منذ أكثر من أربعة عقود، ما زال الفنان التونسي الملتزم محمد بحر يجذف عكس التيار، ومتشبثا بحلمه، سالكا طريق الاختلاف والالتزام في الفن والموسيقى. ومعبرا بأغانيه وقصائده وعوده وألحانه وشاربه الستاليني عن أفكاره المتحررة، المنفلتة من كل عقال ومبادئه القيمية المدافعة عن الظلم والحرية والكرامة والمساواة وحقوق الإنسان أينما وجد، لذلك يؤكد دائما على أن الأغنية والموسيقى، التي لا تدفع للتفكير لا يعول عليها.
ولد الفنان محمد بحر في 1 تشرين الأول/اكتوبر سنة 1957 في قصور الساف التونسية. وآثر بعد التضييقات الكبيرة التي تعرض لها زمن بورقيبة وبن علي، أن يقيم في المنفى في فرنسا منذ ثمانينيات القرن الماضي. هو مؤلف موسيقي وكاتب أغان وفنان وناشط جمعياتي. غنى للشيخ أمام ولأحمد فؤاد نجم وآدم فتحي ومحمود درويش ومظفر النواب وبلقاسم اليعقوبي وسميح القاسم وأولاد أحمد. وغنى للزيتون ولماسح الأحذية ولأحداث الخبز والمهمشين، وللثورة والعروبة وفلسطين وللحمام وللرياح العاصفة، وللبحر الهادر والرذاذ الليلكي، وترجم كل هذه المعاني والقيم والقصائد في عشرات الألبومات. والكثير من الحفلات والعروض والمهرجانات العربية والدولية التي شارك فيها. في هذا اللقاء الخاص بـ”القدس العربي” فتح لنا صاحب رائعة “ماسح الأحذية” قلبه وصندوق ذكرياته، وتاريخ نضالاته، ليحدثنا عن تجربته الموسيقية الثرية التي مازالت تغني ضد الديكتاتورية والظلم والاستعباد، وتتغنى بحقوق الإنسان.
*منذ أكثر من أربعة عقود اخترت أن تسلك طريق الأغنية الملتزمة، ومذاك وأنت متوحد مع حلمك، ومتشبث بهذا الدرب الصعب، ألم تتعب من مصارعة الأمواج والتجذيف عكس التيار، رغم كل العراقيل والإكراهات والتغيرات والتحولات والتطورات على المستوى العربي والدولي؟
** تدقيقا بدأت تجربة الالتزام سنة 1979 مع مجموعة أمازيغيين، وبدأنا الغناء في الفضاءات الجامعية وبعض المهرجانات، التي غامرت وتجرأت ببمرجتنا. وقد كنت حينها طالبا في كلية 9 أبريل في تونس العاصمة. ودامت هذه التجربة سنتين تقريبا. وفي صيف 79 قدمنا بعض العروض في باريس. وفي سنة 1980 سافرت إلى باريس لدراسة المسرح. وحقيقة منذ البداية كنت مقتنعا أن المشوار لن يكون سهلا، ومع ذلك لم أفكر يوما في التراجع عن مشروعي الفني، وعن حلمي الذي يناضل من أجل الحرية والكرامة والمساواة وحقوق الإنسان. أعتقد أن الفن والموسيقى ليسا عملية اعتباطية، بل إن لهما هدف ورسالة واضحة. الموسيقى التي لا تدفعنا إلى التفكير لا يعول عليها، ويجب على الفنان أن يكون شاهدا على عصره ويملك موقفا ورؤية واضحين، والتزاما بالأهداف العميقة للفن، لذلك غنيت لأحداث الخبز في 26 كانون الثاني/يناير 1978 وللقضية الفلسطينية وضد العنصرية في جنوب أفريقيا، حين وقعت حملة المطالبة بإطلاق سراح نيلسون مانديلا. مثلما تغنيت بحب الوطن والقضايا العربية والإنسانية العادلة. يجب على الفنان الحق أن يتوحد بشعبه ويدافع عن القضايا الإنسانية العادلة، والأهداف الكبرى للفن. وأعتقد أن قيمة أي تجربة، خاصة تجربتي الملتزمة هي في عمقها الفكري ومحاولة تحريك السواكن وتوعية الناس وبث روح الحرية فيهم. لأن الظلم والاستغلال والاستعباد ما زال موجودا، وكل ما ثرنا من أجله لم يتغير، لذلك نحن على الدرب نسير ومتشبثين بالحلم.
*أنت من جيل ومرحلة كل ما فيها يسبّح باسم الأيديولوجيا، والشعارات الوطنية والعروبية الكبرى، فهل توافق الرأي القائل أن الأيديولوجيا تقتل الفن والإبداع لأنها تسقط في الشعارات الكبرى والمباشراتية، وتبتعد عن التخييل والرمزية؟
** حقيقة أنا لم أكن يوما متحزبا، رغم انتمائي لجيل الشعارات الذي دافع عن القضايا القومية، إلا أنني اخترت أن أقول وأدافع عن هذه القضايا الكبرى من خلال لغة الفن التخييلية الإبداعية غير المباشرة. وحتى إن كانت بعض القصائد والأغاني فيها بعد تحريضي وتوعوي. وفي النهاية ليس هناك إبداع من دون أيديولوجيا ولا حياة من دون أيديولوجيا لأن الأيديولوجيا هي الفكرة ونحن لا نستطيع أن نعيش من دون فكرة. والمهم هو كيف تستطيع أن تطوع هذه الأيديولوجيا والأفكار لمسارك الفني حتى تعبر عنك وعن قناعاتك.
*هل تعتقد أن جيل السناب شات واليوتيوب والأنستغرام والوسائط التكنولوجية المتطورة الحديثة، سيلتفت اليوم إلى فنان لا يملك سوى عوده وقصائده وشاربه الستاليني وكلماته وشعاراته العتيقة ومبادئه الثورية؟ وهل سيهتم هذا الجيل ببقية تجارب الأغنية الملتزمة التي تسبح في تيارها؟
**رغم كل ما يقال عن جيل التكنولوجيا وهذا الجيل، فإن الكثير من الشباب اليوم يستمع إلى أغنياتي ويهتم بموسيقاي. ورغم كل التوجيهات والاستقطابات ومحاولات التدجين، التي يتعرض لها جيل الشباب اليوم، إلا أن هناك دائما بعض الجماهير الواعية والشباب الفاهم لما يقع حوله، وهو يهتم ويلاحق التجارب الفنية الملتزمة والعميقة، لأنها تعبرعن أفكاره في النهاية. وبالنسبة لشاربي فقد ورثته عن أبي البحار ولم أرثه عن ستالين. الموسيقى الملتزمة في اعتقادي متطورة وواسعة وتعبر عن حالات الوعي والفكر البشري المتطور، ويجب أن لا نختصرها في بعض الكلمات والقصائد الثورية.
*كيف يعرف الفنان محمد بحر الأغنية الملتزمة؟ وكيف يعيشها ويتمثلها؟
** أؤكد دائما على أن مفهوم الالتزام مفهوم رحب، وهو الطموح لحياة أفضل، وتصور لعالم مختلف عن الموجود، عالم أكثر عدلا وكرامة وحرية وخيرا. والفنان الملتزم يحاول دائما أن يغير محيطه ويزرع البسمة والوعي في الإنسان على إطلاقيته. الفنان الملتزم دوره حساس جدا ودقيق خاصة في أيامنا هذه.
* أغلب مواضيع الأغنية الملتزمة وأغانيك تدور حول مواضيع النضال والمقاومة والحرية والثورة، اليوم بعد أن حدثت الثورة، هل من وظيفة وأحقية حضور لمثل هذه الأغاني والمواضيع، والموجة التي ازدهرت في فترة سابقة؟
** كان من المفروض أن الثورة ستزيد لهيب وشعلة هذه الأغاني الملتزمة وهذه الموسيقى الملتزمة، ولكن للأسف الشديد صار العكس، لأن الطفرة السياسية والإعلامية الجميلة التي أحدثتها الثورة، استغلت في الجانب السلبي فقط، وأعطيت الفرصة للسياسيين لاحتلال المنابر التلفزيونية الإعلامية، بينما غيب تماما حضور المبدع والفنان والمثقف من هذه المنابر. وبالتالي الأغنية الملتزمة لم تستفد شيئا من هذه الثورة، بل إننا عدنا إلى الأغاني والوجوه الفنية والثقافية نفسها المكرسة في الماضي. ورغم العمل الكبير والاجتهادات التي تقوم بها الفرق الملتزمة والفنانون الملتزمون فإنهم لا يأخذون حقهم من التغطية الإعلامية، ولا التعريف بإنتاجاتهم وإبداعاتهم وهذا حيف كبير.
*دافعت عن حقوق الإنسان وغنيت للقضايا العادلة، خاصة القضية الفلسطينية من خلال قصائد محمود درويش وسميح القاسم ومظفر النواب، فأي أهمية ورمزية تكتسيها القضية الفلسطينية في تجربتك الموسيقية؟ وما هو رأيك في ما وصلت إليه اليوم هذه القضية في ظل موجة التطبيع الأخيرة؟
**من دون شك القضية الفلسطينية قضية مست كل العالم وكل الأحرار، ولذلك كل القوى الاستعمارية والصهيونية العالمية، سواء في من يحكم مباشرة في الداخل، أو من يساعد الكيان الصهيوني أوروبيا وعالميا وعربيا من المطبعين، كل هذا دفعني إلى الوعي مبكرا بهذه القضية الإنسانية العادلة، وقد قدمت اسطوانة كاملة خصصتها للقضية الفلسطينية سنة 1983 سميتها “أغان للزيتون” وكانت كلها من كلمات محمود درويش وسميح القاسم ومظفر النواب. أعتقد أن موجة التطبيع هذه من المضحكات المبكيات في زمننا هذا. وهي دليل على الوضعية الكارثية التي وصل إليها العرب اليوم، وبذلك بقي الفلسطيني وحده عاريا من كل شيء. وأعتقد أن القضية الفلسطينية قضية عادلة وسوف تنتصر طال الزمن أم قصر، لأن القضايا العادلة تحمل في داخلها مقومات النصر.
*هناك من يقول اليوم إن موجة فن الراب هو التعبير الحديث للأغنية الملتزمة، باعتباره يعبر عن العاطلين والمهمشين والفقراء والأحياء الفقيرة والطبقات المحرومة المسحوقة وعن الثورة أيضا، وهو يستمد لغته البذيئة أحيانا والصادمة من لغة هذه الطبقات، فما رأيك في هذا القول؟ وفي هذه الموجة الفنية التي تلقى صدى واسعا عند الشباب؟
**صحيح أن فن الراب بدأ في الأحياء الشعبية الأمريكية، ومنه انطلق إلى كل المعمورة، حيث تبناه أبناء الأحياء الشعبية، ولكنه أبعد ما يكون عن الأغنية الملتزمة. صحيح هناك أحيانا بعض نقاط الالتقاء مثل، المواضيع التي يطرحها وتطرحها الأغنية الملتزمة، ولكن يبقى الطرح يختلف، فأغاني الراب هي أقرب في طرحها للشعبوية، لأن تستعمل كلمات بسيطة وساذجة وليس فيها أي عمق أو خيال أو صورة أو فكر أو إبداع جديد. لغتها مستهلكة يومية من الشارع، عكس الأغنية الملتزمة تبحث عن التجديد والإضافة والعمق والتوعوية. ولكنني لست ضد هذا الشكل من أشكال التعبير الفني لو ارتقى.
*هل توافق الرأي القائل إن نجاح الثورة السياسية التي قامت في تونس وبعض الدول العربية، رهين بقيام ثورة ثقافية مبنية على مشروع ثقافي حقيقي؟
**هذا هو السؤال المركزي والجوهري في الثورة، لأنه لا ثورة من دون مشروع ثقافي حقيقي وعميق. لأن الثقافة هي التي ستخلق الإنسان الجديد. لذلك لم تخلق الثورة التونسية إلى الآن أصواتها الإبداعية والثقافية، وتقوم بعملية التحرر الحقيقية. ولن يكون هناك مستقبل للثورة التونسية من دون ثورة ثقافية واضحة. من خلال تكريس مساواة حقيقية بين الرجل والمرأة وتكريس مبدأ العدل في تقسيم الثروة وتكريس حقوق الإنسان والعيش في حرية وكرامة حتى نخلق الإنسان التونسي المتوازن.
*في رأيك هل انتهى زمن المثقف العضوي بالمفهوم الغرامشي، وأصبحنا نعيش زمن المثقف “العظمي” الذي يرضى بعظمة صغيرة من السلطة في شكل منصب صغير مقابل صمته ومهادنته؟ المثقف والسلطة أي علاقة اليوم في الواقع التونسي خاصة والعربي عامة مع عودة السلطة الدينية المتكلسة، وسيطرة الطبقة السياسية على المشهد؟ ولماذا بقيت هذه العلاقة في تجاذب وتنافر وصراع على مرّ التاريخ؟
**أعتقد أن المثقف العضوي بالمعنى الغرامشي يعيش مثل كل العصور وضعا سيزيفيا، ويحاول كل يوم دحرجة حجارة الظلم والجهل والحرية. أما المثقف “العظمي” يبقى دائما يستغل خبثه ليخدم السلطة من أجل مكتب وسيارة وسفرة حتى يخدم مصالحه. واليوم دخلت على الخط السلطة الدينية المتكلسة التي ستحاول استقطاب الخانعين والكتبة من أجل استغلالهم لمصالحها السياسية.