أحمر يجري وهو تعبير عن الحرب القادمة والناس في الأسفل موتى على الأرض، أسميت اللوحة ‘أغاني عنتر’ أي ليت قصص الحرب التي نعيشها مثل قصص عنتر التي غنيناها في الماضي، أي اتركونا نغني هذه القصص ولكن لا نريد أن نعود ونعيشها. لقد أردت من خلال لوحتي أن أري العالم حجم العذاب الذي يعانيه البشر نتيجة الحروب، لقد استضافوني في الإذاعة الوطنية في واشنطن كي أتحدث عن لوحتي’.ـ هل الحروب في لبنان جعلت الفنانة منى تظهر من خلال رسومها الداعية إلى رفض الحروب والدعوة للسلام؟* ‘أنا بطبيعتي لا أحب العنف، لكن وجدت رمز العصفور مكتوب عليه سلام. وهذا لاحظته في الخط العربي القديم، كانوا دوما يأخذون رمز العصفور ويكتبون ‘سلام أو بركة’، فأحببت أن أذكر العالم بأهمية السلام عندنا، لأجل ذلك رسمت هذه اللوحات وهي من تراثنا في الشرق الأوسط’.ـ لوحة تتألف من اثنتي عشرة لوحة تتضمن الطير وغصن الزيتون والبركة والعصفور والحمام، كيف خطرت لك فكرة هذه اللوحة؟ * ‘أنا أحب تاريخ الشرق الأوسط، وعندما أسافر وأذهب لزيارة المتاحف أتوجه نحو القسم الخاص بالشرق الأوسط والتاريخ الإسلامي، ولاحظت أن العصفور هو رمز يستخدم بشكل كبير في الأعمال الفنية كرسمه على قطع الفضة أو الخشب والنحت. هكذا بدأت برسمهم، ومن هذه الرسوم صنعت التابلوهات، أيضا لأن معرضي هذا في الإمارات أحببت أن آخذ العصافير الموجودة في الإمارات وأرسمهم، مثلا: هناك الهدهد والصقر والنغل وهو طائر جميل جدا وهو يغني كأن أكثر من عصفور يغنون سوية، وهو موجود فقط في الشرق الأوسط. هناك عدة طيور منها طير يسمى الطاووس، رسمتها وهي رمز للخصوبة وقد وجدت في متحف دبي والشارقة هناك غرف كيف كان المنزل منذ القديم كي لا ينسى الناس كيف كانوا يعيشون، ووجدت تابلوهات مرسومة ومعلقة في هذه الغرف وعلى أحدها كان مكتوب (الله يعطي من يصبر)، فأخذت أتساءل: لماذا هذا العصفور بالذات؟ وعندما عدت للبنان التقيت بأحدهم وكان يحب العصافير ويربيها فقال لي طالما أنك ترسمين العصافير تعالي وشاهدي الأنواع التي لدي وكان أحدها هو طير الطاووس، وأخبرني الرجل أن الطاووس يخسر ريشه في الشتاء ويعود وينبت له ريش جديد في الربيع والصيف، وعندها عرفت لماذا يستخدم كرمز للخصوبة. هذه القصة أضفتها للكتاب الذي أصدرته عن أعمالي وقد أسميته اليوم الخامس لأن الله في اليوم الخامس خلق العصافير.ـ لوحتك الثانية والتي يبلغ طولها متران بمتر تبدو كأنها تعبرعن بستان من الورود وفيها أرقام، ما موضوع لوحتك هذه؟’لقد أسميتها ‘الحياة’ لأنك تشعرين بالحياة في الطبيعة ورسمت الخيل التي تترك الكلمات وراءها التي ليس لها أهمية كي يعودوا ويجدوا الطبيعة. لوحتي الثانية تحتوي عصافير من الإمارات وعصافير من الشرق الأوسط، لوحتي الثالثة أسميتها سحر الموسيقى الشرقية، فأنا عندما أستمع لعزف العود أشعر بالسحر ويأخذني لعالم آخر جميل’.ـ لوحتان بطول 170سم، واحدة تتحدث عن البيئة البحرية والأسماك، والأخرى تحتوي على الزهور التي توضع في البيوت، حدثينا عنهما؟’الأسماك هي رموز وأسميتها ‘الغداء العائلي’، ‘الحب العائلي’، لأني أرى أن العائلة عندما تجتمع على الطعام هو شيء جميل جدا وتمنح الواحد منا شعورا جميلا بأن له عائلة محبين ومساعدين له. ولوحتي الثانية، ‘الإنسان’ يحب أن يضع الزهور في منزله وأضفت لها رموزا من الشرق الأوسط كإيد فاطمة والعصفور مع غصن الزيتون والذي يرمز للسلام، والسمك رمز للخير، والحصان رمز للكرم والوفاء، والنخيل رمز للشخص الذي يحب أحدا ما ويتمناه، والبيت رمز للعائلة.. هذه الرموز جميعها وضعتها في باقة الورود، وهناك أيضا لوحة أسميتها ‘إحساس ومشكلة’، ولوحة أخرى فيها الحصان يجري في الصحراء التي تعطي الإحساس بالحرية، وهذه الأم مع الحصان الصغير أسميت اللوحة العاطفة، لوحة تحتوي على النخل في الصحراء ودلة القهوة والخيمة وأردت منها أن أدعوا الإنسان لاحترام الصحراء والنخل وحيوانات الصحراء، لأن هذا هو تراثنا وحياتنا، وهي التي جعلتنا نعيش في الصحراء التي يصعب المعاش فيها’.ـ كيف رأيت إقبال الناس في أبو ظبي على معرضك؟’أنا أرى أنهم هنا في أبو ظبي يبذلون جهدا متواصلا ليظهروا أهمية الفن والثقافة، وأنا في بيروت عندما أقيم معرض يحضرون طلاب المدارس ويطلبون مني الحضور كي أتحدث مع الطلاب وأنا أحب هذا فلدي رغبة بأن أرى هذا الطفل كيف ينظر للوحات وأحب أن أعلمهم، فهكذا يربون بالفطرة على أن الفن شيء هام في الحياة. وكنت أتمنى أن ألتقي هنا مع بعض الطلاب’.ـ بالتأكيد تعلمين ما يحدث في المنطقة من ثورات الربيع العربي، أنت كفنانة هل بدأت بتصور معين لمعرض قادم عما يحدث في الدول العربية؟ * ‘كنت أقوم برسم لوحة لم تنته بعد وهي تتضمن صورة لشابين يحملان البنادق وهناك حائط بينهما وكأنهم يطلقون النار على بعضهم، وللأسف أسميتها إخوان يتحاربون، إن هذا يجعل عيني تدمع على ما يحدث في بلداننا’.ـ كيف تنظمين وقتك بين فنك وعائلتك؟ وكيف تربين أبناءك كي تكوني مثلا لهم؟* ‘إني محظوظة بعائلتي فهم يشجعونني دوما، في البداية والدي ووالدتي، والآن زوجي وأبنائي، وفي بعض الأحيان يمدونني بأفكارهم حول لوحات جديدة، لكني أحاول أن أعمل في أوقات لا تتعارض مع حياتي العائلية، لأني لا أريدهم أن يشعروا أني آخذ منهم شيئا هو لهم، وأحب أن أعطيهم الاهتمام والحب. أبنائي يحبون الفن والرسم، ولكن لم يمارس أحد منهم الفن’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية