عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: بخيوط من عشق للتطريز الفلسطيني والأردني نسجت الفنانة تايمي تولكي حدادين توليفة لوحاتها متفاوتة الأحجام، مشكلة لوحة ممتدة تمس جذوة القلب، وتأخذك إلى أماكن بعيدة، فيما رسائلها تحاصرك بالسؤال: لماذا تختار هذه الفنانة الأردنية منذ أربعة عقود ونيف ـ بالزواج- فنلندية الأصل، هذا النوع من الفن للتعبير عن فكرتها ورسالتها… المعرض الذي جاء تحت رعاية الأميرة ماجدة رعد، نظمته دائرة البرامج الثقافية في أمانة عمان الكبرى في ‘غاليري رأس العين’.. والفنانة تايمي حدادين من مواليد فنلندا عام 1934، وهي حاصلة على ماجستير في الفلسفة وبكالوريوس في الدراسات الإنسانية من جامعة هلسنكي، وقد عملت في التدريس وفي الصحافة في بلادها، قبل أن تنتقل إلى الأردن عام 1968، وقد عملت كدليل سياحي وألفت كتاب حول الأردن وحضارته ومواقعه التراثية والطبيعية والأثرية وذلك بعنوان: ‘الأردن بين الماضي والحاضر’، صدر في العام 1989، كما عملت في العديد من المشاريع التنموية والخيرية في الجمعيات الرسمية والخاصة. معها وعن فنها كان هذا الحوار: *هذا هو المعرض الأول لك.. لماذا تأخر إلى الآن؟ ولماذا الآن تحديدا؟*هو ليس الآن وجه الدقة، فقد كنت أنجز لوحاتي وأبيع بعض أعمالي منذ زمن، وان كنت لا أفضل بيعها بسبب تعلقي الكبير بها، فأنا أحب التطريز وأنسق أشكالا منه بشكل جمالي دلالي، فهناك تشكيلات الأماكن، ومنها الجوامع والكنائس، أما لماذا الآن؟ فقد كنت أود تجميع أعمال تكفي لإقامة معرض، وعرضت 57 لوحة. علما بأن لدي لوحات أخرى، لها معزة خاصة عندي، لذا لم أعرضها، وبعض المعروض ليس للبيع أيضا.*ماذا عن اختيارك ثيمة التطريز ـ قطبة الصليب كما تسمى- وهي ما يميز هذا الفن الخاص بفلسطين والأردن؟*رغم اتقاني وممارستي لفنون يدوية كثيرة، إلا أن فن التطريز يغريني بتنوعه، وبتجدده، وبالرموز التي يقدمها، فهذا الفن مدرسة حقيقية تحكي تاريخ المكان والزمان، وهو الفن الأغلى على قلبي.*هل تتقنين فن التطريز؟ أم تكتفين بجمع القطع؟
منذ كنت في فنلندا كنت أحب التطريز، وأخذت دورات عديدة، أتقن التطريز والحياكة، وكنت من أمهر الخياطات/ومصممات الملابس في السبعينات والثمانينات، ولكن التطريز كهواية هو ما يشغلني. *كم من الوقت أمضيت في جمع القطع المطرزة لتشكيل لوحاتك منها؟ ومن أين؟ وكيف تشكلينها؟*منذ أكثر من 30 سنة أجمع القطع القديمة المطرزة من مصادرها الأصلية وأقتنيها، وأعيد تشكيلها. أحيانا أحصل على الثوب كاملا كما هو، وأحيانا تكون أجزاء مهترئة من الثوب، أو أحصل على أجزاء متفرقة من ثوب مطرز، وهذه عوامل تحدد كيف يتم تشكيل القطع لاحقا، كما أن كثيرا من السيدات اللواتي لديهن أثواب مطرزة ملونة وحلوة، لا يلبسنها بعد الحج، فيقمن ببيعها فأشتريها.*معظم القطع أجمعها من المخيمات الفلسطينية في الأردن، خصوصا مخيم البقعة، وأعرف أماكن كثيرة في البلد من العقبة حتى اربد.. كما حصلت على قطع مطرزة من كل المناطق في الأردن، وأيضا من المدن الفلسطينية من رام الله والقدس وغيرهما. كما أنني استلهم الفلكلور والتراث الأردني والفلسطيني، وألوان الربيع في سهول الأردن وفلسطين، إضافة للمواقع التراثية والتاريخية لاسيما في القدس المحتلة.
وتعكس لوحاتي أساليب التطريز التقليدية والنقوش التي تزين الملابس التقليدية، خصوصا وأن عملي كدليل سياحي للفنلنديين في الأردن لفترة طويلة، ألهمني كتابي عن الأردن، كما عرفني على التفاصيل المختلفة لهذا الفن في القدس ونابلس وجنين والسلط ومعان واربد وغيرها من المدن.*أبرز عناوين اللوحات ودلالاتها لموضوع اللوحة؟*العناوين جاءت مستوحاة من القطع نفسها، فشجرة الحياة كانت موجودة منذ القدم كأسطورة، وهي عبارة عن شجرة يقف عليها عصفوران، كذلك البنت، وكل عنوان أستوحيه من طبيعة اللوحة أو شكل التطريز، كما في سجادة الصلاة، مسجد الزهور، الكاتدرائية الزرقاء، شهرزاد وشهريار، ألف ليلة وليلة، رام الله، الضريح الفضي، الضريح البرتقالي، الضريح الأخضر، نافذة الشتاء، نافذة الربيع، طيور الفردوس، باقات الرقص، جنة عدن، شجرة الحياة، البدو، وغيرها من اللوحات.
هل زرت فلسطين؟ أي المناطق… زرت فلسطين مرة واحدة في التسعينات، بصحبة ابني شادي، وزرنا القدس ورام الله، حتى أنني كنت أرفض مناداة زوجي لي ‘حاجة’، وأقول له: ‘ما تناديني بذلك.. إلا عندما أحج’، وفعلا حجيت بالقدس.
وابني شادي مهتم بالفنون، هو يعمل في مجال الانتيك الأوروبي في فنلندا، وقد أوصيته بعد وفاتي أن يتبرع باللوحات لمتحف في فنلندا ليتعرفوا على هذا الفن العربي الراقي. *ما الرسالة التي تودين إيصالها من أعمالك الفنية؟ ولمن؟*الرسالة التي أحب إيصالها هي المحافظة على التراث، لان هذا التراث يضيع، وضياعه تضييع هوية، والآن للأسف نرى تطريزا جميلا من بعيد، عندما نقترب نجده ‘شغل الماكينة’، لا اثر للمسة الإنسانية الفنية والتراثية فيه.
لهذا وجدت أن أفضل طريقة للحفاظ على هذا التراث هي اللوحات، لأنها دائمة وغير مستهلكة ـ كما الملابس- كما أنها القطع تورث، وهذا أهم شيء يمكن تقديمه للجيل الجديد، حتى لا يظل ‘مشغولا’ بالكمبيوتر فقط!
، بل وأدعو لتعليمه فن التطريز. وأنا سبق ـ عندما كنت أصغر بالعمر- أن أقمت دورات في جمعيات خيرية عدة لهذا الهدف.*كأردنية من أصل فنلندي.. كيف تصفين حياتك في الأردن بعد أكثر من 40 عاما؟*أحب البلد كثيرا واعتبرها بلدي الأول، وعشت فيها اكثر ممن عشت في بلدي الأصلي فنلندا، جئت من فنلندا إلى الكرك، وعشت مع العائلة، وتعلمت من حماتي المنسف والمقلوبة، كما عاش والد زوجي -حماي- معنا لأوائل التسعينيات، أي أنني عاصرت الجيل القديم.