بنت فلسطين.. وعاشقة تراثهاالتقتها فاطمة عطفة: لم يعد التحرر الوطني وانتصار قضايا الشعوب متوقفا فقط على دور الجيوش والقوى المسلحة في خوض الحروب، ولكن الشعوب تبدع وسائل وطرقا سلمية متعددة لتحقق أهدافها الكبرى. وهذه الأهمية البالغة التي اكتسبتها القضية الفلسطينية في الساحة العالمية، كانت ثمرة طيبة من ثمار نضال الشعب الفلسطيني ومبادراته الخلاقة، فردية وجماعية في الداخل والخارج. وقد اتخذت هذه المبادرات الإبداعية أطرا متعددة، فكرية وأكاديمية وثقافية، بدءا من السينما إلى الغناء مرورا بالموسيقى والتشكيل والرقص الشعبي وحتى الأزياء وألوان الطعام. إن زخم الحضور الفلسطيني بين شعوب العالم، سواء في المحافل الدولية أو المهرجانات الفنية، يؤكد روعة إبداع هذا الشعب وعظمة تضحياته في سبيل تحرير قضيته الوطنية وبناء دولته الحرة المستقلة، والخلاص من قيود الإهمال العربي وتواطؤ القوى الغربية. إن زيتون فلسطين وسنديانها ممثلا بجيل الأمهات والآباء، سواء في داخل فلسطين أو بلدان الشتات، هم الذين احتفظوا بكنوز التراث وهم الذين يشكلون الذاكرة الشعبية والتاريخية التي تنهل منها أجيال الشباب قوتها اليومي وزادها المستقبلي ومناعتها الروحية.
ومن هؤلاء الشباب التقت ‘القدس العربي’ الفنانة سناء موسى، بنت فلسطين. وكان بإمكان هذه الفنانة الشابة أن تصبح نجمة الصرعات الغنائية في المواسم والفضائيات التجارية، لكنها اتبعت طريق الفن الأصيل الذي يخدم قضيتها من خلال الغوص في ذاكرة الأمهات والجدات والاستماع إلى ما كانت تردده هؤلاء الجدات في مواسم الأفراح والأحزان في غياب الأحبة من أيام سفربرلك، وهي تنقل صورا غنائية متجددة من هذا التراث الشعبي الأصيل بصوتها الجميل العذب ممزوجا بالموسيقى الراقية المنسجمة مع صدق التراث وغناه. ومن يستمع إلى أغانيها في أسطوانة ‘إشراق’ يعرف أهمية هذا العمل الفني الأصيل الذي تؤديه بصوتها الرقيق الرائع مع فرقتها الموسيقية. * الفن مسؤولية ويشكل عبئا اجتماعيا على الفنانة، كيف فكرت مع دراستك العلمية أن تكوني فنانة ملتزمة من فلسطين؟* ‘هذا رأي صحيح، مرات كثير يكون الفن عبئا على الفنان، لكنه أيضا تعبير لانعكاسات في داخل الفنان يحب أن يتشارك فيها مع المتلقي، مع المستمع، فهو تعبير فني وهو أيضا ترويح عن النفس، هو طريقة جمالية في أن الإنسان يعبر عن مشاعره، عن أفكاره، عن توجهه وتعاطيه مع القضايا المختلفة ويتشارك فيها مع الجمهور، المسؤولية الملقاة على عاتق الفنان كبيرة، مثل المسؤولية الملقاة على عاتق الكاتب، لأن الفنان وظيفته أن يلفت الانتباه ويلقي الضوء على قضايا، وإذا لم يكن عنده طريقة لمعالجتها فعلى الأقل يقوم بإثارتها وعرضها على المتلقي’.* هل كلمات الأغنية هي التي تصل للجمهور، هي الأساس في فن الغناء؟ أو على الفنان أن يتعامل مع الكلمة باللحن وبصوته وتعبيره، حتى يستطيع أن يصل بها إلى المتلقي ويتقبلها الجمهور؟* ‘أنا أعتقد أن الكلمة أساسية لكنها عامل من عدة عوامل، إذا كانت الكلمة مفرغة من مضمون أو من قيمة حقيقية، لو تركبين عليها أفضل لحن في العالم، وتؤدينها بأفضل طريقة ممكنة، لكنها تبقى سخيفة، لأنها مفرغة من المضمون، لأن الكلام يجب أن يحمل رسالة إنسانية ومضمونا ذا قيمة ومعنى، إضافة إلى أهمية اللحن الذي يجب أن ينسجم مع الكلام ويتم بطريقة مقنعة، وتعلق في الذهن. وهناك أهمية توزيع الآلات الموسيقية، وكل آلة كيف تخدم الفكرة وتعطي وتضيف روحا للكلمة، ويأتي العامل الأهم الأداء: إن لم يكن جيدا ومقنعا تسقط وترسب الأغنية، الأداء يجب أن يكون صادقا، ابتداء من إخراج الصوت، إلى مخارج الحروف كيف نلفظ الكلمة وبأي نبرة، ثم الإحساس عند التقديم. مرات بعض الفنانين يقدمون بمبالغة، برأيي المستمع هو النصف الآخر للعمل، هو المكمل، لذلك أقول إن العمل الفني مركب ويحتاج إلى الصدق’.* عندما يقدم الفنان أغنيته، هل يهتم بإنصات وانسجام الجمهور معه؟ وإن حصل عدم إنصات وانسجام، هل يشعر الفنان بذلك أو يكون مندمجا مع نفسه، واهتمامه بعيد عن الجمهور؟ كيف يتصرف في حالة شعوره بعدم التفاعل؟ وهل يغير من أدائه لينقذ الموقف؟ * ‘هذا سؤال مهم جدا، أول مرة أتلقى مثل هذا السؤال: من واجب كل شخص يأتي لحضور عرض حفل فني والمشاركة فيه أن يعطي جمهوره الاهتمام، ممكن الجمهور أحيانا لا يتفاعل مع بعض الأغاني، لأن العرض أساسا يكون مركبا من حالات أو عدة مراحل، فيها العمق ومنها ما يحتاج إلى طاقة وحيوية، وحتى نوع من الفرصة لتعطي مجالا للمستمع حتى يندمج مع الفنان، طبعا ليست كل الوصلات الغنائية تلقى إصغاء وتفاعلا عند الحضور، وحسب نوعيات هذا الجمهور وثقافته وتوجهاته. فعلا أنا أعتبر أن المستمع هو نصف العمل، لذلك الجمهور مهم، لكن للأسف أعتقد أن جمهورنا العربي لحد الآن غير حاضر وغير جاهز لأن يستمع لكونشيرت 30 أو 40 دقيقة عزف آلات بدون صوت، بينما في الغرب يجلسون ساعة ويستمتعون، هنالك تباين في الثقافات، هذا الشيء يجب أن نعتاد عليه، وأن نبنيه في المجتمع، ونربي أطفالنا عليه’.* كيف تتصرفين لو لاحظت في بعض الوصلات أن الجمهور غير منصت للغناء، خاصة في حالة وجود عشاء مع الحفل… وبدل الاستماع، نجد أن الهمسات والأحاديث تدور حول الطاولات وتعكر جو العرض الفني، هل يمكن أن تنقذي الموقف عند ذلك؟* ‘أنا دائما أغني وعيناي على الجمهور حتى لما أكون بحالة انسجام مع ذاتي، أكون أشعر وأحس بردة فعل الجمهور، في العروض نحن نقدم ما نختار من الفقرات الغنائية من دون التحسس لردود الفعل، لكن أؤمن أن الذوق يصنع، أحيانا أفرض نوعا من الأغاني على جمهوري، ولو أنه في البداية قد لا يتجاوب معها بشكل سريع، لكن في ما بعد الجمهور يتفهم الأغنية أكثر ويحبها، وكثير من الآراء كانوا يقولون لي سناء هذه الأغنية أول ما سمعناها لم نحبها، لكن لم رجعنا سمعناها مرة ثانية لقينا أنها تجمع عدة طبقات للصوت وللموسيقى حبيناها جدا، شكرا لأنك أسمعتنا إياها مرة أخرى وإن كنا لم نتفاعل معك في المرة الأولى؟* بالتأكيد ثقافتك الفنية تكونت من التراث الفلسطيني ومعاناة هذا الشعب، وما سمعت وجمعت من حكايات شعبية قديمة، كيف تستطيعين أن تصلي بهذه الحكايات من الماضي إلى ذوق هذا الجيل الشبابي، والذي يتمتع بميوله وهواياته الأوروبية؟* ‘ هؤلاء الشباب لا أصنفهم تحت ذوق أوروبي، لأنهم ليس لديهم القدرة أن يناقشوا في هيغل ولا سارتر وماركيز وغيره، هؤلاء الشباب وقعوا تحت تأثير العولمة السلبي منها. وجزء من هذه المسؤولية لا يقع على الشباب فقط بل على الأهل وعلى المجتمع وتوجهاته، على الإعلام، والفضائيات التي استهلكت الثقافة، يجب مراقبة الثقافة، أحيانا يمكن أن تكون قاتلة مثل أي شيء يضر بالصحة. مثلا: من يحب أن يستمع إلى الموسيقى الأوروبية من النوعية الراقية، عليه أن يكون ملما بهذه الثقافة، حتى بالفنون الشرقية عليه أن يكون كذلك مطلعا على ثقافتنا وموسيقانا. أنا من عمر 7 سنوات عندما كان والدي دائما يستمع إلى الغناء والموسيقى العراقية، سألته: يابا نحن في العراق؟ قال: لا، نحن في بلدنا فلسطين، لكن العراق كمان بلدنا. لذلك أقول علينا أن ننشئ أولادنا على الثقافة في أوطاننا، إضافة لمعرفة الثقافات الأخرى، لأن الثقافة تمد الجسور وتختصر المسافات وتغير الجغرافيا. علينا، إذاً، أن نبني الجسور الصحيحة والحقيقية. أنا كعربية علي أن أتواصل مع أصلي، ومع حقيقتي لأنني لا أستطيع أن أكون شيئا آخر، أنا سناء لا يمكن أن أكون إلا فلسطينية عربية، إنسانة لها توجه يساري بشكل عام، طبعا هذا لا يتنافى مع العالمية، والتواصل مع الشعوب الأخرى، لكن يجب أن تكون هناك نقطة أنطلق منها، المركز أو نقطة الانطلاق هي عروبتي بالنهاية، والمهم أن نعمل على بناء الذاكرة الجماعية، الشعوب تحفظ وتنقل عن هذه الذاكرة، حتى الشباب يتعرف على هذا العمق الذي يعطي الأمان والفخر والاعتزاز، من هنا علينا واجب كفنانين ومثقفين ومربين أن نعمل على احتضان جيل الشباب، حتى لا يغترب عن تاريخه وتراثه’.* تحدثت عن تأثير التربية على الطفل، وأنت يعتمد عملك الفني على التراث وصياغته بطرق حديثة، هل احتفظت ذاكرتك عن جدتك ببعض التهليلات؟ وكيف ترين تأثير الجدة على الطفل؟ * ‘أنا شابة فعلا، لكن أعيش في سنوات الخمسينات والستينات ولم أولد في تلك السنوات، لكن أعيشها من خلال عيني جدتي الحاجة وطفة موسى، جعلتني أحب وأعيش وأشتم رائحة هذه السنوات. أنا أنظر إلى المرآة، لكني أرى فتاة أخرى في المرآة، أنا أتذكر من جدتي هذه الكلمات: ‘زعق طير الحمام وقال هنِّي/ ما غيَّر حوالي غير هنِّي/ رب البيت يجمعني أنا وهنِّي/ يا جماع غيمك بالسما// زعق طير الحمام وقال يا روحي/ غيرك مين يسليني يا روحي/ أنا إن جاكو الهم لفديكو بروحي/ مش لازم على الدنيا حيا// زعق طير الحمام وقال بتهون/ علينا وعجميع الخلق بتهون/ وحق من نزَّل المي من العيون/ ذكركم عندي دوم ما انتسى’.* سناء فنانة فلسطينية قدمت من تراث الوطن في عدد من الدول الأجنبية، كيف وجدت تقبل الجمهور الغربي لهذا التراث الغنائي الشعبي؟* ‘قدمت عروضا في هولندا وباريس وإسبانيا، كان يوجد قبول كبير ليس فقط من الحضور العربي بل من الجمهور الأوروبي، كانوا متعطشين ليفهموا ماذا تقول هذه الأغنية المأخوذة من قصة، وكانوا يسألون ماذا تقول هذه الكلمات؟ فعلا كنت أترجم لبعض الأغنيات، ولم يكتفوا بمعرفة الكلمات، بل كانوا يسألون هذه الكلمات من أين جاءت؟ وفي أي زمن قيلت؟ في إحدى المرات سألوني في فرنسا عن كلمات أغنية في أي فترة زمنية قيلت؟ عندهم تعطش وحب البحث وراء المعرفة، الأوروبي كي يستمتع يجب أن يفهم، أن يخاطب عقله، وليس فقط إحساسه وغريزته’.* ذكرت إسبانيا، ومن خلال تاريخنا العربي فيها هل فكرت بمشاركة مع فنانين إسبان؟* ‘بالتأكيد لو حصل أرحب، لو حصل على أن تكون المشاركة تنتج تفاعلا حقيقيا وموسيقيا، وهذا يحتاج إلى عدة أمور أن يكون هناك تلاؤم بين الفنانين ونوع الموسيقى. لو جاءني عرض يتعلق بالمشاركة بالفلامنكو لأن هذا اللون الفني أحبه وأصوله تعود إلى الحقبة العربية في الأندلس’.* هناك فنانون كثر من فلسطين قدموا الفنون الشعبية التراثية، هل تؤمن سناء بفكرة المنافسة التي تساعد في التقدم والحصول على مزيد من النجاح؟* ‘هنا لا أجد منافسه لأن التراث واسع، هناك بيئات مختلفة، البعض قدم التراث بطريقة غربية، أنا أقدم التراث بألحانه المحلية، ممكن أن أستعمل آلة غربية لكن شرط أن لا يسطح اللحن حتى يلائم آذان الغرب، أنا أتواصل مع الأصل العربي والشرقي بالأغنية، وعلى هذا الأساس تم اختيار هذه الأغاني مثل أسطوانة ‘إشراق’، وهذا الاسم ليس من الشروق كما ذكرت، إنما من استرجاع الذاكرة. أنا بعد بحث أكثر من سنتين، وقد قابلت سيدات بعمر خمس وثمانين وخمس وسبعين سنة، وسألتهن عن فترة سفر برلك، فترة التجنيد العثماني آنذاك، وقد اخترت اللوحات التي تعبر فيها هذه السيدات عن مشاعرهن، بشكل واضح وصريح وبدون أي تكلف. وهذا الشيء غير موجود في مثل أغاني الزفة وأفراح الأعراس. في الأغاني التي اخترتها، كل كلمة تحمل قائلها مسؤولية، لأن في كثير من الحالات وفي الأقوال تكون السيدة تبالغ في الاعتداد بالنفس، تسمعين أحيانا في أشعارنا (خيلنا تدوس المنايا.. خيلنا!) أو (نحن خطبنا بنت أحسن ناس بالبلد!) هذا جميل، لكن لا يقدم أي فائدة. أنا كنت أبحث عما تشعر به المرأة في حالة صفاء مع نفسها وكيف تعبر عنه. هذه الأسطوانة بنيت أغانيها على هذا المونولوج الذي تشعر به وتقوله هذا السيدة، سواء كان بالفراقيات في أغنية (طلت البارودة)، أو بالـ (سفر برلك) ووداع الرجال عند سفرهم إلى الحرب، أو في التهاليل: عندما الأم تغني للطفل وقت النوم، حيث تكون في حالة صفاء مع نفسها، والطفل لن يفهم ما تقول. لكن هي تكون في حالة وجدانية رائقة للنجوى مع النفس وتقول ما تشعر به، فترينها تخاطب أهلها البعيدين عنها وتطلب منهم زيارتها تقول: ‘ياهالغريبة طلوا عاغريبتكن/ وإن تعبت الخيل شدوا لي عزيمتكن/ أو كانت تخاطب زوجها أو حبيبها وتتغزل فيه وتعبر له عن مشاعرها الحميمة، هذه هي الأغاني التي بحثت عنها في الأسطوانة، وفي النهاية كل فنان يبحث ما يحركه’.* ذكرت موضوع تركيا، وحكم السلطنة امتد 400 سنة، لكن السؤال لماذا لم يتأثر الفن والموسيقى العربية بالفن التركي رغم هذه المدة الطويلة؟* ‘هذا موضوع يحتاج إلى دراسة عميقة للإجابة عليه، لكن ممكن أن أجتهد معك وأحلل، فعلا السيطرة العثمانية استمرت مدة طويلة، لكن الأتراك لم يأتوا بعائلاتهم ويسكنوا عندنا واختلطوا بالمجتمع وأتوا بموسيقاهم، عادة يحدث هذا التغيير في حال كان هناك استيطان، عندما يأتون بعائلاتهم ومجتمعهم ويبنون حالة اجتماعية. أعتقد هذا لم يحصل، على الأقل في فلسطين، ولو أنه ليس عندي دراسة في هذا الموضوع، ويمكن أن يكون هناك تأثير على موسيقانا، ولكن نحن غير واعين لهذا التأثير لأن كل تفاعل لا بد أن يترك تأثيراته، وسأقدم مثالا على ذلك التأثير في الموسيقى الفلسطينية. في الغربيات، وهن الراقصات المصريات ولو أنهن من الطبقات المسحوقة، اللواتي قدمن وكن يأتين إلى فلسطين لإحياء الأعراس عند العائلات المقتدرة، فهؤلاء تركن أثرا في الموسيقى الفلسطينية. مثلاً، هناك أغنية تغنيها النساء في شمال فلسطين تقول: لسكن مصر لو كان معايا مالي/ لسكن مصر لو كان معايا مال/ وهي موجودة بالسي دي تقول: لو معايا مال لكنت سكنت تونس/ وكنت سكنت طنطا وبالعونطة/ هعيش مثل سلطانة بالعونطة/. وهي تحكي عن الفنطزة، عن الحلم. هذه الأغنية جاءت من مصر، وأغاني التجلاي، مثلا: قومي اطلعي على الصالون/ شوفي حبيبك شو مالو/. هذه أغاني جاءتنا من مصر عن طريق الراقصات الغازيات، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من موروثنا. حتى الآن نتجلى على الأغاني بلهجة مصرية. هذا يدل على اندماج وتأثير. الغازيات تركن بصمة نسميها نحن أغاني الجنكيات في فلسطين، وأيضا في بلاد الشام. هذا التفاعل الجميل، المهم أن نعرف من أين أصله جاء ونعيده إلى أصوله، هذا بناء على سؤالك عن تأثير الفن التركي.* مشروع سناء الفني؟* ‘أنا لا أحب أن أقول مشروع هي حالة، أنا بحالة إشراق، لأن الأسطوانة أو العمل هو من نتاج حالة يكون الفنان فيها، أنا موجودة بحالة، واقعة تحت سحر التراث الفلسطيني خاصة والعربي بشكل عام. أهيم بالتراث، حاليا أقوم بالبحث عن أغان من النقب، من الجنوب الفلسطيني، هذا الشيء أعمل عليه وفيه ألحان وكلمات جميلة جدا، كما أني أحضر لعرض كلاسيكي لي هو عرض المنولوج، هي موسيقى من مصر بالثلاثينات أو الأربعينات فقط’.* نحن في الوطن العربي والمنطقة كلها نشهد ثورة شباب، وأنت كشابة كيف هي نظرتك؟ هل هي فعلا مطالبة بالديمقراطية أو نتيجة ظروف سياسية وتدخلات خارجية حتى اختلطت الأمور؟ طبعا سؤالي لك ليس لأنك سياسية، لكن من وجهة نظر شابة؟ * ‘في الأساس توجد أكثر من ثورة في العالم العربي، لا يمكن أن نضع كل الثورات في نفس الإطار، نحكي عن كل الأنظمة بنفس الشكل، كل بلد له وضع يختلف عن الاخر، لكن أنا جدا فخورة بروح الشباب العالية التي تريد أن تغير وبشكل حضاري، تغير بشكل مدروس، لكن أتساءل: ماذا سيكون بعد؟ ليس فقط أن نطالب بالتغيير، السؤال ماذا سيأتي فعلا بعد ذلك؟ أنا لا أستطيع قراءة ما يحدث في كل مكان، لكن أتأسف على كل قطرة دم تذرف في الوطن العربي، في تونس وفي مصر كانت الأمور واضحة بالنسبة لي، فعلا كنت أعتز بروح الشباب وقلبي معهم، لكن الآن وفي الثورات الأخرى ليبيا وسورية واليمن والبحرين، أصبحت غير فاهمة ما يحدث’.* أنت من فلسطين، هل ترين أنه يمكن للمجتمع الإسرائيلي أن يتأثر بما يحدث في المنطقة؟ وشبابها يطالبون حكامها بأشياء يمكن أن يحتاجوا لها؟ * ‘أنا أعيش في الأراضي الفلسطينية وهذه قراءتي وقد أخطئ أو أصيب، أنا أجتهد الآن، لكن كما أحس وأشعر من الشارع الإسرائيلي، أقول: لا، ولا أظن أنه ستكون تحركات جماهيرية فعلية، بالعكس.. الصهيونية مفهومها العام يتم تدريسها ويتم تشريبها بالقوة داخل نفوذ الإسرائيليين. مثلاً، أنا لم أسمع عن رفض التجنيد الإجباري الإسرائيلي في الداخل، لم أسمع عن حركات فعلية، هناك قلة وحتى جزء بسيط منه لا يأتي بشكل إيديولوجي بعدم إيمانه بالاحتلال، إنما يأتي من مصلحة شخصية، طبعا أنا لا أنفي أن هناك من يرفض الخدمة العسكرية داخل إسرائيل، لكنهم قلة نادرة جدا. للأسف هؤلاء أغلبهم يسقط في الامتحانات الحقيقية عندما يكون في وضع ضغط، هؤلاء كلهم يذهبون إلى الاحتياط. وما نراه اليوم هو حصاد 50 إلى 60 سنة من العمل الدؤوب للمفكرين والمربين الاسرائيليين والسياسيين الإسرائيليين الذين قاموا بتعبئة للأطفال، أنا أعلم عن وجود كتب في داخل العمق الإسرائيلي تقول: لقد كانت دولة إسرائيل في سنة 36، وفي تلك الفترة لم تكن قائمة دولة إسرائيل ولا وجود لها، نحن نحصد ما تمت تعبئته خلال ستين سنة وأكثر، لذلك لا أعتقد أي تغيير، لأن كل شيء يتم التحضير له’.* هل ترين أن المصالحة التي تمت بين فتح وحماس جاءت من تأثير الثورات العربية؟* ‘أنا من قراءتي البسيطة للوضع، أعتقد أنه ليست هناك علاقة لما يحصل في الشارع العربي لهذا الاتفاق لأن المحاولات لإبرام الاتفاق قديمة وكان هناك عدة محاولات، لكن أنا كشابة فلسطينية سعيدة بهذا الاتفاق، وأقول الجسم الواحد قد يجرح فتبتعد الأنسجة عن بعضها البعض، لكن لا محالة سيكون بعدها التئام، أعتقد أنها البداية ومنها سننطلق. في فلسطين قضية واحدة، إننا جميعا يمكن أن نفكر بنفس الطريقة أو نؤمن بنفس الأفكار، لكن علينا التعاطي مع بعضنا البعض، يجب أن نبذل جهدا كبيرا للتعاطي وفهم بعضنا’.* كيف تجدين دور الإعلام العربي لما يحصل في المنطقة؟ وكذلك عرضه ومساندته للفن؟ * ‘هذا سؤال مهم. الإعلام يمكن أن نقسمه إلى عدة أقسام، منه المرئي والمسموع والمقروء، هنالك سياسات مدروسة وفكر موضوع للإعلام، يظهر هذا الفكر في تغطية الموسيقى التجارية التي نراها ونستمع إليها، هذه خطة مدروسة وصناعة لذوق آخر في المجتمعات العربية. وفي رأيي أن هذا الشيء خطير، هناك صحف تعالج قضايا نوعية، لكن تفتقر لناقدين فنيين، يعني أن تغطي عملا فنيا كما هو الحال في الدول الأوروبية. يجب أن يكون الناقد موسيقيا يفهم ويسمع الموسيقى، وعنده فكرة لتغطية العمل الفني. الإعلام عندنا يفتقد إلى الاختصاص. لكن الدول العربية كلها تركز على القضايا السياسية، ولو أن في بعض الأحيان الفنان يخدم وهو جزء من اللعبة السياسية. الفضائيات، للأسف أشعر بأن هنالك أجندة ومشروعا لترويض ومسح عقل الإنسان العربي وجعله مستهلكا فقط، كما نستهلك الملابس والعطور وكل شيء من الأشياء التي لا تمس أي قضية تخصنا أو تهمنا، بل ما يأتينا من الآخر. نستهلك استعراضا ضحلا، أنا لا أوليه أي اهتمام، وأفضل أن أحافظ على نقاء أذني وعيني وذائقتي الفنية الجمالية وكل الأشياء الجميلة والأصيلة في الحياة. أنا ما زلت أعيش في عالم جدتي، ما زلت أعيش هناك في فلسطين والعراق قبل الاحتلال، أنا هناك وأنا من هناك، من فلسطين’. وفي ختام اللقاء وجهت الفنانة سناء موسى تحية للسيد رئيس التحرير تقول فيها: أستاذ عبد الباري بحب أقلك أول إشي: إلك سلام من كل حدا في فلسطين بالداخل: بالــ 48 والـ 67، وبكل محل من أرض فلسطين. وأقلك: الفنان ما بيحركه إلا إشي حقيقي، بحب أقلك أن بكل مرة بسمع صوتك أو بشوفك على التلفزيون، أنا وكل أهلي منحس أنه ضميرنا عما يحكي، فأطلقنا عليك اسم ضمير الأمة العربية، لأنه للأسف الأمة فعلا نايمة، ما في حدا صاحي فيها غيرك وغير هالشباب اللي هزوا الجو وصحونا. تحياتنا لك ونتمنى أن نتواصل معك على لندن أو أينما كنت موجود، نجيك على لندن لأنه شرف كبير لكل فلسطيني أنه يلتقي بإنسان زيك. سناء موسى من فلسطين.