الدار البيضاء:’القدس العربي’: من سعيد فردي: في المقام الأول والأخير، هذا هو قدرنا أن ندعم ونساند الفنان والمثقف والمبدع والإعلامي وكل مؤمن برسالته النبيلة في مواجهة آلة رهيبة من التهميش والإقصاء، والاستغلال المذل للفن ولفنانينا من طرف المتطفلين على الميدان ومن طرف الشلاهبية والتافهين والفاشلين، والفاسدين الذين أفسدوا المجال الفني ببلادنا، مجال يعشش فيه من الديناصورات ممن يمتصون دم ضحاياهم من أجل الاغتناء والثراء وزيادة مراكمة المزيد من الأموال والمشاريع، وليعاني من يعاني أو يمرض من يمرض ويموت من يموت لا يهمهم، ما يهمهم هو المشي على الجثث واستغلال عذابات الناس، هذه الطينة من البشر لا وجوه لها، وما عندهاش الوجه اللي تحشم عليه.. هناك فنانون حقيقيون من أبناء الشعب، يضيعون في زحمة طغيان الرداءة والمحسوبية والزبونية، والسمسرة والاتجار في القيم والمبادئ باسم الفن، ويحضرني في هذا المقام اسم لفنان تشكيلي عصامي بسيط في حياته اليومية، لكنه فنان كبير، اسمه ‘محمد أبو المعز’، أبدع هذا الرجل لوحات تشكيلية، تعتبر من روائع الفن التشكيلي المغربي، لوحاته تحف بامتياز.
كثيرا ما تصادفه يهرول تابعا سيارة ركبها صاحبها دون أن يؤدي واجب حراسة سيارته، وفي غالب الأحيان يصادف الكرماء والناس الطيبين الذين لا يستقلون سيارتهم قبل أن يعملوا معه الواجب وأكثر.. ثم يعود با محمد إلى خلوته الحميمية إلى جلسته ومكانه المفضل، حيث يختلي بنظارته السميكة وأقلامه الجافة بمختلف الألوان، يرسم ويشكل بياض اللوحة، يبدع هذا الرجل الستيني وما فوق أروع وأجمل اللوحات التشكيلية.
هو ذا الفنان التشكيلي ‘محمد أبو المعز’ الذي اعتدنا أن نناديه ب’با محمد’ با محمد حارس السيارات.. فنان مغربي بلمسات التشكيليين الكبار. عديدون هم المهتمون بالفن التشكيلي من نقاد فنيين وفنانين تشكيليين يقفون منبهرين أمام لوحاته التجريدية، يستعصي حتى على المتمرسين في النقد الفني فك طلاسم لوحاته ورموزها المكثفة ودلالتها اللامنتهية. برغم ما يوظفه ‘با محمد’ في إبداع لوحاته من وسائل بسيطة ومتواضعة، أقلام ‘بيك’ ملونة وأوراق عادية، وبرغم أن ‘با محمد’ لم يدرس الفن التشكيلي أو سبق له أن دخل معهدا للرسم أو حتى مر ذات يوم بمحاذاة بناية المدرسة العليا للفنون الجميلة التي توجد بمسقط رأسه الدار البيضاء.
في وقت تهرول فيه نكرات وطفيليات تتطفل على الفن التشكيلي، نحو الأضواء والشهرة الزائفة والخادعة، أمام كاميرات التلفزيون ووراء ميكروفونات القنوات الإذاعية، ولتحجز لها مساحات في الصحافة المكتوبة، دون أن يرف لها جفن، لم تسبب لبا محمد، كما يحلو له أن نناديه، مهنته كحارس للسيارات أي عقدة أو حرج، بل على العكس فهو يفتخر بها، لأنه لا يسرق أحدا، كما يردد دائما، ولأنه لم يسرق شهرة زائفة ومخادعة عكس عديدين ممن ينتسبون لهذا الفن النبيل والراقي، ظلما وعدوانا. وببساطة شديدة، لأن ‘با محمد’ فنان تشكيلي حقيقي، ولأنه ابن الشعب دون أصباغ ولا مساحيق تجميلية وبهارات، وينتمي للطبقات الشعبية المتواضعة والطيبة، فهو مبدع من طينة الكبار. هم فنانون بسطاء من طينة الكبار، يصارعون في مواجهة ديناصاروت تحكم قبضتها على الفن في المغرب، من أجل الثراء المنذور للزوال والشهرة الزائفة والخداعة.
وفي آخر المطاف يبقى الفن الصادق والفنانين الحقيقيين.