سامي حواط فنان لبناني شارك في ريادة الأغنية السياسية في زمن الحرب اللبنانية، عكست هموما معيشية وحياتية يهمس بها المواطن اللبناني ويترجمها عبر صوته الأليف. ينتمي إلى الطبقة الكادحة ويلتزم بقضاياها، اكتسب الفكر الوطني من والده القومي العربي وورث الفن عن أمه، حرمته الحرب من إكمال دراسته الثانوية كما حالت أيضا دون إكماله دراسته الموسيقية في الكونسرفتوار الوطني، فثابر على تنمية ثقافته الموسيقية بمجهود فردي ومع عدد من الأصدقاء الموسيقيين، وانتهج خطا ميزه وأكد استمراريته في ظل الموجات الغنائية الهابطة على مدى العقود الماضية.
مع الفنان سامي حواط هذا الحوار:
○ هل التزامك الأغنية السياسية نتيجة تأثرك بأفكار الوالد القومية، أم نتيجة الظروف التي كانت سائدة في تلك المرحلة؟
•نتيجة الظروف والشغل على الذات معاً، فأنا إنسان أنتمي إلى الطبقة الشعبية والكادحة والتزم بقضاياها، وصدقيتي نابعة من التكامل بين حياتي العامة والفنية، فأنا أعيش ببساطة تُترجم في فني الملتزم، وأحب النمط الشعبي لأنني أنتمي إلى هذا الشعب ولم أقبل يوما أن أمر في هذه الدنيا مرور الكرام من دون أن أترك أثرا، مثل ورقة تطير في الهواء ولا تعرف أين تحط.
○ شكلت ظاهرة ملفتة في الكلمة الساخرة والمعبرة عن روح المواطن المسحوق، هل تعتقد أن الكلمة في عصر مصادرة الرأي تستطيع أن تخترق حجب التجهيل وتغييب الانتماء؟
•أعتقد ان الكلمة اليوم والأغنية السياسية بشكل عام يجب أن تكون بنفس الزخم والروح الذي كانت عليه أيام الحرب. نعيش اليوم حرباً من نوع آخر، نعيش حربا اقتصادية، انهيارا معيشيا، فسادا، حرب تغييب وطمس الهوية العربية، لكن المطلوب هو كيفية التعامل مع الأغنية في إنتقاء الكلام بدون أي تغيير في الجوهر الأصلي، لست ضد التطور ومواكبة العصر شرط أن لا ننسى تاريخنا وقناعاتنا ومبادئنا.
○ ما الفرق بين الأغنية الملتزمة بين فترة النهوض الوطني ومرحلة الإنحطاط السائدة اليوم على جميع الأصعدة؟
• لا شك أن الأغنية السياسية الملتزمة تراجعت اليوم، خصوصاً في ظل التغيير في موازين القوى الذي شهده العالم في المرحلة الأخيرة، لكن هذا لا يلغي وجود فنانين ملتزمين وصادقين ويعملون بنفس الزخم ويقدمون فناً ملتزماً وطنياً حقيقياً، لكنها للأسف تبقى ضمن أطر محدودة معينة ومحصورة نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية، وتحول الإعلام إلى إعلام تجاري مادي يتوخى الربح وتغيب عنه قضايا الشعب وهمومه.
○ هل ما زالت الناس تُقبل على سماع الأغنية الوطنية أم أن الإحباط العام أثر سلباً على مزاج الشعب الذي بات همه اليوم، كيفية تأمين لقمة العيش؟
•هناك تراجع بالنسبة للرأي العام وهذا أمرٌ خطير، وأدعو دائما كل فرد أن يجتهد ويعمل ويُقدم من أجل قضيته ومبادئه، فالمسؤولية لا تقع على الفنان أو الأديب أو المثقف وحده، بل يجب أن تكون هناك نقطة إنطلاق تبدأ من ذات كل شخص كي نحصل على التغيير الفعلي برغم الظروف السيئة التي نمر بها على جميع المستويات. إنطلاقاً من واجبي كفنان فإن المبادئ تفرض علي من خلال أعمالي أن أطالب بالوحدة والعدالة الاجتماعية أن أُنبه الجمهور إلى المخاطر التي تنتج عن حالة الفوضى التي تحكم العالم ونظام المافيات.
○ هل ما زالت الأغنية السياسية تُشكل أداة من أدوات التغيير؟
•بدون شك، هي ليست فقط أداة للتغيير بل هي بوابة تفتح لك المجال واسعاً أن تتعرف على شريحة كبيرة من الناس وتخلق حواراً وتواصلاً معها.
○ هل أنت متشائم بشأن مستقبل الأغنية الوطنية والسياسية؟
•على الإطلاق، لأني أعي ظروف هذه المرحلة جيداً، واؤمن بأنه لا بد من نهضة قريبة، فالنظام الطاغي طمس كل الأشياء ذات القيمة الثقافية والمعنوية بالنسبة لنا ابتداء من تربية الأطفال، وللأسف لا نجد اليوم برنامجا ثقافيا واحدا خاصا بالأطفال، بل هناك برامج تطبيعية تلغي براءة الطفولة والانتماء والهوية العربية، لذلك التحدي كبير اليوم ويحتاج إلى وعي وإدراك وتحمل المسؤولية، وهذا يقع على عاتق الجميع.
○ كيف تقيم برامج تلفزيون الواقع الذي يعدُ الجمهور بنجوم ونجمات المستقبل ويواكبهم منذ الصباح وحتى استسلامهم للنوم؟
•هذه واحدة من إفرازات الرأسمالية، ولا أتفاجأ بهذه البرامج ولا أستطيع أن أنتقدها لسبب بسيط، وهو أننا لا نملك البديل ونعيش في حالة غيبوية تامة.
○ لماذا لا نشهد أي تحركات مناهضة لهذه الأعمال وأين دور الفنانين اليوم؟
•المجهود الفردي لا يكفي، كما أن التنظير والكلام دون الفعل لا يكفي أيضا.
○ أنت إبن القضية الفلسطينية، دافعت عنها وحملتها في وجدانك وغنيتها أيضاً، كيف ترى التعاطي اليوم مع هذه القضية من الناحية الفنية؟
•القضية الفلسطينية هي أم القضايا، وهي مقدسة بالمعنى الإنساني والعلمي، أما التعاطي معها اليوم، أرى أن هناك نوعا من السحق والاستخفاف بعقول ووجدان الشعوب العربية، وكثير من الفنانين يستغلونها بدوافع تجارية بحتة وهذا أمرٌ خطير، القضية الفلسطينية ليست عربية، بل هي أممية وهي أكبر من أن يتم التعاطي معها وكأنها موضة تبطل حسب مزاج هذا المنتج أو ذاك الفنان.
○ هل ترى أن هناك إمكانية لاستنهاض القيم النضالية في صفوف الجماهير بواسطة الأغنية الوطنية؟
•إذا لم يتوفر برنامج مستمر لن ينجح الأمر، فالدول العربية غائبة كليا وبحاجة إلى برنامج عام وإذا لم يكن برنامج وطني علماني إنساني حقيقي لن ينجح. فالصهيونية العالمية والرأسمالية تعمل على دغدغة العواطف الدينية عند الشعوب العربية ويحاولون إلهاء الناس عن القضايا الجوهرية من خلال الدين على سبيل المثال، وكي يتوحد العرب لا بد من التخلص من هذه البذور السيئة والتي لن تنجح إلا في تفتيتنا وزرع الفتنة والكراهية بين الشعوب العربية.
○ تغيب طويلا قبل ان تطل على جمهورك، لماذا؟
•أنا أعمل حسب مزاجي، ومن الأشخاص الذين يجلسون مع أنفسهم أوقات طويلة، لذلك أحترم مزاجي كثيراً وهذا يساعدني على التفكير بشكل أفضل وعلى الإبداع أكثر وأكثر.
○ هل تغير شيء في سامي حواط إبن السابعة عشرة وسامي حواط اليوم؟
•لم يتغير شيء في شخصيتي، فمنذ بداياتي كان هم الناس همي، ولم يزل حتى اليوم، لكن ما زاد هو عتبي وملامتي للناس.