التقته فاطمة عطفة: فنان مصري شاب امتاز بأدائه التمثيلي في أكثر من مشاركة هامة في السينما العالمية، إضافة إلى مشاركته في أكثر من 12 فيلما مصريا وما لا يقل عن عشر مسلسلات تلفزيونية. درس العلوم الاقتصادية بالجامعة الأمريكية، وهو معروف بتقديره الرياضي الدقيق لقيمة الوقت وتنظيمه وكأنه يرسم خطة بيانية لمسيرته السينمائىة. بدأ مشواره الفني مع المسرح الجامعي أثناء دراسته، وعمل بمشاريع تخرج لزملائه بقسم الإخراج فقدم ‘كارمين’، ‘عفاريت حمزة وفاطمة’ لرشا الجمال و’أوديبس’، بالإضافة إلى أعمال أخرى لمخرجين شباب. ولكي يزيد من خبرته الفنية التحق بورشة إعداد الممثل بالجامعة لمدة سنتين ونصف السنة. إنه الممثل عمرو واكد، النجم الذي يحمل في قلبه هموم ثورة الشباب وقضية فلسطين وسائر القضايا العربية. أعطاه المخرج أسامة فوزي دورا في فيلم ‘جنة الشياطين’، ثم قدمه وحيد حامد في فيلم ‘ديل السمكة’ الذي حصل فيه من مهرجان الإسكندرية على جائزة أحسن ممثل مساعد. كما عمل في الفيلم القصير ‘لي لي’ قصة يوسف إدريس وإخراج مروان حامد، وقد حصل على جائزة الجمهور في مهرجان بفرنسا مخصص للأفلام القصيرة، كما حصل على جائزة مهرجان الإسماعيلية، والجائزة الثانية بمهرجان تونس. شارك النجم جورج كلوني بطولة فيلم ‘سيريانا’، وشارك في العديد من الأعمال العالمية الأخري ومنها أداؤه لشخصية حسين كامل في المسلسل البريطاني-الأمريكي ‘بيت صدام’ والفيلم الإيطالي ‘الاب والغريب’. وكان لنا معه هذا اللقاء في مهرجان أبوظبي السينمائي الخامس: *كيف ترى مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي في دورته الجديدة؟*’هذه أول مرة أحضر مهرجان أبوظبي السينمائي، التنظيم جميل جدا وأنا سعيد بوجودي هنا ولن تكون المرة الأخيرة، ولدي عدة ندوات سينمائية أقدمها خلال المهرجان’.*أنت من شباب الثورة وفنانيها المعروفين، ما هو برأيك تأثير الربيع العربي على السينما العربية؟*’قطعا سيكون هناك تأثير كبير، فالمواضيع كلها ستختلف من ناحية العمق والجرأة والتناول فكل هذه الأمور ستتغير’.*هل تتوقع أن تكون الثورة المصرية مادة خصبة للسينما خلال السنوات القادمة؟*’ليس بالضرورة، لكن بالتأكيد ما حصل في مصر سيطرح مواضيع جديدة وسينتج عن ذلك تنوع في الأفلام المقدمة وستكون هناك أفلام لم نحلم بصناعتها قبل قيام الثورة. أنا كنت أكتب مقالات على الفيس بوك، كتبت واحدة بعد ثورة تونس عن الفساد والقائد الغائب والحقوق المسلوبة ورأيت أن هناك مسؤولية كبيرة على المواطن فيها وختمت المقالة في يوم 23 يناير بالقول: إن من حقنا أن نغير ويجب أن نغير أنفسنا. وعلينا احتضان حركة 25 يناير بأن ننزل إلى الميدان حتى ولو لم ننجح، المهم كانت المحاولة والسعي لتغيير أنفسنا’. *ماهي المشاهدات التي ما تزال عالقة في ذاكرتك منذ البداية في ميدان التحرير يوم 25 يناير؟*أنا لم أر العنف في ذلك اليوم، شاركت بضع ساعات بالوقفات والمظاهرات، وذهبت إلى أكثر من وقفة وأكثر من مظاهرة في نفس اليوم وذهبت بعد ذلك، ثم سمعت أنه صار هناك ضرب والناس أصيبت ونقلت إلى المستشفيات، وتم إلقاء القبض على أخي يومها ولم نعرف مصيره في تلك الأثناء. برأيي، كانت طريقة تعامل النظام مع حراك 25 يناير هو ما أدى إلى قيام الثورة، فنحن نزلنا نطالب بالإصلاح وإقالة مجلس الشعب، وإلغاء قانون الطوارئ وتفعيل دور النقابات، وأن لا يرشح مبارك نفسه مرة أخرى أبدا، لم نكن نقول (ارحل) ولم نطالب بمحاكمته’. *ما مدى تأثير هذه الثورة على علاقاتك وصداقاتك؟*’أنا لا أحذف أحدا من قائمة صداقاتي لأني أحب أن أرى الصورة كاملة وأن أعرف آراء الجميع، لذلك الشخص الذي لا أتفق معه ونختلف في وجهات النظر لا أحذفه من حياتي وأبقى على تواصل معه لأعرف كل المستجدات. وفي النهاية لا يهمني من خسرته في الثورة وإنما من كسبته خلالها، فهذا هو المكسب الحقيقي لأن من خسرته العلاقة كانت معه كاذبة أساسا وليست حقيقية وأؤكد على أن الاختلاف بالرأي ليس مشكلة، بل المشكلة في مواقف الناس تجاه حالة إنسانية معينة يجمع الجميع على أن إنكارها هرطقة، إن صح التعبير. المسألة إما أن نكون صادقين أو نصمت لأن هناك من قتل، فكيف يساعدك ضميرك على التكلم والشهادة بأمور غريية؟ أنا مستغرب في يوم 28 يناير شعرت أن الشعب المصري شعب فلسطيني والنظام المصري نظام صهيوني يقتل الناس كأنهم أعداء، ومن يقتل المصري ليس مصريا. أكثر من 800 شخص قتلوا ولم يصح أحد ليقول: هذا خطأ بعد سقوط 10 أو 20 فظلوا صامتين حتى بلغ الرقم أكثر من 800 شخص، من أنتم ؟ ما هذا؟!*البعض يقول إن الحركة السينمائية كان فيها جرأة قبل الثورة وهو ما ساعد في التمهيد لحدوث الثورة، فما رأيك؟*لا طبعا، هذا كلام غير صحيح على الإطلاق ومن يقول ذلك يجمل نفسه، وأعتذر عن هذا القول لأي كان، فالحركة السينمائية قبل الثورة مخزية والإعلامية مخزية أكثر، ومن يدعي غير ذلك يكذب، لا أكثر ولا أقل. صحيح أن هناك قلائل حاولوا أن يتعرضوا للموقف السياسي، لكن حتى هذا التعرض كان في حدود المسموح به ولم يتجاوز أحد الخطوط الحمراء على الإطلاق، وكل من يدعي أن فيلمه تنبأ وفيلمه شرارة وغير ذلك هو فقط يركب الموجة، فالسينما المصرية لم يكن لها أي دور في الثورة. والإعلام المصري لعب دور الثورة المضادة، ولا يصح أن أقول أني قدمت فيلما عن التحرش الجنسي وكان بمثابة تنبؤ بثورة قادمة! هذا كلام تافه رخيص، ومن يقول هذا الكلام شخص تافه وغير واقعي على الإطلاق، فالثورة كانت على ظروف سيئة وفساد مستشرٍ وتعليم فاشل وخدمات سيئة وصحة معدومة، ويأتيك أحدهم ليقول: أنا عملت عن التحرش الجنسي. هذه مسخرة حقيقية!*كيف ترى تحول الإعلام المصري؟*لم يتحول الإعلام المصري بعد باستثناء البعض فقط، وهناك برنامجان برأيي الشخصي أقرب لنبض الشارع والناس وأنا شخصيا أحب متابعتهما لمقدمين عندهم مسؤولية تجاه الجمهور، هما يسري فودة وريم ماجد، هؤلاء أشعر من خلالهما بالتغير. أما فيما عدا ذلك فما زال موجها أو خائفا أو سلطويا. وبرأيي على الإعلام أن يكون مرآة تعكس ما يحدث وليس له دور الحكم على الإطلاق، وليس عليه أن يقرر ما يطرحه من قضايا وما لا يطرح حتى لا يصبح فوقيا متسلطا وموجها وجبانا.*وماذا عن الإعلام العربي، برأيك؟ كيف كان دوره خلال الثورة؟*عند انطلاقها كان مخزيا جدا وضد الثورات ولم أر بحياتي إعلاما في منطقة كلها قمع وبمجرد أن يفتح له باب الحرية يسعى لإقفاله وخنق الحرية. هذا حقا غريب جدا، لم يقم بدوره بشفافية، كان هناك تخويف من الحرية، ترى هل خلقنا لنستعبد ونستعمر وهل هذا دور الإعلام؟ ياللعار!*هل ترى أن الفنان المصري خصوصاً والعربي عموماً شخص مسيس؟*الفنان هو من أقحم نفسه في الأحداث، كل من تحدث عن واقعة كان عليه أن يكون شاهدا فيها أو لا يتحدث على الإطلاق. هناك مجموعة قليلة من الفنانين علقوا على الأحداث دون أن يروا شيئا بأعينهم وأنا أعتبرهم كاذبين وخونة، وكان من الأفضل أن ينزلوا للشارع والساحة ليروا وينقلوا الواقع دون تحريف. بالنسبة لهؤلاء، هل من الأفضل أن يظهروا الآن على التلفزيون بعد استشهاد المئات ويقولوا كلمتين خائبتين وعن خوف على حياتهم ومصالحهم أن تضيع؟ هذا عار وهؤلاء عار. هناك الكثير من الفنانين وغيرهم ركبوا موج الثورة لكن الثورة لم تنته، هؤلاء الركيبة إن صح التعبير سيسقطون ضمن الساقطين مع الوقت، وسيبقى كل الأشخاص الصادقين. فالفنان الانتهازي الركيب الذي شغله فنيا حلو وفنان لن يتأثر كثيرا، صحيح أنه سقط إنسانيا بسقوط الشهداء لكن عقيدة الفن هي المنتج الفني، ربما يخسر بعض محبيه، البعض تقلصت شعبيته رغم مواقفه المخزية، لكنه فنان ولديه مخزون وشيء يرغب المشاهد أن يراه، وبالتالي سنسأل هذه السؤال: مَنْ مِنَ الفنانين الذين هاجموا الثورة فنان حقيقي ذو قيمة فنية عالية؟ الأجابة: لا أحد على الإطلاق. هؤلاء لم يكونوا فنانين أساسا، كانوا في موقع انتهازي من الأول، وبما أنهم ليسوا فنانين خافوا على الموقع الذي حققوه وعرفوا جيدا أنه بنجاح الثورة سيعاد تقدير الفن بمقاييس أخرى فنية عالية لن يستطيعوا خلالها المنافسة، لذلك وقفوا إلى جانب نظام فاسد صنعهم وأوهم الناس بأنهم فنانون.*هناك أيضا على الصعيد الثقافي مثقفون كان لهم أدوار مختلفة عن توجهاتهم، برأيك هل المثقف بحاجة إلى السلطة أم العكس؟*’المثقف هو مرآة الشعب للسلطة، والسلطة بحاجة له لتعرف نبض الشارع. كان هناك في التاريخ العربي خليفة يطمح لحكم العالم، قال وقتها إذا أردنا القوة يجب أن ندعم العلم وأن يزدهر لدينا، فأمر بإحضار كل كتاب موجود في العالم وتم ذلك لدرجة أنه وصل إلى مرحلة قال فيها من أحضر لي كتابا ليس موجودا في مكتبتنا سيأخذ وزن الكتاب ذهبا، وفعلا أصبح هناك ازدهار لأن السلطة دعمت الثقافة والمثقفين وكانوا جميعا في خدمة المصلحة العامة’. *كيف ترى الصراع الحزبي الآن في مصر؟*’هناك الكثير من الأحزاب الجديدة الصغيرة، وإذا أردنا أن نشتغل بالسياسة بشكل صحيح لن يؤثر عدد الأحزاب مهما كثر، فبعد هذه المرحلة تبدأ هذه الأحزاب مع الوقت بالانصهار والانضمام إلى بعضها مما يولد لاحقا أحزابا كبيرة لها فلسفتها السياسية لكن بشرط أن يكون الاندماج مبنيا على المصلحة الوطنية، فبغير ذلك يحدث التفكك لاحقا’.*متى تقطف ثمار الثورة المصرية؟*’نحن نقطفها تدريجيا، وأنا شخصيا كفنان قطفت ثمارها وأصبح لدي الحرية بمناقشة أي موضوع بعمق ومباشرة ودون حدود أو رقيب’.*هل تتفاعلون مع الحراك العربي ككل؟*طبعا، فثورة الشعوب العربية ثورة واحدة، ثورة شعبية ضد الحكام الفاسدين، ونحن كمصريين نتألم لكل ما يحصل للشعب السوري والليبي والعراقي والفلسطيني واليمني والبحريني، وعندما تم تقسيم السودان تألمنا بشدة ونتألم بشدة لمشاهد القتل المروع لإخواننا السوريين، إن أي حراك هو حراكنا وعلينا أن نساعد الجميع فالربيع العربي يلم شملنا.*متى تحقق الثورات العربية مرادها، برأيك؟*برأيي، خلال 10 إلى 15 سنة سنرى أجمل ما في هذه الثورات ولن يكون الحال كما يدعي البعض أو يشبه بالثورة الفرنسية التي تطلبت زمنا طويلا حتى وصلت إلى ما هي عليه فرنسا الآن. الشعوب العربية تعرف طريقها تماما. *كيف ترى إلى انعكاس الثورة المصرية على القضية الفلسطينية؟*فساد الحاكم كان واضحا فهو من يحمي نفسه وغيره من الفاسدين. فمثلا، الجولان لم ترم عليها طوبة وليس رصاصة منذ أربعين سنة وأكثر، وهي أرض محتلة، عن أي ممانعة يتحدث هذا النظام؟ عن أي تحرير؟ وهو يرسل جنوده وعتاده لتواجه الناس العزل في الشوارع وتقتل المدنيين (قاعد بتشتم أربعين سنة ومبتعملش حاجة، جاتك ستين نيلة يا خايب يا عميل). وكذلك مبارك كان فاتح السفارة على مصراعيها، وكان يعطي إسرائيل الغاز بسعر أقل مما يدفعه المواطن المصري الغلبان صاحب الحق وصاحب الغاز. وكانت مباحث أمن الدولة تعتقل أي شخص له علاقة بالمقاومة أو النضال الفلسطيني، هل هذه مباحث مصرية أم إسرائيلية؟! الأنظمة الفاسدة لم تحافظ إلا على المصالح الامريكية والإسرائيلية وقهرت الشعوب وحاربتها في لقمة العيش وسلبت كرامتها وحريتها وأبسط أسباب الحياة، وأنا أرى أن مربط فرس الثورات العربية هو فلسطين إن شاء الله. *على الصعيد الفني، ما هو جديدك؟*أنا قدمت فيلما عن الثورة المصرية، إخراج ابراهيم البطوط وسيعرض أول العام القادم، وأعمل الآن على مسلسل فرنسي بالكامل وفيلم آخر ناطق باللغة الإنجليزية وأحضر لفيلم كبريت عن معركة كبريت الشهيرة التي حررت فيها القوات المصرية حصن كبريت في حرب أكتوبر وبقيوا مستحوذين عليه فترة طويلة، وهي قصة نضال قوية جدا.*هل ستستعيد مصر مكانتها في الساحة العربية؟*بالتأكيد إذا جزمنا أن الثورات العربية ستحدد مصير المنطقة، فمصر 85 مليون يعني ثلث العرب. *ما الفرق بين ثورتي 1952 و 2011؟*سنة 1952 كان انقلابا عسكريا وليس ثورة كما درسونا في كتب التاريخ، كان انقلابا جاء بعد معاهدة الجلاء، أي أنه لم يطرد الإنجليز وكانت باقية فقط قناة السويس بيد المحتلين. العسكر في 1952 كانت نيتهم سليمة وعبد الناصر رجل قومي وفاهم ومحبوب وهناك فرق بين زعيم شعبي حقيقي مثل عبد الناصر وزعيم مستولي على السلطة كالبقية. أخطأ عبد الناصر لكنه كان رجلا صالحا وأمينا ولديه حلم كان سيرتقي بالمنطقة.*ألا يعني أن ترك مبارك السلطة دون تنحي القذافي وصالح والأسد أمر يحسب له؟*كان يخرج بنفسه ليلقي خطاب التنحي لو الأمر كذلك. لكن ما حصل أنه أرسل شخصا مكشرا ليعلن تنحيه عن المنصب. لماذا لم يخرج إلى الناس ويقول يا شعبي يا شعب مصر، أنا لا أرضى ما يحصل في البلاد، وإذا كان وجودي مشكلة سأمشي. لو فعل ذلك كانت الناس ستشعر أنه إنسان وسيتركونه دون محاكمة، هو لم يتنحَّ ولم يترك السلطة، ومن قرر ذلك المجلس العسكري، مبارك نحي والمجلس اقتنص الفرصة ليقضي على مشروع التوريث.*هل الثورة المصرية بأمان بين يدي المجلس العسكري؟*لا هي بأمان لأنها بيد الشعب. الثورة انتقلت إلى مستوى أعلى، وهذا لا يعني أنه لن يحدث إضرابات، لكن من خلال التخطيط والأسلوب الصحيح. أستطيع القول إن الشعب المصري اليوم هو من يحكم ويتحكم بالأمور، وليس المجلس العسكري. هذا الأخير لم تعد لديه الفرصة للمبادرة وكل قراراته عبارة عن اللحاق بحراك الشعب المصري، وليست مبادرة. وهذا ما يبقي مبارك في السجن وغيره من فاسدين، واعلمي أن كل تفصيل يصل إلى الشعب المصري سيثور من أجله. *هل أنت متفائل بالثورات العربية؟*جداً وتحضرني مقولة شهيرة لألفريد هيتشكوك وهو مخرج كبير: (أنا خلصت الفلم وبقي أن أصوره)، الثورة العربية ناجحة في كل مكان مهما طال الأمر.*من تتوقع رئيس مصر القادم؟*’الحصان الرابح لم يظهر بعد، وأنا شخصيا لا أرى أحدا من الموجودين الآن هو هذا الحصان’.