الفنان التشكيلي المغربي مصطفى بندحمان ما أقسى أن تصارع عزلة العالم!

حجم الخط
1

إبراهيم الحجري على طول الطريق الوطنية الرقم واحد، قد تلمح عيناك صدفة علامة الترحيب بمدينة الزمامرة. ولما تصل إلى هذه الأمكنة فأنت لن تنتظر من أحد أن يقدم لك التمر والحليب على عادة الأجداد. لكنك لو توقفت قريبا من هنا، وبالضبط قرب محطة التاكسيات، ستجد هناك فنانا متواضعا يقبع في حياء داخل دكانه يقدم إليك القهوة الممزوجة بالتوابل والحليب مصحوبة بابتسامة نادرة، حيث من هذه الشرفة يطل على عالمه الساحر. وعلى الرغم من الإحباطات التي تعرض لها في الوسط الفني العكر، فهو يواصل مشواره الرائع بعيدا عن الجلبة والضوضاء. يمارس فن النجارة باقتدار مثلما يمارس في هامش حياته فنونا أخرى مثل الرسم والكاريكاتور والتشخيص والخط والصباغة وكتابة الشعر. وهو في كل هذا لا يطمح إلى أية شهرة أو غرض مادي، بقدر ما يطمح إلى إشباع رغبات دفينة تسكنه مثل الهاجس.

اللوحة عنده عالم من السحر تختلط فيها الألوان والأحداث والخطوط والرؤى الغائمة. يميل إلى خلط الوصفات بين الواقعي والمتخيل حتى يسهل عليه إقحام المشاهد في هذا العالم البهي الذي يستعيره من زبدة الحياة، ومن الذاكرة والوهم والحلم الجمعيين. ومصطفى بندحمان فنان لم يتخرج من جامعة ولا معهد، ولم يكتسب الفن من معلمين، بل تعلم هذا الفن بحدسه الأصيل، بخبرته بالواقع، بتعامله طيلة عقود مع الألوان، بحسه المرهف الذي سرعان ما يتأثر بالوقائع والأحداث، وسرعان ما يصدر رد فعل قوياً تجاه الأشياء. من هذا التعامل السخي المفرط إنسانية يستمد مصطفى قوة اقتحامه لعالم اللوحة الذي بقدر ما يغوص في بنية الرؤى والأشياء، فهو أيضا يعكس تعاملا رفيعا مع الأدوات الفنية ومع الذوق الراقي، ليقدم في الأخير للمتأمل لوحة فنية مدهشة لا تنأى عن المتلقي، بل تقترب من وجدانه ما قبل طبيعي، وتعود به إلى فترة الطفولة حيث عشق التراب والألوان والخطوط والعناصر البيئية الطبيعية الخلابة.

لقد نشأ بندحمان في وسط طبيعي بدوي جميل حيث الغابة والماء والنهر، وحيث الأشياء تلبس طهرها وتنعم بالصفاء الذي لم تلوثه المدنية المزيفة. ولهذا العامل دوره الكبير في خلق شعرية اللوحة عنده: إذ أن الطبيعة وسحرها يمتلكان نصيبا كبيرا من خصوبة اللوحة. وهذا لا يعني أن مصطفى ينسخ الطبيعة، بل يوظفها توظيفا فنيا مرموزا يحيل على عوالم شتى. والطبيعة تمتلك في هذا الإطار إيحائيتها الكبرى، فهي خزان كبير من الوسائل التي يمكن للفنان التشكيلي أن يستعيرها لأداء ما يريد التعبير عنه من قيم وأفكار.

مصطفى أيضا شاعر رومانسي، يعشق الجمال ويتغنى بسحره وأثره عليه. ويتمرأى للقارئ شاعرا عاشقا سلبته محبوبة ملائكية عقله واختفت إلى الأبد فبات يلاحقها بأشعاره الولهى شاكيا مولولا صبا متيما كأنه جميل عصره. يكتب ما يكتب برقة متناهية، ويحرص على تشذيبه ليل نهار. وأكثر من ذلك يسعى إلى كتابة القصيدة اللوحة التي تصاحبها لوحة تشكيلية معينة، ونكون بالتالي قراءة معينة للمرسوم شعرا. وما أجمل أن يزاوج الإنسان الواحد بين فنين ليصبح كائنا متعددا. وفضلا عن ذلك يجتهد مصطفى لتطوير خبرته في مجالات الفنون الجميلة برمتها. فهو مدمن على الاستماع لموسيقى موزار وبيتهوفن والكلاسيكيات عموما. كما أنه مولع بتأمل لوحات رامبرانت وفان غوغ وبيكاسو وغيرهم. إنه يتذوق هذه الأشياء بعمق ليطور تجربته الذاتية بشكل عصامي، وليعمق نظرته إلى الوجود، ويشحذ رؤاه بمزيد من الخبرات الفنية التي تكون قمينة بتغيير التجربة؛ وخلق منعطفات ومسارات جديدة. التقينا مصطفى في جلسة حميمة وزرنا معرضه الشخصي وكان الحوار التالي:* من هو مصطفى بندحمان الفنان في نظر مصطفى بندحمان الإنسان؟ وما طبيعة العلاقة التي تجمعهما؟* مصطفى بندحمان هو ذلك الإنسان المتواضع في إنسانيته، عادي في طبائعه، متعفف في تصرفاته، لكن عندما تعكس أمامي تلك المرآة التي أرى من خلالها ذاتي ينقلب كلامي إلى حديث روحي بعيدا عن تلك التكاليف الاعتيادية التي تدع الكلام سخيفا وسطحيا؛ كأنك تمرر راحتيك على تمثال رخامي تستهويك نعومته وتجذبك لطافة انحناءاته، لكنه جامد صامت.* المعروف أنك لم تأت إلى عالم التشكيل خريجا من معهد أو مدرسة أو جامعة بل جئت من الهامش، من صميم الحياة. وتكونت بشكل عصامي. فهلا حدثتنا عن سيرتك الفنية؟* ما أجمل السؤال حينما يكون قادرا على دفعك نحو الصدق خاصة لما يتحدث الفنان عن حياته الفنية. حقيقة أني لم آت إلى عالم التشكيل خريجا من معاهد أو مدارس ولو حصل هذا لكان شيئا آخر… ولكن دعني أقول لك إن الممارسة الفنية تعتمد على الموهبة، مع ضرورة صقلها بالتجارب، لأن هناك فنانين عصاميين اعترف لهم التاريخ بالأعمال الخالدة، وأكدوا حضورهم القوي في المحافل الدولية بكونهم فنانين مرموقين لهم قيمتهم الفنية والتاريخية بل لهم منجزات في اتجاهات تشكيلية وفنية اعتمدتها مدارس؛ واحتضنتها متاحف عالمية بوصفها موروثا ثقافيا عالميا رمزيا يوثق لحقبة ثقافية من تاريخ الإنسانية. وهذا واضح من خلال الأعمال التي لها مكانة في أعماق التاريخ الفني. فمن ناحيتي أرى تجربتي الفنية لا تبتعد عن هذا الطموح. خاصة وأنها تنبثق من دراسة وتأمل عناصر الحياة: حيث الديناميكية البشرية، والعطاء الوافر، والعمل الدؤوب. أعتبر الطبيعة منهلي الخاص أستمد منه قدرتي على تحسين الأداء، وأضيف لها من صميم رؤاي ما تراكم لدي عبر سنوات من ممارسة التجربة الفنية: تصورات، أحاسيس اتجاه الحياة اليومية المشحونة بالتجارب الخاصة التي هي بمثابة الحافز لكل العطاءات الإبداعية. فلا يمكن أن أقول أكثر من ذلك لأن العمل الفني شاهد على صاحبه سواء كان عصاميا أو أكاديميا. الكل يحتاج إلى المثابرة والتجارب العديدة من أجل الوصول إلى المستوى المؤهل إلى التعبير عن الذات من خلال عمل فني له ميزته الخاصة داخل تجربة الفنان التشكيلية.* عالم اللوحة حقا عالم غريب يدخله كل فنان بطريقته الخاصة. أتساءل ما هي طقوس مصطفى بندحمان في الدخول إلى محراب العالم الغريب للقماش؟* إذا كان عالم الفن غريبا فإن الفنان أغرب في طريقة تعامله مع الطقوس التي يمارسها داخل مرسمه. لا يمكن لأي فنان أن يضع أمامه إطارا أبيض وألوانا وأقلاما دون أن تكون هناك رغبة مشحونة ولحظة اندفاعية وهاجس توحد جميع الأفكار تجاه هدف واحد مرفق بإدراك ما سيقوم به الفنان على سطح اللوحة. قد تكون فقط وسيلة لما تمليه عليك دوافع لا شعورية مع رفض أي شكل تلقائي غير معترف به. إذا لم يخرج مع تلك الأفكار المستنبطة من دوافع لا شعورية.

فلا يمكن لي العمل داخل هذا الفضاء وأنا على شكل خط مستقيم صامت لا حركة فيه بل أشتغل عندما يكون مزاجي منفعلا يستجيب لكل حركات جسدي وأراقب أحاسيس ذاتي وخفقات قلبي. وهذا ينسجم تماما مع حركة يدي عبر الألوان والفرشاة مع التركيز الشديد على ما أقوم به من عمل قبل أن تهدأ تلك الشحنة. وهناك أشياء أخرى مزاجية لا يتسع الوقت إلى ذكرها.* أنت فنان تشكيلي مميز وتبدع لوحاتك انبثاقا من كل الرؤى وكل التوجهات الفنية: الطبيعية، الواقعية، التكعيبية، السريالية، التجريدية… لكن أين تجد ذاتك أكثر؟* لا بد لأي فنان من المرور عبر جميع هذه المدارس. وهذا تفرضه طبيعة التجربة. غير أني أجد ضالتي أكثر في الاتجاه السريالي لأنه يفتح المجال للتصور الفكري أكثر، ويفرض عنصر القوة والتمكن داخل فضاء اللوحة. وهذا ينطبق على نفسية الفنان أثناء تعامله مع عالم اللحظة الإبداعي. أما من الناحية الجمالية للوحة وتوظيف الألوان وفق حس بصري كما تفرضه الطبيعة الحية، فإني أميل إلى الانطباعية، وأستمتع بموسيقى الألوان وتناغم البقع اللونية مع بعضها بعضاً. وأختار المواضيع الفسيحة كمجال تتكامل فيه عناصر التكوين الفني من ضوء وظلال وألوان ورؤى وأشكال… تكون متوازية على خط الأفق مما يعطي للوحة توازنها الذي تتطلبه طبيعة العمل الفني.* في لحظة ما من مسارك كنت تهتم بالبورتريه والكاريكاتير، ثم ابتعدت عنهما. ما السبب الذي اضطرك إلى ذلك؟ وهل هي أسباب فنية أم التزامات أخرى بعيدة عن الفن؟* طبعا كنت أهتم بالبورتريه أكثر من الكاريكاتير. واشتغلت على البورتريه مدة طويلة لأنه كان مصدر الدخل الذي كنت أشتري به جميع المواد التي أحتاجها. فكنت معروفا بالبورتريه، تأتيني الطلبات من المعجبين، ومن عند الفوتوغرافيين. أنجزت الكثير من تلك الأعمال بأقلام الرصاص والألوان المائية. أما الكاريكاتير فقد كنت معجبا به واشتغلت على إنجازه بالحبر الصيني. لكن عندما شعرت أنه سيقودني إلى مسار آخر تخليت عنه… حتى لا أكون رمحا داخل قوس قد أصيب هدفا لا شأن لي به.* أنت أيضا شاعر رقيق ورومانسي. ولك قصائد تطفح بالمعاني وتتدفق بالصور البلاغية المؤثرة. من يسبق لديك: الشعر أم الرسم؟ ومتى استيقظت عندك فكرة المزاوجة بين الفنين؟ وهل تجد بينهما تقاربا معينا؟* إن الفنان لا يعيش من دون مشاعر لأنه إنسان ينتمي إلى هذا المسار. ومن مؤهلاته أن يعمل بمشاعره وقلبه وعقله حتى تكتمل تلك العلاقة الفكرية بين هذه العناصر وتصب في حوض واحد ‘الإبداع’ سواء كان رسما أو شعرا أو غير ذلك من الفنون.

أما علاقتي بالشعر فلم تأت قبل الرسم. لكنْ، هناك إحساس داخلي على أن الصورة الشعرية هي الأنسب والأقرب إلى اللوحة التشكيلية لهذا أجد نفسي داخل هذا الانسياب المرهف.

عند ما يعجز صمت الفرشاة وتنصب الاختلاسات اللونية، هنا لا يمكن أن أقف حاجزا أمام تدفق المشاعر في تدفقها عبر تلك المشاعر. قد تكون أصدق تعبيرا أحيانا. إذا فقد جئت إلى الرسم أولا، ثم أتاني الشعر ثانيا، وأنا أتبنى هذين التوأمين بكل حب وإخلاص.* أصبح العصر عصر صورة بامتياز خاصة مع سيطرة عالم الانترنيت. فهل تأثر فن التشكيل إيجابا أم سلبا؟ وكيف يمكن للرسام أن يستفيد من هذا الوضع التكنولوجي الهام؟* إذا نظرت إلى هذا السؤال من الجانب الفني فإن السيطرة الواضحة للتكنولوجيا المعاصرة لها تأثير على حياتنا اليومية إضافة إلى الإعلاميات والبصريات. أرى أهم من هذا وأخطر منه من منظور فني محض. لقد غيرت جمال المدن بصفة عامة، وأصبحت المدن عبارة عن بنايات شامخة لا جمال فيها بالمقارنة مع المدن العتيقة أي ما قبل العمارة العصرية. تغيرت ملامح المعمار في شكلها ومضمونها، وغاب عنها ذلك الجمال الذي كان يجر فضول الفنان. وكلنا نتذكر جمال البيت العربي الذي كان يزينه القرميد وأشكال السطوح والأبواب المقوسة والجسور الصغيرة. كان المعمار العربي له ميزة خاصة في أشكاله الهندسية. وكان المعمار يطبع عمله على تلك النظرة الجمالية للبناء. ولهذا إن كان هناك تأثير على الفن التشكيلي فأنا أرى أنه يجب أن ينصب على هذه الجوانب الجمالية للمظهر العام للحياة المعاصرة.* تهتم في لوحاتك بموضوعات التراث، الحلم، التشظي، والجمال في الوقت الذي تطفح في قصائدك نبرة رومانسية تتغنى بالحب والمرأة. لماذا هذه المفارقة؟* هناك دوافع تفرض نفسها على الفنان كي يتعامل مع أي موضوع يتعلق بالعمل الفني. فكان اهتمامي بموضوع التراث. لذا اشتغلت به كثيرا. فتحول اهتمامي إلى اتجاه آخر ألا وهو السوريالية التي وظفت فيها المرأة كأداة للتعبير عن آراء عالقة، بمثابة دائرة الضوء أوجّهها صوب تلك الزوايا القاتمة من الحياة، الشيء الذي جعل ذلك التشظي يقتحم أجزاء من لوحتي، وهذا شيء طبيعي. إذا أراد الفنان الإخلاص في عمله عليه أن يكون صادقا مع نفسه ليكون حاضرا ذلك الانفعال الشخصي اللاشعوري؛ مما يعطي للعمل الفني شيئا من التعبير الذاتي الذي قد يكون بحسب الظروف التي يعيشها الفنان داخل زمانه وعصره.

أما قصائدي الشعرية فهي ليست بعيدة عن التصور التشكيلي، وحضور الحب فيها هو حب ذلك الحرمان من الحب، وليس ذلك الحب الذي ينتهي إلى الوصال مثل حب المرأة مثلا. أما حضور المرأة فهو ليس كجسد يستجيب لجسد، ولكنها روح عاشقة بعيدة، ومجرد وسيط دلالي للتعبير عن رغبات أخرى أبعد من الجانب الوصالي المادي. إني أرى من خلال التعبير الشعري ما وراء السطور، وأنظر إلى حيث تختلج رؤى أعمق من الجانب السطحي البارز للملفوظ.* المتلقي العربي عموما ليست له ثقافة بصرية، لأن اللوحة تحتاج إلى مفاتيح خاصة لولوج مغاليقها… نحن للأسف كمتتبعين لا نملك هذه المفاتيح؛ الشيء الذي يجعل الفارق بين عالم اللوحة وعالم القارئ بعيدا جدا. ما الذي يمكن أن يقوم به الفنان التشكيلي لتقريب عالمه من عموم الجمهور؟* أولا، العمل الفني عمل موجه إلى المتلقين بوصفه عملا له رسالة وأهداف. ومضمونه يعالج قضايا المجتمع كيفما كانت اتجاهاته والوسائل التي ينجز بها. فهو عمل إبداعي موجه في الأخير إلى المتلقي.

ثانيا، على الفنان أن يفكر في طرح إشكالية المواضيع تبعا للأوضاع الثقافية والأحداث والظروف العامة التي تحيط به في المجتمع دون أن يكون ناسخا لها، حيث لا يمكن العمل بمعزل عن هذه المفاهيم والعناصر… وبالتالي نقترح العمل الفني على المتلقي الذي لن يجد صعوبة في اقتحام العمل لأنه قريب من همه اليومي. فلا بد من تسهيل العبور إلى اللوحة من خلال تعاقد إشعاري بين الفنان ومتلقيه تكون بمثابة مراقي السلم الذي عبره يصعد إلى عالم اللوحة دون أن نتركه في الأسفل ونتعالى عليه في برجنا العاجي، حيث يكون العمل آنذاك غامضاً وصامتاً لا حياة فيه؛ ثم نتحجج بقولنا إن الوعي البصري في العالم العربي منعدم. على العكس هناك ذوق بصري رفيع تملكه عين المتلقي العربي لكنه يختفي للأسف تحت جبة العنصر السياسي والاقتصادي الذي يوجه القراءة. علينا أن نمنح القارئ شرفة من خلال العمل نفسه لكي يطل على العالم الفني للوحة وهو مغمور بالنشوة العارمة وحب الاستكشاف. مما يحفزه على القول أكثر مما يجهر به الفنان نفسه، ويتواصل مع العمل بشكل يبهر صاحبه. وبذلك نكون قد وقفنا بين العمل الفني والوعي البصري لدى المتلقي. وقد عشت شخصيا تجربة في معرض في الرباط سنة 1991م حينما حاولت إدماج اتجاهين في معرض واحد: السريالي والانطباعي. فكانت النتيجة أن الجمهور كذلك انقسم إلى فئتين: فئة لها رؤية فلسفية تحبذ العمل الإبداعي ذا الأبعاد الفكرية والرمزية. وفئة أخرى رحبت بالعمل ذي الصبغة الشمولية والبسيطة في تعامل معانيه مع تلك المسحة اللونية والجمالية.

هكذا يجب علينا أن نوفر للمتلقي ذلك الأفق الفكري الذي يراعي ثقافته وتكوينه البصري وقدراته الذهنية ومتراكماته الفنية. وبالتالي نخول له أن يكون شريكا في بناء عالم اللوحة. وهذا لن يتحقق دون توحد جهود الفنانين العرب قصد توسيع الرؤية وتخصيب الرؤى وتأسيس إطارات تحتضن العمل الفني دراسة ونقدا ومتابعة.* هل يمكن للنقد التشكيلي مع قلته أن يقدم شيئا ما للفن التشكيلي وللفنان من أجل أن يطور أدواته وأساليبه؟* ممكن للنقد أن يقدم للفن التشكيلي خدمات جليلة تتمثل في التقويم الإيجابي. هذا إن كان النقد بناء أما إن حصل العكس قد يتحول النقد إلى تلك ‘النعرة’ التي تلسع الحصان في لحظة هدوء فتجعله يثور في وجه العالم أجمعه. وعموما فإن التجربة النقدية الفنية في العالم العربي ما تزال فتية ودون المستوى المطلوب.* نوه الفنان المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي في أحد المهرجانات الكبرى بلوحتك الرائعة التي أثثت جدارية المنصة الرئيسية. فانبهر شاهدا لك بالعبقرية. ما الأثر الذي خلفته هذه الشهادة في نفسك من فنان كبير؟* أعرف الفنان عبد الوهاب الدكالي جيدا. إنه مطرب أطرب الجميع. وهو بالمناسبة رسام ولديه أعمال جيدة. وله اهتمام كبير بالفن التشكيلي. أما التنويه الذي جاء على لسانه فلم يكن محض صدفة. ولكنه كان من إنسان فنان متذوق له دراية بالعمل الفني. وهذه الشهادة التي قالها أمام الألوف من البشر تشكل في حد ذاتها تواضعا واعترافا من فنان كبير بالمجهود الفني. وأنا أعتز بهذه الشهادة.* ما الفضاء الذي يناسب فضاء ما من أجل ارتفاع وتيرة عطائه: فضاء المدينة أم البادية؟ ولماذا؟* لا بد للفنان من أن يتأقلم مع أي فضاء. غير أن الفضاء المفضل لديّ هو فضاء البادية. وهذا تفرضه ظروف العمل. أما المدينة التي أصبحت كتلة من الإسمنت الصماء التي يسودها نوع من الضجيج الشامل، وحكمت عليها التغيرات التي عرفها منطق العصر؛ فينطبق عليها ما يجري للكتاب مع هيمنة الصورة وتطور الإعلاميات. أنا أرتاح أكثر في البادية، وأشعر بسعادة غامرة حينما أرسم لوحة أو أقرأ كتابا. هنا في البادية الفضاء المفتوح على الجمال والطبيعة تتفجر قيم الجمال في الذات لتنهمر الأحاسيس مثل شلال متدفق سرعان ما يتحول إلى كتلة شعورية تحفز على العمل الفني والإبداعي. هنا يروق لي أن أختلي بلوحاتي بعيدا عن الضجيج والبريق المزيف.* أصبحت أغلب الفنون بما فيها التشكيل تميل إلى التجريد والغموض نتيجة مؤثرات نفسية وعاطفية وسوسيوثقافية. كيف تقيم ـ بوصفك فنانا وشاعرا – هذا الوضع؟* يقال: جرد الشيء أي عراه وخلع عنه حلته وكشفه من كل القواعد والأعراف، وبالتالي فقدَ هيئته وصفته وجماله. وأعني هنا أن التجريد جاء متنكرا لكل الأسس والمقاييس المعتمدة والقواعد التي عرفتها اتجاهات ما بعد الكولونيالية. ووجهة نظري الخاصة حول هذا الاتجاه واضحة وهي أنني لا أرتاح له، لأن العمل الفني لا بد أن يكون ناجما عن مجهود فكري وتأملي، وعن مخاض عسير. وليس هو مجرد لطخات لونية ذات إيقاعات تلقائية على القماش. ويبقى الغموض هو سيد الموقف لأن الفنان نفسه لا يعرف ما يريد من ذلك العمل. إن ما يهم هو مجهود الفنان وأطروحاته الفكرية داخل التكوين التشكيلي للوحة. ولكي يكون العمل الفني ذا مصداقية ولا يفقد جماله وهويته ومضمون رسالته لا بد أن يراعي شروط إنجازه وتلقيه وعلائقه مع العوالم المحيطة.* ما علاقتك باللوحة؟* علاقتي باللوحة علاقة حميمة داخل الحياة مزدوجة يسودها الحب الحقيقي الذي لم أجد له بديلا منذ أن نشأت على هذه السجية.

ولو سألوني عن الجانب المشرق من حياتي لقلت هذا الجانب التي تضيؤه اللوحة. ولا شيء يضاهي هذا الإحساس المخمور. إنها عملية التكافؤ بين الذات والعمل الإبداعي.

فلا يمكن أن أتصور حياة فنان دون تلك العلاقة التي تربطه مع عالمه الذي يعيشه داخل اللوحة. إنها حياة إضافية مزاجية تتصارع فيها انفعالات جياشة تجاه العطاء الصادق الذي يتبناه الفنان وتكون له مكانة في حياته العادية كعمل فني يجب الاعتراف به لكونه ينتمي إلى هذا المجتمع، وانبثقت منه ولا يمكن الانفصال عنه لأن الفنان ابن بيئته. وأنا أعترف أن العمل الفني معادل رمزي إيجابي في حياة الفنان لأنه يجمع بين العقل والقلب والروح. ودون هذا الالتحام لا يمكن أن تكون هناك علاقة ما بين الفنان واللوحة.- ناقد وروائي من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية