غزة – «القدس العربي» : من رحم المعاناة يُولد فنٌ يعبر عن مأساة الشعب الفلسطيني بعد حرب السابع من أكتوبر، هذا ما خطته النازحة الفلسطينية إلهام الأسطل على لوحاتها البيضاء، التي صنعتها بيدها، مستخدمة أدوات بسيطة، هي آخر ما تبقى لديها، جراء العدوان الإسرائيلي الغاشم، الذي دمّر كل مظاهر الحياة في قطاع غزة.
كارثة ومعاناة
الفنانة التشكيلية النازحة إلى منطقة مواصي خان يونس، لخصت 10 أشهر من مآسي الحرب الإسرائيلية بحق أبناء قطاع غزة في لوحة واحدة سمتها «كارثة ومعاناة»، فرسمت الأسيرَ المُحرر طارق دحلان، ونظرته الجنونية إلى العالم بعد خروجه من السجن: «نظرته أثرت بي كما اثرت في العالم، فحاولت إبرازها بشكل كبير. كانت النظرة تحكي عما حدث له في السجن من تعذيب، أفقده عقله والقدرة على النطق».
وفي اللوحة ذاتها، أبرزت ابنة مدينة خان يونس مشهد السيدة العجوز التي أطلقت عليها قوات الاحتلال كلبا بوليسيا شرسا، فمزق جسدها بطريقة وحشية: «هذا الفيديو أثر في العالم كله وآلمني كثيرا. فأضفته كحدث صعب ضمن لوحتى كارثة ومعاناة». إلى جانب تجسيدها اعتداءات الاحتلال على المقدسات الوطنية والدينية مثل المساجد والكنائس.
معاناة النزوح وشُح أدوات الرسم هو ما دفع النازحة العشرينية إلى خط كل معاناة قطاع غزة في لوحة واحدة، لتزيد القطعة الفنية ثراء من وحي الفقر، الذي لازم كل الغزيين، غني وفقير، في رحلة النزوح.
تقول الفنانة لـ«القدس العربي»: «أنا كفنانة تشكيلية في قطاع غزة أعاني عدم توفر الأدوات الفنية بشكل كامل معي، بسبب إغلاق المعابر. فقدت الكثير من ألواني ولوحاتي، لأنه مرسمي الخاص تعرض للقصف والدمار».
تستعين الفنانة التشكيلية بأدوات بديلة، للاستمرار في نقل معاناة النازحين على لوحاتها الزيتية، فتستخدم زيت الطبخ بديلا لزيت الكتان مع ما تبقى لديها من ألوان: «أحاول استخدام البدائل قدر المستطاع. وأصنع الورق بنفسي. لن أتوقف عن تجسيد آلام الحرب».
كانت أغلب لوحات إلهام قبل الحرب تركز على القضية الفلسطينية، ولكن بعد السابع من أكتوبر انصب تركيز الفنانة الشابة على ما يتعرض له النازحون من ويلات بشكل يومي على يد الاحتلال: «أرسم المشاهد اليومية للنزوح ومشاهد الدمار، وبعض المشاهد التي أثرت في كل العالم، و رسمت رحلة نزوحي من بيتنا الكبير وحديقته».
رسمت «إلهام» قطها «عنتر»، الذي لم يسلم من آلة البطش الإسرائيلية، وحكت عن شجرة الكاكا، التي احترقت حتى آخر ورقة فيها، في غارة الاحتلال على بيتهم الكبير في قلب خان يونس: «خلال رحلة النزوح حاولت رسم الأشياء التي أثرت فيّ نفسيا. فجسدت عنتر والشجرة المحترقة التي تعلقت بها كثيرا منذ صغري».
القُبلة الأخيرة
تشير الفنانة الشابة إلى «سكتش» رسمته مع بداية الحرب في السابع من أكتوبر: «كانت هناك العديد من المشاهد الصعبة والملهمة أمامي. فرسمت الأم التي فقدت ابنها، والجد الذي قُتلت حفيدته أمام عينيه. جسدت الدمار هنا وهناك. أبرزت الهروب من قصف الطيران الإسرائيلي الشرس، الذي كان وما زال يقصف كل شيء في طريقه. أظهرت تكاتف الجيران ومساعدتهم لبعضهم البعض. كل بدايات الحرب تشكلت عبر ريشتي». وفي لوحة فنية أخرى، حكت النازحة الفلسطينية قصة هروبها من القصف الأول بملابس البيت: «كانت الغارة وصوت الدمار قريبا جدا من منزلنا، وتم تحذيرنا قبله بخمس دقائق. هربنا بلباس البيت. أكثر شيء كنت متعلقة به هو عصفوري «مؤيد». أخذته معي وأنا في طريق النزوح أحمل أطفال أخي، أطلقت عصفوري «مؤيد»، لأنه لن يجد الحرية لو بقي معي مطاردا في ظل الحرب. هو سيجد طريقة أفضل للعيش».
وعبّرت «إلهام» في لوحة ثالثة عن مدينتها التي تركتها خلفها، نازحة إلى مدينة رفح، في بداية الحرب: «حاولت أن أعبّر من خلال هذه اللوحة أني تركت مدينتي ورائي. تعكس القطعة الفنية حالة الشرود الذهني التي كنت أشعرها حينذاك. لم أكن أعرف إلى أين سأذهب؟ تحوي العديد من علامات الاستفهام والتعجب: كيف خرجت؟ وإلى أين أنا ذاهبة؟».
فقدت إلهام العديد من لوحاتها القديمة قبل النزوح، بعضها احترق في المعارض والمؤسسات الثقافية التي طالتها يد التدمير الصهيونية، والبعض دُمر في مرسمها الخاص، الذي تضرر كثيرا بعد قصف المنزل القريب من بيتهم.
تواصل حديثها: «أغلب لوحاتي الورقية احترقت. وهناك لوحات فقدتها في رحلة النزوح الصعبة من مكان لمكان. من خان يونس إلى رفح. ومن رفح إلى مواصي خان يونس. هناك لوحات حاولت أن آخدها معي… يعني أنني حاولت أن أحمل معي ما تبقى من روح غزة».
وعن أكثر لوحة أثرت فيها، تحكي الفنانة الفلسطينية عن «القُبلة الأخيرة» فتقول: «مات أبي بسبب شُح الأدوية وانقطاعها عن قطاع غزة. كان أبي تعرض لوعكة صحية شديدة وحاولنا أن نجد له الدواء الخاص به فلم نستطع. بعدها فقدانه في مدينة رفح ودُفن فيها. سميت اللوحة “القبلة الأخيرة»، حيث كانت آخر قبلة من أمي لأبي في لحظة الوداع الصعبة».