الفنانة الفلسطينية الراحلة ريم بنا: السرطان احتل جسمي كما احتلت إسرائيل فلسطين- (صور وفيديو)

حجم الخط
3

الناصرة- “القدس العربي”: وديع عواودة: بعد صراع مرير مع المرض رحلت الفنانة الفلسطينية ريم بنا بنت مدينة الناصرة داخل أراضي 48 وشيع جثمانها السبت في مسقط رأسها. ريم بنا (52) التي صدم نبأ رحيلها شعبها ومعارفها في العالم، قدمت في مسيرتها الفنية أغان ملتزمة كثيرة تعبيرا عن معاناة شعبها المحاصر وأنشدت للأسرى، الأطفال والأمهات والشهداء، متحدية بذلك الاحتلال.

وقبل سنوات نجحت أيضا بتحد آخر بتغلبها على مرض خبيث ألم بها قبل 12 عاما وما لبث أن عاد وغدر بها وإن خطف جسدها لكن روحها ونتاجاتها الفنية بقيت وستبقى للأبد.

قدمت حتى اليوم عدة ألبومات موسيقية بأسلوب يدمج التهاليل الفلسطينية التراثية بالموسيقى العصرية ولم تكن تتخيل أن يفاجئها السرطان دون سابق إنذار وينزلها عن منصة العروض.

مرايا الروح

وصدر عن ريم بنا ألبومات كثيرة منها باكورتها “جفرا (عام 1985)، دموعك يا أمي، الحلم، قمر أبو ليلة، وحدها بتبقى القدس، مواسم البنفسج أغاني حب من فلسطين وتجليات الوجد والثورة” وغيرها. تميز نتاجها الفني بتلحين قصائد شعراء فلسطين البارزين وأشعار والدتها وبطريقة موسيقية فريدة تجمع أحيانا بين الشرق والغرب إلى جانب تهاليل التراث. وبحثت دائما في أغانيها عما يلامس وجدان الشعب الفلسطيني ومن تراثه وتاريخه وثقافته. وتعتبر ريم بنا من الفنانات الملتزمات فحرصت على التعبير عن معاناة الشعب الفلسطيني آماله وآلامه.

والبومها الجديد “مرايا الروح” هو بالأصل باقة قصائد من نتاج والدتها الشاعرة زهيرة صباغ والتي وضعت تكريما لأسرى الحرية الفلسطينيين. وقبل مرضها طالما شددت بنّا على أهمية الأغنية الفلسطينية من حيث الفن ومن ناحية كونها سفيرة لقضيتهم.

23ipj

حكايتي مع الموت

استعادت ريم بنا تجربتها المخيفة مع مرض سرطان الثدي الذي شفيت منه بعد صراع لعدة سنوات معه ومع العلاج الكيميائي الذي انتزع ضفائر شعرها الجميل لفترة ولم ينتزع معنوياتها: “مررت بكافة الفحوصات الطبية وقبل معرفة النتيجة هيأت نفسيتي بأني مريضة بسرطان الثدي فأخذت جرعته قبل ظهور النتيجة ومع ذلك كان من الصعب علي تقبل الجواب”.

وقالت وقتها لـ”القدس العربي” إن أول سؤال بادرت له بعد كشف إصابتها من قبل الطبيب: متى سأموت؟ كم تبقى لي في الحياة؟ عندها أجابني الطبيب لماذا تشبهون المرض بالموت؟ حتما ستشفين منه.

وردا على سؤال استعادت بنا المواجهة المفتوحة مع المرض وقتها وقالت “داهمني فقررت التغلب عليه وكان من الصعب عليّ تقبل المرض ولكنها مرحلة قصيرة عانيت فيها وغضبت وغلبتني نفسية صعبة ولكني استطعت تجاوزها بسرعة ولا أنسى أني بكيت فيها كثيرا وتساءلت لماذا أنا؟ ألا يكفي العذاب الذي ذقته؟ وتقول إنها ليست فنانة مرفهة على المسارح بل تجتاز المصاعب ومعتادة عليها ومع ذلك صعقها نبأ إصابتها بالسرطان.

وتابعت ريم بنا التي سبق وشاركت في مهرجانات واحتفالات هامة في العالم وتم تكريمها في دول كثيرة “بحثت عن سبب يساعدني لتقويتي على المرض فاستنتجت أن صوتي وحياتي وأغنياتي كرستها من أجل خدمة القضية الفلسطينية ضد الاحتلال فتخيلت أن مرض السرطان مثل الاحتلال الإسرائيلي بالضبط ولا بد من تحديه”.

بين السرطان والاحتلال

وتشير إلى أن السرطان احتل جسمها كما احتلت إسرائيل الأرض الفلسطينية واغتصبتها وتابعت “وبهذه القوة قبلت التحدي وصارعت السرطان وهو مرض جبان تغلغل بجسمي ببطء فكان التغلب عليه بطيئا”.

وبلهجة المطمئن تابعت وقتها قبل أن يغدر بها “بعد تجربة قاسية خضت والحمد لله تجربة العلاج بالكيميائي وعندما فقدت شعري شعرت بحزن جراء تغير مظهري وهناك مجموعة ظنت أنني قمت بقص شعري التزاما بالموضة الشبابية واليوم شفيت وآخر النتائج الطبية أثبتت ذلك”.

ونوهت بنا التي تزوجت وتطلقت لاحقا من ليونيد أليكسانكو موسيقار روسي الأصل، زاملته وتعرفت عليه في المعهد العالي للموسيقى في موسكو، أن أصدقائها وصديقاتها حلقوا رؤوسهم تضامنا معها وقالت أن ذلك خفف من روع صدمة المرض الخطير وشحنها بالطاقة والأمل وأضافت بروح لم تنكسر حتى في ساعات الليل الأكثر حلكة: “شفائي بفضل كل الناس الذين ساندوني خاصة طبيبي وعائلتي وأصدقائي من كل بلدان الدول العربية”.

وردا على سؤال آخر أوضحت بنا أنها إنسانة “نباتية منذ عشرات السنوات لا تتناول اللحوم وتحرص على شرب يومي لحليب النوق وعصائر الرمان والعنب ونظمت غذائها وابتعدت عن مسببات الأمراض”. استمرار لتعميم تجربتها مع المرض فقد نصحت الجميع بالاهتمام بالفحص المبكر مؤكدة أن ذلك ليس عيبا بالعكس وتابعت “كنت اعتقد دائما انه لن يصيبني وعليكم بالتوجه لإجراء فحوصات لاكتشاف كتل نواة لمرض السرطان”.

ونوهت أنها عممت صورها على جمعيات عربية تعنى بمكافحة مرض السرطان للدعاية من أجل زيادة الوعي للداء الخبيث ولرفع وعي الناس بأهمية الكشف المبكر.

عودة الغول

وبعد أن خاضت التجربة المؤلمة مع هذا الغول الكاسر اكتشفت أن كل حالة تختلف عن الأخرى، وفرحت لإفلاتها من بين مخالبه لكنه ما لبث أن غدر بها. ما أن توجهت للحياة ثانية حتى راوغها واستدار وطعن الظبية الفلسطينية الأنيقة مجددا. وفي آخر ظهور لها في وطنها في آذار/ مارس الماضي كشفت ريم بنا أن فقدانها صوتها بشكل فجائي ودون تفسير علمي قد ترك فيها وجعا أشد من ذاك الذي تركته إصابتها بالسرطان.

جاء ذلك خلال احتفالية تكريم لها في مدينتها الناصرة من قبل مؤسسة “سينمانا” الثقافية، وبرعاية وزير الثقافة الفلسطينية إيهاب بسيسو.

وعن ذلك أضافت قبل عام تماما “لم أجد طبيبا قادرا على إفهامي كيف ولماذا فقدت صوتي، دون علاقة لإصابتي بمرض السرطان ما أدخلني بحالة نفسية صعبة، وسرعان ما وجدت نفسي أكتب خواطر على فيسبوك كتعويض عن فقدان الصوت”.

ودون تردد كشفت بشفافية أنها وجدت ذاتها غير قادرة على تسديد ثمن احتياجات أساسية تقتنيها من الدكان ناهيك عن رسوم التعليم في مدارس أبنائها وتعتاش على مخصصات ضمان اجتماعي قليل، ما دفعها للبحث عن مصادر دخل أخرى كالتطريز الفلسطيني.

وأضافت “لا أذكر ذلك لأثير الشفقة وأقول إنني مسكينة، فأنا قوية وأتدبر أمري، إنما لأروي فداحة الأزمة التي ألمت بي دون سابق إنذار، وأشير لثمنها القاسي وأنا لا أعرف اليأس ولا شيء يكسرني وأبحث دوما عن نقطة الضوء وأتمسك بها”.

ريم بنا التي غنت في تونس ومصر ناصرت الثورتين، وتم تكريمها في عدة دول كشفت أنها تكرم للمرة الأولى في مدينتها، وأنها لم تدع طيلة مسيرتها الفنية لإحياء حفلات أكثر من عشر مرات فقط في مدينتها الناصرة لأنها صممت على أن تكون مستقلة وغير منحازة للجماعات السياسية المتصارعة فيها.

وتابعت ملمحة لعدم امتلاء القاعة خلال تكريمها في الناصرة، بالإشارة لقرارها بعدم الانحياز لأي واحدة من الجهات السياسية المتناقضة في البلد.

خاطرة بالقاطرة

كما تطرقت لمشروعها الجديد “خاطرة بالقاطرة” حيث تستبدل الغناء فيه بقراءة نصوص خلال زياراتها لأماكن مختلفة في البلاد والعالم عن كتم الصوت والحريات، الفراق، المرض، الفرح، النجاح والشجاعة.

وفي الاحتفالية المذكورة قدم عازف البيانو نزار الخاطر معزوفتين وغنت الفنانة الشابة آية خلف واحدة من تهاليل ريم بنا ذاتها. في كلمتها كشفت ريم بنا أنها واجهت أزمة قاسية بعدما وجدت ذاتها تربي ثلاثة أطفال، بيسلان والتوأمين سالم وقمران، وحدها بعد انفصالها عن زوجها من أصل روسي قبل نحو ثماني سنوات، مشددة على أنهم أغلى ما في حياتها كأم ورفيقة لهم.

25ipj

بداية المشوار

كما أشارت إلى أن أوساطا فنية عربية وأجنبية أبدت استغرابها من بقائها في الناصرة وعدم سفرها للعالم الكبير بحثا عن أفق أوسع، لكنها آثرت البقاء في وطنها الموحي لها.

بنا التي بدأت مسيرتها الفنية يوم كانت في المدرسة وشاركت في أداء مسرحية غنائية لفيروز ضمن فعاليات “يوم الطالب” تقول إن والدتها الشاعرة زهيرة صباغ تركت الأثر الأول عليها، وإنها تشكل مصدر قوتها وإلهامها بفضل تجربتها الشخصية والنضالية وتربيتها على الجرأة والكفاح.

وأشارت بنا إلى أنها غنت الكثير من قصائد والدتها المكتوبة بأسلوب السهل الممتنع، ليس تكريما لها لأنها والدتها، بل اعترافا بقيمتها الشعرية.

وعن تأثير كونها أما على مسيرتها الفنية قالت بنا إنها كانت تغني لأطفالها وتسمعهم بالليالي التهاليل، لكنهم في أغلب المرات كانوا “يجننوني ولا ينامون”.

بنا المهتمة بأغاني الأطفال كأغنية “يا ليل ما أطولك” وسبق وأصدرت ألبوما خاصا بالطفولة أوضحت أن أولادها لم يسددوا ثمن غيابها، مسيرتها الفنية وأسفارها الكثيرة فهم “يدركون أنني إنسانة ملتزمة ولي موقف وأشكّل حالة وقضية شعبي الفلسطيني تهمني جدا”.

اختصار معاني فلسطين

وأشاد وزير الثقافة الفلسطيني إيهاب بسيسو بأعمال وشخصية ريم بنا وقال في احتفالية العام الماضي، احتفالية الوداع كما تبين: “اسمها يختصر كل ملامح فلسطين، وعندما نستمع لصوتها فإننا نختصر هذه البلاد بكل ما أنتجت من مشتقات الموسيقى والغناء والكلمات… ونرى فيها انعكاسا لذاتنا أمام المرايا، ونرى فيها جزءا أصيلا من تراثنا وذاكرتنا وإرثنا، كما نرى فيها الكثير من ملامح المستقبل”.

وتابع “هذا الصوت الذي دائما تخرج منه الحياة هو جزء من إنسانة تختصر أيضا ملامح الإرادة والأمل والصمود، وهي وجه من وجوه فلسطين التي نعتز بها.

بالتالي فعندما اخترناها في العام الماضي شخصية العام الثقافية لعام 2016 كان ذلك عنوانا ورسالة وأيضا مصدر إلهام لجيل الشباب، مفادها أن انظروا كيف أن هذه الفنانة، المسيرة الحافلة بالعطاء لا تستكين أمام مرض أو تحديات جديدة بل تستمر وتعود أكثر قوة. هي درس بالأمل والتحدي”.

معتبرا أن إعلان ريم بنا في العام المنصرم شخصية العام الثقافي هو الحدث الأبرز. وعن حدود الثقافة الفلسطينية ودورها من خلال هذا التكريم خلص للقول “نفتخر بها كفنانة وإنسانة ومحدثة ومجددة. هي شخصية الثقافة في كل عام بفضل تجددها ومثابرتها على مواصلة مسيرتها الفنية. مشاركتنا في تكريمها هذه المرة في الناصرة بعد رام الله لها الكثير من الدلالات لمن يريد أن يقرأ بين السطور”.

وفي صباح الأمس ناجتها والدتها الشاعرة زهيرة الصباغ بالقول:

زالتي الصغيرة البيضاء النزقة

تتحفز لتهرب

نحو المرج

مرج ابن عامر

الذي تعشقه

حيث الأخضر الدائم

تمهلي يا غزالتي

لا تهربي

انتفضي يا حرة

وانفضي عنك

غبار السقام

أما هي فقد “سرقت” لحظة من نزاعها الأخير وقالت كلمة وداع نشرتها على صفحتها بمساعدة نجلها: “بالأمس كنت أحاول تخفيف وطأة هذه المعاناة القاسية على أولادي،

فكان علي أن أخترع سيناريو، فقلت: لا تخافوا، هذا الجسد كقميص رثّ، لا يدوم حين أخلعه سأهرب خلسة من بين الورد المسجّى في الصندوق وأترك الجنازة “وخراريف العزاء” عن الطبخ وأوجاع المفاصل والزكام مراقبة الأخريات الداخلات والروائح المحتقنة، وسأجري كغزالة إلى بيتي. سأطهو وجبة عشاء طيبة. سأرتب البيت وأشعل الشموع. وانتظر عودتكم في الشرفة كالعادة، أجلس مع فنجان الميرمية

أرقب مرج ابن عامر، وأقول: هذه الحياة جميلة، والموت كالتاريخ، فصل مزيّف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية