مع انه من جيل سبعينيات القرن المنصرم الذي عد من جيل المصيدة المفروضة رغما عن كل شيء لوقوعه ضحية طيعة تحت وطأة الحروب والمآسي والحصارات والاختناق حد الرمق الأخير، لكنه اأضا ممن تشبث بحبل الإبداع الذي صقلته التجارب وأضحى امتدادا راسخا لجيل وقامات هائلة من المبدعين التشكيليين العراقيين الذين تركوا إرثا عظيما وأسسوا لمدارس كبيرة نفخر بها اليوم.
عاش المبدع عامر بدر ذات التجربة وترعرع في أتون صعابها واغترابها محاربا ويلات القهر والحرمان في غربة وطن وعذابات وطن. في غربة حلت في ساحته مبكرا وانعكست فنا ومحاكاة ليس من الصعب استكشافها على طريقة ما ندعيه بالشفافية المفرطة بذائقة فنية جميلة جدا أو بالسهل الممتنع في لوحات تشكيلية تحاكينا بجميع جزئياتها ونشعر بصدقها وقربها من قلوبنا.
باختصار
عامر بدر المغترب في هولندا والحاصل على شهادة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة في العراق، يملك إرثا من المشاركات والمعارض زاخرا بالتجارب وغزيرا بالمنفعة من بغداد وعمان ودمشق وإلى امستردام ولندن وغيرها، سواء بالمشاركة أو الانفراد، ويقينا ان للحديث عنها ستلزمنا مساحات شاسعة، ولعلنا سنختصرها بمنجز إبداعي ربما سيكون معينا لسبر غوار شخصيته وانعكاساتها بصورة حيوية سيتحدث عنها معرضه الأخير والأصح ان أقول إنها دراما عراقية شيقة بعنوان «حكايات جنوبية».
المعرض هو الشخصي الرابع المقام في فضاء كاليري بولخي «Pulchri» في مدينة دنهاخ الهولندية من 3 نيسان/ابريل ولغاية 28 منه، ويضم أكثر من 16 عملا بأحجام مختلفة. وللغوص معه عميقا في منجزه، آثرت أن أدعه يجيب عن أسئلتي واستمع إلى طروحات كنت متشوقا لسماعها منه.
○ ترى هل فرضت الألوان وجودها قسريا على لوحات بدر؟
• الألوان التي استخدمتها في مجموعة أعمال المعرض هي الألوان الزيتية، لأنها الأقرب لي والأكثر اقترابا ووضوحا في مناجاة الآخر. الحق أحب كثافتها وقوامها وما تعكسه في اللوحات من ملمس، وهي أيضا من تراكمات ذاكرة طفولتي، حيث كنت استمتع بمشاهدة خالي الفنان قاسم ولي عندما كان يرسم، وأنا أتابع بشغف ومتعة صيرورة أعماله، وهو أيضا كان الداعم والمحفز الأساسي في تطوير موهبتي عندما كنت طفلا في السابعة من عمري من خلال متابعته وتشجيعه لي بالاستمرار في الرسم وملاحظاته في كيفية استخدام الألوان ومزجها وأيضا من خلال دراستي في معهد الفنون الجميلة وأكاديمية الفنون إذ كان لهما الدور الأساسي في تطوير مهاراتي الفنية من خلال تدريس معظم المواد وخاصة مادة الكرافيك على يد الفنانة هناء مال الله، وتأثيرها الواضح على جميع الطلاب، حيث قدمنا مشروع تخرج كبيرا بما يحمله من تجريب فني ساهم في تطويرنا فنيا وبقي راسخا في ذاكرتنا وأمتد أثره حتى أعمالنا اللاحقة.

الفنان التشكيلي العراقي عامر بدر
○ تهجير دلالات وقصة تعكس تأثرك فهل هو من موروثاتك؟
• نعم موروثات اللوحة حكاية متسلسلة من جنوب العراق الذي يختصر الألم والبساطة حداثتها في الثنايا ومزج اللون كما ترى من زوايا مظلمة إلى أخرى أكثر إشراقا وامتدادا. ولا يقتصر التهجير على مدن جنوب العراق ومناطق الأهوار فقط، وإنما طال الكثير من المدن في العراق حيث تعرض ساكنوها إلى أبشع حالات التهجير القسري من مدنهم في زمن النظام السابق وحتى الوقت الحالي نتيجة حروب ونزاعات طائفية وهي بمثابة جريمة بحق الإنسانية وبحق الفرد العراقي .
قدمت الأجيال العراقية المتعاقبة والمبدعة رؤيا فنية ساحرة غاية في الجمال، من خلال الأعمال التشكيلية المتنوعة في الرسم، امتداد بين حضارات قديمة وفي الفن الإسلامي وفي العمارة الإسلامية والقباب المدهشة والريازة الفاخرة والاهتمام بالخط الذي أصبحت المدرسة العراقية علامة فارقة فيه.
• نعم كل هذه المؤثرات ستراها هنا بقدر الامكان وكلما وصلت إلى مرحلة تطلعت إلى المزيد. وستجد الأهوار والنخيل والريف الجنوبي، الهجرة والطفولة لها انعكاسات موغلة في القدم والحداثة أيضا ولها رابط وثيق يشدني إلى العمل معها لإيصالها فنا محسوسا إلى العالم وهذا هو الغرض الرئيسي.
لا أدعي التواصل ولكن الايصال، إلى الامتداد مع الأجيال الفنية العراقية بأصالة إبداعها وتجدده منذ المبدع جواد سليم، وفائق حسن، وحافظ الدروبي، ونوري الراوي، ورافع الناصري، وعلاء بشير والمبدع شاكر حسن آل سعيد الذي اعتمد التنظير في فنه ملحقا بفضاء التصوف ومنتجا البعد الثالث، أعدها مدرسة وتأثير بالنسبة لي شخصيا، فأنا من بلد ولد هؤلاء وتتلمذت على يد تلك الإبداعات ولابد لي من إخراجها بصورة أو بأخرى .
فهذا العمل تحت عنوان «التهجير» جسدته في عائلة مهاجرة إلى المدينة أو البحث عن مكان أكثر أمانا بسبب التجفيف وشح المياه في الأهوار، جعل أغلب سكانها يبحثون عن أماكن أكثر أمانا لتكملة حياتهم. لقد تمتع سكان الأهوار بمزيج اجتماعي جميل وتعايش سلمي بين طوائفهم المختلفة قل نظيرة ما بين المجتمعات الأخرى، مجتمع مليء بقصص الحب والشعر والعاطفة والأساطير، فقد استخدمت الألوان الزيتية في هذا العمل أيضاً وأثرت ذكرى وناقوس حنين عبرت عنه المشاحيف متروكة ومحطمة ولكنها تنتظر عودة المحبوب المهاجر.
وكما تلاحظ فإن أغلب الأعمال في المعرض تشير إلى المشحوف لانه يعتبر وسيل نقل أساسية بين الأصالة والاغتراب.
لوحة «الأهوار» أثارت حماس جميع من تابعها لرقة وعذوبة أحد حيوانات المنطقة التراثية القديمة هل تشاركني الرأي؟
• يقينا انك تشير إلى الجواميس وهي تسرح في المياه وهي الحياة الطبيعية قبل تجفيف الأهوار، وأيضا رسمت بالألوان الزيتية ويعتبر أيضا عملا تعبيريا في الإشارة إلى الحضارة والقدم وروعة المزج بين الموجودات في منطقة الأهوار التي لها آلفت بين القلوب وجغرافية المكان.
إشارات عابرة
إشارات عابرة استشرفها هنا وهناك هي ان الفنان عامر بدر قد عقد اتفاقا مع أفكاره أو توزيعه لألوان نتاجه، ولكن هناك إشارات يجب ان نمسح الغبار عنها لكي تبان للعيان وتقدم خير دليل، في تقابلات المجتمع بضمنهم المشتغلين وكذلك المتلقين في هذا الجانب، هذه التقابلات أراها من مسؤولية الرسام نفسه ولا علاقة للمتلقي إلا في عوامل الاستقبال وعملية فرز أفكار جديدة، حتى في خصوصياته وهو يشير بلوحة رائعة إلى الأم والجدة الجنوبية الحنونة «فاطمة».
عن هذا العمل «فاطمة» يقول الفنان إنها ذاكرتي. فهذه المرأة العجوز الوقورة هي مزيج من ذاكرتي هي جدتي فاطمة، عندما كانت تأتي من العمارة إلى بغداد بزيها الجنوبي والعصابة التي على رأسها وكنت استمتع بالحديث معها. كلمات نواقيس تؤطرها الحكمة والصبر مع الحنان والرقة وكرم الطلعة، والحديث عن مأساتهم عندما كانوا مطاردين وهاربين من بيوتهم وحيث لا سلام في حياتهم، فقد كان لها تأثير نفسي وعاطفي على مخيلتي منذ الطفولة.
لم تتوقف ريشة الفنان عند حدود الأهوار، وانما ذهبت إلى أبعد من ذلك لكي تطلع الجمهور الهولندي على ديانة لبسها البياض الناصع امتزج مع نهري دجلة والفرات. لوحة أراها زينة المعرض وهي بحجم كبير تتلمس من خلالها صلة أبناء الديانة الصابئية سكنة الجنوب العراقي، بالماء والحياة وأزلية السلام.
يقول الفنان عامر بدر في تعريفه فكرة لوحة الصابئة «أنقل رسالة إلى العالم أجمع والمتنفذين تحديدا بان العراق مهد الحضارات والأديان هو ليس قطعة كعكة كما يصورها الإعلام الغربي، انه وطن موغل في الحضارة ولا يمكن تقسيمه إلى دويلات، وان فكرة التعايش السلمي بين الأديان قائمة بأساس متين يجسدها الجميع ومنهم الصابئة في جنوب العراق كأحد أركان الحضارة الكبيرة التي نفخر بها وبرموزها من علماء وشعراء وفلاسفة وغيرهم، وان الاستهداف المنظم لهم هو حملة باطلة لإفراغ العراق من دعاماته المهمة ولبنات البناء فيه. ان المعرض يتحدث عن حضارة العراق التي احتضنت كل الأديان السماوية منذ القدم ولحد الآن».
تناولت في لوحة الصابئة المندائية، طقوسهم الدينية التي يمارسونها عند التقاء نهري دجلة والفرات في البصرة ومعتقداتهم بطهر الماء لغسيل النفوس والقلوب وأخذت كل تفاصيل الطقوس .فالعراق حضارة سلام وحب مثل نصاعة بياض ثيابهم .
تجليات
تمضي تطلعات أعمال الفنان في بعض مستوياتها التفصيلية – قدما في بطون التأريخ، لتحفر عميقا وتجترح مسارات تأويل قصدي يثير لوازم الشد والدهشة، حد التمرد والوثوب على ما توارثناه من منظومة تطبعت في عقل الفنان صورة مشرقة لابد ان تتبلور، وفق اعتبار من يرغب في التجريد معبرا وفي أن يكون فضاء حرا ومفتوحا بإتجاه تعميد مقاصد الشكل، وهذا ما تجسد في اتخاذ دلالات حية من الواقع كانت فنا رائعا جسده المندائيون بألوانهم البيضاء كنقاء السرائر والقلوب لتنعكس على لوحاته بقوة وتحيلنا إلى جزء محبوب من التراث المعبر أحسن عامر توظيفه.
وجسد مسالك وعي الفنان واغترابه الممزوج بالخبرة الفنية وحنين الذات، ليكون واحدا ممن يتملكهم هاجس الفن والتراث وانعكاساته على البيئة والتكوين العراقي الأصيل، كنواة لأمل المستقبل، لحركة تشكيلية ناشئة في الدولة التي تغرب فيها، ليكون صاحب أسلوب واضح المعالم والتجسيد. فقد كانت أعماله مزيجا من المدارس الفنية المختلفة تتآلف في العمل الفني الواحد، إلا أنها كانت البداية، وارتقت إلى مستوى من النضج الفني، دل على شخصية فنية رائعة، أبدعت بمميزات اللون من ناحية الشكل، وأخذت أعماله في التكامل الموضوعي والتكويني. وبدأ أسلوبه يأخذ بعدا واقعيا ذا حس لوني، وآخر رمزي، وكانه يرسم قصصاً مشوقة فكانت قوة الألوان المتناغمة أحيانا والمتضادة أحيانا أخرى تظهر بوضوح في هذه المرحلة، ويمكننا أن نحكم على هذه الأعمال من خلال المعارض الكثيرة المشتركة التي أسهم فيها بجهد كبير على جميع المستويات.