الفنان التشكيلي حلمي الناجح: علامة التحدي.. بوصفها أثر الفن والبقاء

حجم الخط
0

محمد المحسنيبدأ النحت لدى ـ حلمي الناجح -*من لحظة منفلتة من عقال الزمن.. بل من لحظة إلهام بصري ليفارقها ولا ينتهي إليها. ذلك لأنّ هذا النحّات لا يلتفت إلى الوراء، لأنّه يدرك أنّ ما علق بروحه من الطبيعة يكفي يده غذاء تلتهمه في الأوقات العصية. ومن هنا، فهو يترك منحوتاته لعنادها، مجزأة، غير قابلة للوصال وكأنها ما خلقت إلا لتعاني وحدتها، ولتقاوم شظفها، متماهية مع زهد نحاتها.

أليس هذا هو قدرها: أن تمشي مع مبتكرها إلى الحافة، هناك حيث تحين لحظة انفصالهما، النحّات عن منحوتاته، المنحوتات عن ناحتها. ولأنّ هذا النحّات لا ينظر إلى النحت من جهة أسلوبية إلا بما يخبئه خيال يده من مفاجآت سلوكية فإنّ الأسلوب بالنسبة إليه لا يحل أية مشكلة وجودية من مشكلاته. ومن اليسر على نحّات على شاكلته أن يفلت من الأسلوب، ف(حلمي) لا يباشر النحت بإستبداد من يعرف، بل يباشره بإستغاثة غريق لم يعد الفشل يخيفه.

هناك نوع من التشبث الكامن تحت قشرة هذا الترف، تشبث بما هو قابل للزوال من الفكرة، فكرة الجمال التي ترعى استفهاميا صورته ـ حلمي – يروحن الجمال من خلال دفع الأشكال إلى مواجهة أبعادها الروحية المستترة.

إنه يواجهها بالنسيان ليمتحن الجزء الذي لم يتعرّض للثم منها.

خطيئته التي ترافقه أينما مضى.

متعته أن يرى. لكن ما الذي يراه هذا النحّات المفرط في انغماسه المتعوي؟

يروحن الطبيعة.

حلمي وهو يسعى إلى ارتجال الجزء اللاصق به منها، ذلك الجزء الفالت من هيمنتها، السابح في فضاء حريته كما لو أنه يستعيد هيأته منفردا، ليستعرض انسجامه الكوني، نفوره وهو نسيج ذاته مما يجعله محط اهتمامنا البصري.

كائنا لم يصنعه انجذابه الجمالي إلى المحيط.

بقدر ما هو يدور في فلك ذاته. استقلالية الجزء هذه تسمح ـ لحلمي – بإطلاق العنان لخيال يده وهي تشيّد الكون.

فهو يقتبس من الطبيعة ولا يطيعها تصويريا.

إنّه يستلّ من نسيجها الخيط الذي يظنه عصبها ليباشر به تشييد طبيعة مقابلة، وهي طبيعة نائمة.

طبيعة تنسج عناصرها من مادة مضادة.

مادة هي الأشد عصيانا للألفة. ومع ذلك فإنّ – حلمي – يجذبها ببراءته العفوية لكي تشاركه تأليف نسيجه الإيقاعي. غير أنّ السر في هذا الرضا يكمن في التماهي الروحي بين النحّات ومفردته. تلك المفردة التي لا يعوق شكلها حريتها في التشكّل من جديد دائما.

في بيته المرتّب بشكل أنيق، محترفه الضيق يقطع ـ حلمي – صلته بالعالم الخارجي. وهو على أية حال لا يغادر بيته إلا قليلا، للتسوّق أو لرؤية صديق نادر، أو لشراء مواد وأدوات للنحت. هناك نوع من الإنضباط في حياته، انضباط لا يخلو من رغبة تأملية في الإختلاء بالذات، والتمتّع بترف يهبط من الجدران المزدحمة بالرسوم.

هناك حيث يقيم عالمه الذي يستأنف سعته مع كل نظرة. عزلته هذه هي المكان الأمثل الذي يساعده على استدراج كل الجنات المفقودة: الوطن، الطفولة، الأصدقاء، الطمأنينة، المسرات، العائلة، رفاق درب النضال (ناشط في صلب الحزب الديمقراطي التقدمي). هذا المبدع وجد في النحت القوّة التي تملي عليه معنى افتراضيا لكل فتنة عصية على الحضور المباشر.

معنى يهب صمته الطويل والموحش ألفة ملغزة، ألفة تعيده طفلا مسحورا بلعبته.

لقد عثر في عزلته على الخيط الذي يقود خطاه في طريق لذّة لا تنتهي، كما لو أنّ نشوته تصنع نسيجها من مادة ذاتها. إنها لا تستعير حطبها من أي مكان ممتنع عليها.

مهما كانت فتنته البصرية ساحرة.

كائن قفز في لحظة زخرفة من الإيقاع المنسجم ليصنع إيقاعه الشخصي بأجزاء مقطعة باضطراب.

ـ حلمي – النحّات المعتكف على ذاته. هناك وجعه ينتظم في الموسيقى.

يده التي تشتغل في اللحن. قسوة تتسرّب إليه بخفّة ليل.

الماضي يأسره، الذكريات تتلبسه.

يتوئم ذاته من غير أن يقلق المحيط فهو لا يسعى إلى الإستيلاء عليه.

يجترّ سيرته الداخلية، سيرة أعضائه التي لا ترى، لا تلمس، لا تطارد سوى قدرتها على أن تظل موجودة في حدسها. أسطورته تمشي به.

هي وطنه الصامت الوحيد الذي يمتدّ به من غير أن يجعله يدفع الثمن.

أسطورة ما نساه ليجده ماثلا أمامه وما محاه ليعثر عليه مكتوبا في دفاتره التي هي في آخر أطوارها دفاتر للشعراء.

هؤلاء أشباحه القادمون من العتمة.. إنّ – حلمي الناجح – نحّاتا – هو إبن الطبيعة الضال، ذلك الإبن الذي يباشر إنتماءه من لحظة فراقه المعرفي. هناك تلذّذ تقشفي، تلذّذ تمليه لحظة اقتباس استثنائية، هي ذاتها لحظة اللقاء بالطبيعة.

هذا النحّات – العصامي-يقتبس من الطبيعة لحظة دنوها من الجمال. ولا يعنيه في شيء أن يأسرها في لحظة غنج. إنّه يقبض على خلاصاتها، ما لا يظهر منها، ما لا تدعيه علنا، بلاغتها وهي تمضي إلى فنائها. الطبيعة حاضرة لديه بما تدل عليه، بما تومئ إليه، لا بما يظهر منها.

إنها بالنسبة لحلمي أشبه بمعجم ينتقل بين مفرداته بحرية.

الطبيعة عدوته، لكنه يجسدها في لحظة منفلتة من عقال الزمن في شكل إمرأة، تلك المرأة التي تنافسه على اقتباس الجمال في لحظة عري.

أسلوبه في العمل يكشف عن طريقته في النظر إلى مصادره البصرية.

ذلك أنّ هذا الأسلوب يهدف إلى تفكيك المشهد وتجزئته ومن ثم إعادة بنائه وفق مشهدية متخيلة.

فعملية البناء/النحت لا تبدأ من لحظة بياض بل من ركام من الصدمات البصرية ف(حلمي) لا يرى المشهد إلا مقطع الأوصال، وهو ما لا يراه المشاهد. الأمر أقرب إلى المسافة التي تفصل بين النظر إلى الغابة من داخلها وبين النظر إليها من الخارج.

فالنحّات الذي يقيم داخل المشهد لا يراه كليا ومكتملا إلا بعيني خياله، في حين لا يبذل المشاهد أي جهد يذكر ليتأكّد من كلية ما يراه واكتماله. ومثلما يرى النحّات يفعل. أي أنّ سلوكه أثناء النحت قائم على طريقته في التلقي البصري للأشياء. ولقد اتخذ هذا السلوك طابع اللعب الطفولي مع تزايد الخبرة التقنية.

إنّ حلمي وهو ينحت أشبه بطفل يسعى إلى تركيب مشهد من ركام من الأوراق المقطّعة عشوائيا.

متعة النحت تكمن أحيانا في ما يرافقه من مكائد يخترعها طفل غير مرئي يقيم في أعماقنا بضحكاته العابثة ليفترس عن طريقها هلعه بنبرة ساخرة.

هوذا – حلمي الناجح-كما عرفته نحّاتا ينحت دربه الإبداعي على الصخر بالأظافر.. وإني أسمعه في هدأة الليل يقول: ‘ليس المهم أن أنحت كلما استفزني النحت، ولا أن أجدّد في شكل ما، إنما المهم أن أكون إنسانا حرّا حينما أنحت وأنحت، وحينئذ سأستحضر في لحظة واحدة دهورا بأكملها، وسيكون شاهدا على إبداعي المتواضع – عمل فني ـ صغته – بحبر الرّوح.. ودم القصيدة..’. هو ذا حلمي الذي أعرفه مسكون بتداخل الأزمنة. ومثلما يشعر بالتيه في أوّل لحظة يغادر فيها بيته الذي يأويه بحميمية مشتهاة، فإنّ زمانه مطلق السراح هو الآخر..( عضو بإتحاد الكتاب التونسيين)[email protected] r: Email*حلمي الناجح فنّان تشكيلي من الجنوب التونسي وتحديدا من قرية تلالت من ولاية تطاوين.

لم ينل حظه من مقاربات النقاد بالشكل الذي يليق بمشهده الإبداعي، كما لم تعره وسائل الإعلام التونسية اهتماما مشجعا.

لذا، نراه ينحت دربه المتميّز على الصخر بالأظافر دون أن يكترث بمضايقات -أعداء الفن لإبداعاته الخلاّقة-ولا بتجاهل السلطات الجهوية لأعماله الفنية الواعدة.

ولطالما إكتفى بالقول:’ الباذنجات المليئة بالبذور.. لا تكترث بالصقيع’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية