الفنانة سانيتا ليسيتسا تعبر الصحراء العربية بلوحات من الرمال

حجم الخط
0

التقتها فاطمة عطفة: أقامت الفنانة سانيتا ليسيتسا معرضا تشكيليا جميلا بعنوان ‘روح الصحراء’ في فندق ملينيوم أبو ظبي، وقد حضر الافتتاح عدد من الدبلوماسيين والإعلاميين والمهتمين بالفنون التشكيلية، وضم المعرض 25 لوحة استلهمتها من طبيعة عدد من البلدان العربية وقدمتها رمزا وتحية لهذه البلدان. ومما يلفت الانتباه بإعجاب أن الفنانة استخدمت في رسمها لهذه الأعمال الرمل الممزوج بمواد كيماوية، بحيث تحافظ اللوحة على جمالها سنين طويلة، من دون أن يحصل لها أي تغيير، وقد حاولت في هذه الأعمال أن تعبر عن واقع الصحراء وروحها وعلاقتها بتاريخ الأمة العربية وحضارتها، وكأن الفنانة تركت دلالة التعبير لطبيعة الصحراء، ولكنها سكبت فيها مشاعرها الحميمة. هناك لوحة من مناظر شاهدتها في الحرب العدوانية على غزة وعذابات أهلها، فلم تنس الفنانة سانيتا ليسيتسا معاناة أبناء غزة فرسمت لوحة أطلقت عليها اسم ‘الصراع’ ومادتها مأخوذة من رمال غزة ونرى فيها دوامة أو زوبعة رملية تدور في الصحراء وفي وسطها حجر أسود صغير جاءت به من ذلك المنزل الذي هدمته القوات الإسرائيلية على أصحابه، وترمز الفنانة بالدوامة الرملية إلى مأساة شعب فلسطين والعالم كله يتفرج من بعيد، والدوامة تدور حول نفسها في صراع مستمر وكأنه بلا نهاية.

هكذا طوعت الفنانة المبدعة حبات الرمال لتنطق فنا وجمالا، وحولت مشهد الصحراء من رمز للجفاف والقفر إلى رمز للجمال ولوحة فنية مؤثرة في تعبيرها ودلالاتها. إن عشقها للصحراء دفعها لدراسة اللغة العربية والتخصص في ادابها، ثم تنطلق فتزور عددا من بلدانها وترتاد الصحراء لتحرك روحها الحية الكامنة وراء قشرة الرمال، مؤكدة أن لأهل الصحراء رسالة وأن في هذه الأرض القاحلة قلوبا تنبض وأحاسيس مرهفة، لا يقل رقة ونعومة عن ذرات رملها التي تذوب بين الأنامل وتداعبها نسمات الهواء.

عندما تنظر الفنانة إلى الصحراء وتتأمل ما فيها من جمال وخيول وظباء سارحة، تتذكر أيام العرب والشعراء وتراهم بوجدانها وتستمع إليهم وهم ينشدون أجمل القصائد. جاءت الفنانة البوسنية سانيتا ليسيتسا إلى الإمارات من أرض حافلة بينابيع الماء وهي تموج بخضرة الأشجار وألوان الأزهار، جاءت لتزور الصحراء وتبدع من أديمها ومنظرها لوحات معبرة، لا تكتفي بأن تتكلم فيها الرمال عن نفسها، بل صنعت من رمال الإمارات تحفة فنية تعبر عن تاريخ رجال عظماء عاشوا على هذه الرمال واقتبسوا من روحها وهج الأمل ونور الإيمان وصلابة العزيمة. وقد طافت الفنانة بصحارى اليمن والسعودية تقرأ معالم الحاضر وتغوص في صحائف الماضي، لتأخذ من رمالها مادة للوحات تمتد عبر التاريخ حتى زمن بلقيس. أقامت سانيتا ليسيتسا عدة معارض في دولة الإمارات العربية المتحدة وكذلك في موطنها البوسنة والهرسك. وهي تعتمد في إبداع لوحاتها على الرسم بالرمال، ممزوجة بمواد كيماوية لتحافظ اللوحة على شكلها وجمالها من دون أي تغيير. وقد حظي معرضها بإعجاب آلاف المهتمين الذين لم يكن يخطر لهم أن للصحراء مثل هذا الوجه الفني الجميل، إلا من خلال لوحاتها. وعلى هامش المعرض كان لـ’القدس العربي’ مع الفنانة هذا اللقاء:* لماذا معرض الصحراء، وهل زرت أكثر من بلد عربي؟* ‘نعم زرت أكثر من بلد عربي، ولوحات هذا المعرض مرسومة من وحي البوادي والصحارى في عدة دول عربية: من فلسطين، السعودية الإمارات والعراق… فاللوحة التي تمثل رمال فلسطين، مثلا، رسمتها عندما زرتها عام 2004 كنت صحافية وقابلت ياسر عرفات وهو في مكتبه/ الزنزانة! وعندما زرت غزة شفت بعيني الدبابات الإسرائيلية وهي تدمر أحد البيوت، ورأيت اناسا يبكون أمام بيتهم الذي هدموه في الهجوم، وعندما راحوا جئت إلى البيت وأخذت منه هذا الحجر الصغير الذي وضعته في وسط اللوحة، كما أخذت من رمال نفس المنطقة ورسمت هذه اللوحة (الصراع)، وهذا العمل الفني يرمز للحياة الصعبة للشعب الفلسطيني، لأن كل شيء في فلسطين يدور كالدوامة حول هذا الحجر الذي يعني الأرض الفلسطينية، البيوت المدمرة أصبحت هي رمز الحياة في فلسطين! وقد رأيت أن الحياة قاسية وصعبة جدا في فلسطين بسبب الاحتلال’.* أنت بنت البوسنة ورأيت ما حصل بشعبها وعلى أرضها، كما زرت فلسطين، كيف عشت تجربة الألم في هاتين الحالتين؟* ‘طبعا حرب البوسنة والهرسك استمرت أربع سنوات، وفي فلسطين من سنين طويلة. عندما عشنا في البوسنة كانت صعوبات كبيرة ومؤلمة وعندما كنت في فلسطين وجدت نفس الألم، وكلما رأيت الأطفال يبكون كنت أتألم جدا، وقد رأيت أطفالا كثيرين يبكون في فلسطين. وهذا المعرض 5 ‘ منه لدعم أطفال فلسطين’.* هل الفنان عندما يكون أيضا إعلاميا يستطيع أن يعبر عن رؤيته أكثر بحيث تصل إلى المتلقي؟* ‘طبعا أن يكون الفنان أيضا إعلاميا يستطيع إيصال الفكرة من وجهتين، فنية وإعلامية، خاصة أنني في نفس الوقت دبلوماسية وكنت صحافية. وأنا كفنانة أريد أن أقدم للناس أعمالا تعبر عن الحياة وعن التاريخ والثقافة في فلسطين، وأيضا أرسم لوحات عن الإمارات التي أقيم فيها من أربع سنوات حيث عملي في سفارة البوسنة والهرسك’. * وعندما سألتها عن رأيها في الثورات في الدول العربية ضحكت وقالت: ‘ أعتذر عن التعبير لأني دبلوماسية، وردي على هذا السؤال جاء من خلال اللوحات في هذا المعرض الذي عبرت فيه عن رؤيتي للأحداث الجارية في البلدان العربية، وكل شيء موجود عندي في اللوحات فهذه رسالتي الفنية وهي لوحة من فلسطين عن غزة، ولوحة (السراب) عن ليبيا، ولوحتان من اليمن واحدة (مدينة الأسرار) والثانية (عبق التاريخ)، ومن العراق لوحة اسمها (حضارة تحت الصحراء)، ومن البحرين لوحة اسمها (قلعة عراد)، وكل لوحة جئت بالرمال من البلد ذاته حيث أخذ مني المعرض وقتا طويلا، أرجو أن أكون قد استطعت أن أعبر بهذه الأعمال الفنية عن وجهت نظري لما يجري في هذا البلدان وأتمنى أن تصل الفكرة من خلال هذه الأعمال المكونة من رمال وتراب الصحراء لكل بلد’. وها هي الفنانة سانيتا تقيم اليوم في الإمارات لتبحث عن التاريخ والآثار الحضارية الباقية في هذه الربوع. وتقول عن نفسها: ‘أنا لست مستشرقة، بل عربية الروح والإحساس، أنتمي إلى الرمال وأبحث في روح الصحراء عن تاريخ وثقافة وديانة غيرت وجه العالم ومعالمه وحررت الإنسان، وأعطت للروح طمأنينة وأماناً وحررتها من اغترابها’. مما يذكر أن سانيتا متخصصة في اللغات الشرقية وحاصلة على ماجستير في اللغة العربية وآدابها، إضافة إلى أنها دبلوماسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية