الفن الفلسطيني تحت القصف: رحيل آمنة السالمي وإسماعيل أبو حطب في مجزرة استراحة الشاطئ

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»: في واحدة من أكثر الغارات الإسرائيلية دموية على مدينة غزة، استُهدفت استراحة الشاطئ، التي تحوّلت خلال الحرب إلى مساحة للصحافيين والفنانين والناشطين، لتتحوّل بدورها إلى مسرح لمجزرة مروعة راح ضحيتها أكثر من ثلاثين شخصاً. من بين القتلى، كانت الفنانة التشكيلية الفلسطينية آمنة السالمي، المعروفة باسم «فرانس»، والمخرج الفني والمصوّر إسماعيل أبو حطب، اللذان جمعتهما صداقة وطريق إبداع مشترك.
تحوّلت استراحة الشاطئ، التي كانت توفّر خدمات بسيطة كالاتصال بالإنترنت وشحن الأجهزة، إلى نافذة للحياة والحوار في قلب الدمار. وهناك، وسط لحظة لقاء اعتيادية بين أصدقاء وفنانين، باغتت الغارة الإسرائيلية الجميع، لتسقط فرانس وأبو حطب شهيدين على الفور.
كانت فرانس، البالغة من العمر 36 عامًا، قد نشرت آخر أعمالها الفنية قبل استشهادها بعشرة أيام فقط، وهي لوحة جسّدت فيها ثلاث نساء شهيدات، مغطاة أجسادهن باللون الأحمر المتناثر، كتبت تحتها: «دم الشهيدة، دم معطّر بالهيل». وبعد رحيلها، انتشرت صورتها الملطّخة بالدماء إلى جانب تلك اللوحة، ليبدو المشهد وكأنها رسمت نهايتها بنفسها.
شقيقها الأصغر، الفنان رفيق السالمي، تحدّث من بلجيكا عن آخر تواصل بينهما، حيث كتبت له آمنة كلمات تعبّر عن مرارة الشعور بالوحدة، لكنها أيضًا تعكس إصرارها على التمسك بالحياة رغم كل شيء. قال: «كانت تتمنى مغادرة غزة لمواصلة دراستها، كانت تحب الحياة وكل ما هو جميل، وكانت تطمح لأن تصبح فنانة لامعة يعرفها العالم».
فرانس، واحدة من عشرة أشقاء، تخرجت بامتياز في التصوير الفوتوغرافي من جامعة الأقصى، وأمضت حياتها المهنية في الرسم والنحت والفن الرقمي، كما عملت على تنظيم ورش فنية للأطفال، وسعت عبر مشاركاتها في المعارض والفعاليات الثقافية إلى تقديم صوت الفن الفلسطيني للعالم.
كتبت في كتيب معرض «إلتقا» الذي شاركت فيه: «ربما لم تكن تجربتي الأولى، لكنها كانت التجربة التي فهمتها بعمق. أحاول الآن تجسيد هويتي الفنية ضمن دائرة الفنون المعاصرة». وعكست كلماتها عمق وعيها الفني، وسعيها الدائم لتأطير الألم ضمن جماليات الفن.
حياتها لم تكن سهلة. فقد فقدت والدها أواخر العام الماضي بسبب غياب الرعاية الطبية، وتعرّض شقيقها لإصابة بالغة في العمود الفقري بفعل الشظايا، ومع ذلك لم تتوقف عن الإبداع والعطاء، ولم تتراجع عن دورها المجتمعي في خدمة الأطفال والفن.
أما إسماعيل أبو حطب، فقد كان نموذجاً آخر للصمود الفني في وجه الحرب. المخرج الشاب، البالغ من العمر 32 عامًا، درس في كلية العلوم التطبيقية بغزة، وحصل على شهادة في الآداب، وبدأ مسيرته في التصوير والإخراج، مثابرًا على العمل حتى في أقسى ظروف الحرب.
أُصيب بجروح خطيرة أثناء تصويره فيلماً وثائقياً عن النضال الفلسطيني، ومع ذلك لم يتوقف، بل واصل التصوير والإبداع رغم محدودية الحركة بسبب إصاباته، مؤكداً بذلك على رسالته الإنسانية والإبداعية.
يصفه زميل له بأنه كان دائم الابتسامة في أحلك اللحظات، مخرجاً شجاعاً ومصوراً موهوباً، لم يسعَ سوى لإيصال حقيقة ما يحدث في غزة إلى العالم، وأن يظهر أن شعبها رغم الحصار والدمار، ما زال يتمسّك بحقه في الحياة والكرامة.
عُرضت أعماله في معارض دولية هامة، من بينها «ما هو الوطن؟» في شيكاغو، و»غزة: ضد المحو» في كاليفورنيا، بالإضافة إلى مشاركته في مهرجان برشلونة الدولي للتصوير الفوتوغرافي، الذي تركزت فعالياته حول قضايا حقوق الإنسان والعدالة العالمية.
ولم يكتفِ أبو حطب بعرض أعماله، بل أنشأ منصّة رقمية حملت اسم «باي با»، تهدف إلى تمكين المبدعين الفلسطينيين من سرد قصصهم بأنفسهم، بعيداً عن الصورة النمطية أو التهميش الإعلامي، ليكون بذلك أحد الوجوه التي أسهمت في توثيق الهوية البصرية الفلسطينية رغم الحرب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية