محمد باهيبدا الفنان والمؤلف والمنتج الموسيقي المغربي فتاح النكادي متألقا كعادته، من خلال التجاوب والتناغم التلقائي مع مطالب الثورات الشبابية للربيع العربي، عقب إنتاجه لأغنية اعتبرت في رأي المتتبعين والموسيقيين والفنانين من ذوي الاهتمامات بالأغنية الملتزمة والجادة عملا إبداعيا يحمل في العمق دلالات رمزية لمسارات الشعوب المضطهدة والمقهورة في الوطن العربي. وتناول فتاح الوضع الليبي وما آلت إليه مطالب الشعب من مواجهة بالدبابات والطائرات وأعتى أنواع الأسلحة من قبل نظام ديكتاتوري جثم على مدى أزيد من أربعة عقود على المستضعفين وجردهم من حقوقهم المشروعة في التظاهر وحرية التعبير والرأي والمطالبة بالتغيير والإصلاحات، إلا أن نزوعات التشبث بكرسي الحكم شكلت في نظر فتاح ردود أفعال همجية تمثلت في ارتكاب جرائم وحشية ودموية في حق الشعب الليبي، الأمر الذي اختزل مطالب الشعب بدعوة الزعيم القائد إلى الرحيل وهو عنوان للأغنية التي ساهم بها فتاح نكادي في سياق تجليات وتمظهرات الربيع العربي.
تقول كلمات الأغنية: مهما أعطيت وأكرمت وعذبت وسجنت وقتك انتهى وبما أن الشعب يريد منك أن ترحل عليك أن تفهم كرسيك منك مل * خطابك أيضا كل ولو مددت المقابلة وعدلت دستور الكرة وأضفت شوطا خامسا وسخطا سادسا بطاقتك حمراء بتعب الفقراء * بطاقتك حمراء بدم الشهداء….. وفي دردشة مع الفنان القدير فتاح نكادي أكد بخصوص ما يعج به المشهد الفني من تضارب وتناقضات على مستوى الموضوعات أن الفن الحقيقي هو الذي يعبر عن هموم وقضايا وانشغالات الناس، لأن الفنان المثقف في رأيه مرآة للشعب تعكس طموحاته وتبلور دينامية التطلعات وترفع من سقف المطالب وتنمي القدرات الحماسية وتلهب المشاعر الوجدانية وتخفف من وطأة الاستبداد وحماقات بلطجية الأنظمة، كما هو الشأن للثورة الشبابية بمصر، حيث تحول ميدان التحرير في تناغم وانسجام بين فعاليات فنية وفئات واسعة من المتظاهرين إلى صالون أدبي للإبداع الساخر بكافة مكوناته، وهي آليات تتجاوز في نظر فتاح ضخامة البعبع البوليسي وغازاته المسيلة للدموع ورصاصه البلاستيكي والحي ومناورات قناصته واستهتارات بلطجيته إلى أبعد الحدود.
من جانب آخر، أشار فتاح الى أن الفن الرديء لا يعمر طويلا بموجب المتغيرات والتحولات واستدل على ذلك في ما يعتري الشعوب العربية حاليا من حالة أذواق نكوصية وارتدادية تعيدهم إلى التصالح مع الأغاني الجادة والملتزمة في مساراتها التاريخية والكفاحية والنضالية المتميزة، حيث بدأت تزدهر في الآونة الأخيرة وتيرة الاستماع إلى أغاني الشيخ إمام ومارسيل خليفة وأحمد قعبور وفيروز وسعيد المغربي والغيوان وجيلالة وآخرين ممن تركوا بصمات راسخة في سجل الفن الجاد والملتزم، هذا التحول في الذوق والميولات يجسد في نظر فتاح ثقافة فنية جديدة ينبغي أن تساير اهتمامات الشعوب وطموحاتها، وتبلور أفكارا فنية وأشكالا موسيقية وغنائية تلغي الحدود وتقرب المسافات.*كاتب من المغرب