يخرج الفنان التشكيلي محمد نوح ياسين من أزقة العذاب والقهر داخل مخيم البرج الشمالي قرب مدينة صور اللبنانية، يحمل ما تيسر له من أدوات، يرسم بخيط ومسمار، وريشة ملونة عذابات اللاجئ الفلسطيني في لبنان ولوحات تؤكد الإرادة والتمسك بالحقوق.
أرسل لوحاته وإبداعاته إلى واشنطن ولندن وعواصم أخرى، ومدن لبنانية عدة ليؤكد أن اللاجئ الفلسطيني إنسان مبدع ويعشق الحياة.
«القدس العربي» التقت الفنان محمد نوح ياسين وأجرت معه هذا الحوار:
○ كيف كانت بداية مشوارك مع الفن التشكيلي والرسم بالخيط والمسمار؟
• بدأت مشواري مع الفن التشكيلي والفنون الأخرى منذ صغري برسومات كرتونية ميكي ماوس، وتوم وجيري، وغيرهم من الشخصيات الكرتونية، وبعد سنتين، أتقنت رسم الكرتون بشكل دقيق جدا جعلني أفكر جديا بتنمية هذه الموهبة للتقدم والتطور في مجال الرسم. وفي سنة 1995 تعرفت على الرسم بالمسمار والخيط، هذا النوع من الفنون لم يكن موجودا منذ خمسة عشر عاما، كان هناك فن فوتوغرافي تركي وهو عبارة عن مسمار أو دبابيس وأسلاك نحاس وكان الأتراك يعملون من خلالها على تخطيط آيات قرآنية بأسلاك نحاسية.
وخلال اهتمامي بالرسم بالخيط والمسمار، بدأت بالتفكير كيف يمكن لي استخدام الألوان المختلفة في هذا النوع من الرسم، فاتبعت طريقة استخدام الخيط الملون وتحديدا خيط الصوف، وهذا ما شجعني ودفعني إلى العمل على لوحة «المرساة» التي تعرض حاليا في أحد المعارض في لندن، بالإضافة إلى 15 لوحة أخرى .
و»المرساة» من أهم اللوحات التي رسمتها، رغم أن عمرها الآن 25 عاما إلا أنها ما زالت تحظى باهتمام وسعادتي بها كبيرة لأنني استطعت أن أوصلها إلى المكان الصحيح.
توقفت فترة من الزمن عن الرسم بالمسمار والخيط وتوجهت إلى رسم جداريات ضخمة في المدارس والشوارع والأزقة والأحياء داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وكذلك شاركت في مشاريع مهمة، من خلال رسومات في مدارس «الاونروا».
○ متى كانت بدايتك الفعلية؟
• بدايتي الفعلية كانت من خلال رسومات جدارية في إحد مشافي «الأونروا» وقد عملت مع سيدة استرالية، عملت على تشجيعي وقدمت لي الدعم والمساعدة، ورسمت بتشجيع وتعاون منها العديد من الجداريات خاصة عن حقوق الطفل، وأيضا رسمنا 7 رسومات في عيادة «الأونروا» في مخيم البرج الشمالي قرب مدينة صور اللبنانية، عندها قررت أن أهتم بموهبتي وأعمل على تطويرها خاصة مع حبي الكبير لهذا النوع من الفنون والرسم.
اللفتة الثانية والتي كانت مهمة لي حين عملت على مشروع رسم على جدران مكتب مدير مخيم البرج الشمالي، وهذا ما جعل أهل المخيم يعجبون بالرسومات وألوانها المميزة والزاهية والمفرحة والتي تريح النفس، في ظل حياة تعتبر حزينة ومأساوية في المخيم كباقي المخيمات الفلسطينية التي تعاني البؤس على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية.
ورسمت جداريات ضخمة داخل المخيمات الفلسطينية.
2017 عدت إلى الرسم بالمسمار والخيط بعد توقف فترة طويلة، كنت قد شاركت خلالها في العديد من المعارض ورسم جداريات وأشغال يدوية وحفر ونحت جفصين.
○ ما هي المعارض التي شاركت فيها باللوحات التي رسمت بالخيط والمسمار وغيرها؟
• الحقيقة شاركت في عدة معارض ومن أوائلها كان معرض رسومات يعود ريعها لأطفال أيتام وثم شاركت معرض في «ست الحبايب» بمناسبة عيد الأم في مدينة صور، ثم في ثانوية الجعفرية /صور، ثم نظمت معرضا خاصا بلوحاتي بالتزامن مع انتفاضة الأقصى، وقد ضم المعرض لوحات تتحدث عن القضية الفلسطينية وعذابات اللاجئ والتراث والخريطة الفلسطينية، بالإضافة إلى آيات قرآنية رسمت بالمسمار والخيط.
اتصلت بي سيدة فلسطينية تعيش في الولايات المتحدة وأخبرتني عن شخص يعمل على دراسات عليا في الجامعة الأمريكية، وأبلغتني أعجابه بلوحاتي وأرسلت له لوحة «القدس لنا» التي عرضت في حرم الجامعة الأمريكية في إحدى الولايات الأمريكية وكتب أحد الصحافيين العرب في صحيفة «فلسطينيون» في الولايات المتحدة مقالا عن أعمالي الفنية وعن لوحة «القدس لنا» وحاليا اللوحة موجودة في العاصمة البريطانية ضمن معرض في لندن.
○ ما هي الرسالة التي تريد ايصالها من خلال رسوماتك؟
• أردت أن أبدل الصورة النمطية التي انطبعت في أذهان البعض من الرأي العام عن واقع المخيمات الفلسطينية واللاجئين الفلسطينيين، ولصق التهم بالتخلف والهمجية والجهل وعدم الوعي، إلى الاضاءة على الكم الكبير من أصحاب الكفاءات على الصعيد العلمي والفني والمتعلمين من المبدعين والفنانين وأهل الفكر وحملة الشهادات العالية والأكاديميين من استاتذة وأطباء ومحامين وممرضين والمثقفين والموهوبين في كافة المجالات من أبناء الشعب الفلسطيني المحروم من الدعم الصحيح واعطائهم الفرصة المناسبة لإثبات وجودهم.
كذلك حاولت من خلال فني الإضاءة على صورة اللاجئ الفلسطيني المثقف المناضل المكافح والطموح والذي يعطي الكثير من الأفكار الجميلة والإبداعات حين تسمح له الظروف ولا تحبطه الصعوبات، فكانت أعمالي تتحدث عن أبناء المخيمات ومن ضمنهم أهل الفن والعلم والثقافة والإبداع، ورغم حالة البؤس التي تعيشها هذه المخيمات إلا أن العقول النيرة موجودة والإرادة القوية حاضرة.
○ ما عدد اللوحات التي رسمتها وما هي العقبات التي تواجهها في عملك؟
• عندي اليوم ما يقارب 16000 لوحة، وهدفي أن تصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس وليس هدفي جمع المال رغم المجهود الذي أبذله لإتمام لوحاتي، وما يواجهني اليوم من صعوبات هو عدم توفر المواد التي استعملها بالإضافة إلى الارتفاع الجنوني بالأسعار، مسامير، ألواح خشب وخيطان.
○ ما هي الأعمال والمعارض التي تستعد للقيام بها؟
• أحضر حاليا لمعرض مميز «نفق الحرية» الذي سيكون مختلفا عن باقي المعارض. بداية العرض ستكون عبارة عن فقرة تمثيلية صغيرة يتحدث فيها الراوي عن قصة الأبطال الستة الذين استطاعوا الهروب من أقسى السجون حراسة وأثبتوا للعالم أن الفلسطيني بطل وصاحب إرادة ومدرسة في المقاومة والصبر، كما أن هروبهم كان عبارة عن معجزة قاموا من خلالها بتعرية الاحتلال وأثبتوا للعالم أنهم أصحاب القضية والأرض، عاشوا فيها وتنفسوا هوائها. عشرة شهور تم خلالها حفر نفق الحرية بواسطة ملعقة، حتى دود الأرض ساعدهم وحفر معهم وظلام النفق تبدد إلى نور، وأشرقت شمس الحرية وشعروا بنشوة الانتصار وكسروا قيود السجان ووضعوا هذا العدو الغاصب في أصعب امتحان، عندها يتم دخول اللوحات، التي تجسد مرحلة حفر النفق وخروج الأبطال منه مترافقة مع رسومات لشخصيات الأبطال الستة، على وقع أغنية «موطني» بطريقة فنية مميزة.
○ هل من كلمة إلى قطاع الشباب الفلسطيني في لبنان؟
• أوجه كلمة للشباب الفلسطيني في الشتات وخاصة داخل مخيمات البؤس والحرمان في لبنان، أحثهم على عدم الاستسلام للإحباط رغم عدم توفر فرص العمل في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر به البلد. الشعب الفلسطيني معروف بالصبر والقدرة على التحمل والذكاء ولديه طموح كبير، وعلى الشباب العمل على مواهبهم وتطويرها وإتقان أي عمل مهما كان نوعه، لنثبت للعالم أن الفلسطيني إنسان طموح مثقف لديه قدرات إبداعية كبيرة رغم الظروف الصعبة التي يعيشها، وبذلك نستطيع تغيير نظرة العالم للشعب الفلسطيني.