الفن اللغوي والتجريب في رواية إبراهيم الزيدي «حب تحت الأنقاض»

تدور الرواية في فلك قصة حب تستعصي على الانتهاء، رغم ما فيها من غياب متكرر للمرأة، إلا أنه يعثر عليها بعد كل فقد، ما يجعل من عنوان الرواية «حب تحت الأنقاض» عنوانا غامض الدلالة
الرواية الصادرة في طبعتها الثانية عن دار هارمتان ـ فرنسا، هي رواية سورية الوطن ما قبل الحرب وبعدها، في المواطنة والرحيل واللجوء، وهي رواية السوري في مصيره المجهول يقول البطل: (أنا لا أريد العودة إلى سوريا أريد العودة معها، فسوريا هي الأخرى غائبة منذ سنتين ومئة ألف شهيد).
يتضح منذ السطور الأولى هاجس الكاتب بالتغيير الشامل سياسيا وثقافيا واجتماعيا لتكشف الرواية في ما بعد عن أن المرأة أهم موضوعات التغيير وأدواته في آن معا. والزيدي هو القائل: (إن التغيير الذي تسعى إليه المجتمعات مرتبط بواقع المرأة، إذ ما زالت الاستفادة من قدرات المرأة العربية على المستويين السياسي والاقتصادي هي الأقل في العالم). والتجسيد الواضح لمقولاته هو الشخصيات النسائية في الرواية، حيث تماهى الكاتب مع هذه الشخصيات بأشكال مختلفة، كل واحدة منهن، حسب موقعها من حياته، كما يتماهى المواطن الصالح مع الوطن، ويبدأ تماهيه مع أخته (غالية) المعتنقة أيديولوجيا التمرد، والحرية، بدليل رفضها لخطيبها (الرفيق البعثي) بعد اكتشافها لهشاشة قيمه. وغالية هي الشخصية النسائية التي تحضر في أشد لحظات الرواية ألما ومعاناة، أُمّا ثانية، ووطنا دافئا في صقيع الغربة والاغتراب القسريين، كما حدث بعد خروج الكاتب من السجن يقول عن ذلك: (أكثر من ليلة خانني دفء الأمان، فكنت أطلب من غالية أن تمدّ فراشي بين فراشها وفراش أمي فننام معا وكأننا في فراش واحد).
الشخصية النسائية الثانية المؤثرة في حياة الكاتب بطل الرواية، هي شخصية المرأة التي أحبها وهي امرأة بلا اسم حتى نهاية الرواية، وقد حلّت أوصافها، ودورها، ومعاناتها بدلا من اسمها، مع ملاحظة أن الكاتب لم يتوقف عند أوصافها المادية. وبالكاد ذكر أنها (مديرة مصرف)، ثلاثينية. أما الوقفة الكبرى فكانت عند دورها في المجتمع، وتأثيرها على الكاتب فهي امرأة مثقفة ثقافة عالية وذات رأي واثق، وإدراك للواقع متّوج بدور فاعل، ومتحررة تمسك بزمام المبادرة العاطفية في اللقاءات القليلة التي جمعتها بالكاتب. ومن الملاحظ أن إمعان الكاتب في إظهار نفسه بوضوح يتناسب طردا مع محاولة إخفاء ما يتعلق بهذه المرأة، فلا نعرف لها اسما، ولا أسرة، ولا نجدها إلا في مكان عملها. يترافق حضور المرأة مجهولة الاسم في مقاطع الرواية مع نضج أسلوب الكاتب وتألق لغته: (معها فقط أصبح للأيام معنى وللزمن قيمة)، ولذلك كانت لحظات غيابها انطفاء، بل خسارة غير مسبوقة وفق تعبير الكاتب: (كل خساراتي السابقة كانت بالنقاط، إلا حبها فقد هزمني بالضربة القاضية).
تبدو شخصيات الرواية نامية ناضجة لها مواقفها الثابتة من قضايا جوهرية كالعروبة، والإسلام، والتحزّب والمواطنة، والحبّ، والحريّة، وغير ذلك الكثير ممّا دخل إلى مختبر الزيدي الفكري واللغوي ليخرج بشيفرة غنية لا حدود لها في التأويل يقول على لسان البطلة: (إن نشاط المجتمع المدني سيفضي إلى ما هو أبعد من المساعدات للعراق). وفي وصفه للسجن يستشهد بمقولة علي عزت بيكوفيتش (يعاني الإنسان في السجن من نقص في المكان وفائض في الزمان) وقد عوّض الكاتب جزءا من هذا النقص عن طريق الخيال بما فيه من إرادة الحياة، فرسم صورة محبوبته على جدار الزنزانة.
يختتم الزيدي روايته برسالة تركتها للكاتب بطلة الرواية، تكشف فيها عن تحوّل جسدها من حقول لزراعة الحب، إلى حقل مفخخ بالخلايا السرطانية، وتمضي رسالة المرأة في تأكيد ذلك الحب النادر غير القابل للتكرار في مؤازرة من لغة ماتعة: «لقد وزعت سوريا خوفنا وأشواقنا ولم يبق منها سوى اسمها فهل تصلح الأسماء لأن تكون أوطانا؟».

اللغة
اللغة حاملة الوعي والفكر واختبار اللغة في الرواية هو محاكاتها للحياة وقد فعلت لغة «حب تحت الأنقاض» ذلك بتميّز واستطاعت مجاراة الحياة في كلّ تحوّلاتها وقد استثمر الكاتب اللغة عنصرا أساسيا في تكوين البناء الفني للرواية فكانت مجاله الأرحب في التجريب الروائي، فتفوّقت الرواية لغويّا على مستويين، مستوى الإخبار والدلالة، ومستوى المجاز والجمال، فولد النص الروائي نصّا مشبعا بالجاذبيّة الفنيّة الموضوعيّة، مضافا إليها الحصّة المعرفيّة المقدّمة بلغة صريحة ذات حدود جارحة. وإنّ اللغة محمول، وهي مرآة حاملها فطبيعتها من طبيعة الروائي، وحقيقته من حقيقتها، كما أن اللغة الروائية الناجحة هي التي تقرب الواقع من الخيال، فهي مجمل الوسائل التقنية التي تجعل من نصّ ما رواية، حيث تصهر الموضوع، والشخصيات، والمكان والزمان والحدث، في بوتقة واحدة وقد تحقّق ذلك للغة رواية «حب تحت الأنقاض»، إذ اجتمعت كل مكونات الأسلوب بأنواعه من سرد وحوار ووصف.
اللغة في الفن الروائي عموما مزيج من الأدب والواقع، أما لغة «حب تحت الأنقاض» فأدب خالص وحالة شعرية سامقة (الوطن ليس معطفا تخلعه في أول استراحة، ووجودي في بيروت لم يكن هربا من الواقع إلى الحلم، إنه من المستحيل إلى الممكن، فقد أردت استثمار فرق التوقيت بين وطن يقتلنا بالرصاص وغربة تقتلنا بالحنين). تعددت وسائل السرد وتنوعت فتوفر المونولوج (مناجاة النفس)، وتسرّب بين ضمائر المتكلم والغائب والمخاطب، تسربا حميدا داعما وقد أدار الكاتب الحوار في إطار السرد في مستوى واحد من الفن والإتقان وقد كتب روايته بطريقة السيرة الذاتية مستخدما ضمير المتكلم واضعا نفسه مكان البطل متمثلا معاناة صادقة تشي بها لغة الزيدي التي تفوقت في رصد تحركات الألم رغم عجز اللغة غالبا عن تكثيف الألم الشاسع وحبسه في حروف وكلمات. قبل لغة الزيدي كنت أعتقد أن الحرب السورية، أعجزت اللغة عن وصف الكثير من تفاصيلها وإصدار أحكام أخلاقية وإنسانية على تلك التفاصيل إلى أن قرأت روايته» فوجدت لغة تقطع شوطا شاسعا في مقاربة الألم، حتى تكاد تسبقه، ها هو يصف معاناة السوريين: (تحوّل السوريون من حالة إنسانية إلى مادة إعلامية، تلوكها وكالات الأنباء والهيئات والمنظمات المعنية. فاختصار الإنسان في كائنه البيولوجي يجعله عرضة لكل أشكال الانحطاط، وقد تم اختصارنا لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بسلة غذائية).
إن قيمة الفن الروائي قيمة لغوية، لكن اللغة ليست هي الكلام المعبّر عن الأحداث فقط، بل الكلام المعبّر عن رؤى الكاتب أيضا، وقد تحقق له مستوى متميّز من مراعاة القارئ يليق بعقله وقلبه معا. يقول في معرض انتظاره للمرأة المحبوبة إثر خروجه من السجن مريضا: (كنت انتظر العافية لأزفّها إليها كآخر ما تبقى لي من رصيد في الحياة. انتظر الشتاء لأحمل إليها مظلة حزني وأهطل حبا)، كان الشغف اللغوي شغفاً آخر أضافه الزيدي إلى شغفه بالوطن والمرأة والقيم، فتسرّب سحرها الأدبي إلى ذائقة القارئ، بنسيجها البسيط الأنيق في آن معا، ومن هذه اللغة المسؤولة تشكّل الحوار، فكان ضرورة إنسانية، كاشفة عن مواقف الشخصيات وخفايا نفوسهم وتقنية تحقّق لها الإيجاز والملاءمة والسهولة، ولذلك يمكن القول إن خصوصية اللغة تفوقّت على خصوصية البناء، لأنّ اللغة في رواية «حبّ تحت الأنقاض» أخيلة مبدعة لعوالم الرواية ورموز لأفكار الروائي، حيث تجاوزت غايتها الوصفية إلى الخلق والبناء، وهذا ما يقوم به الروائي المتمكن، حيث يفترض للرواية تتمة في وعي القارئ وأفق توقعاته. استخدم الكاتب اللغة الفصحى المجازيّة دون الاستغناء عن قليل من العاميّة، التي تضفي على الرواية صبغة واقعية. وقد أراد الزيدي من هذا المستوى اللغوي البديع المتوحد بلا تنافر ولا نشاز هوية لروايته وهي لغة مطعمة بالكثير من الأساليب، أكتفي منها بالإشارة إلى أسلوب الغمز الساخر والعبثي في بعض اتجاهاته، خاصة في أثناء التعليق على الأحداث السياسية من مثل وصفه لـ(الشوارع التي تحوّلت إلى يافطات للشعارات الثورية التي كلما أكلت العوامل الطبيعية حروفها تطالعنا المناسبات المتلاحقة بطبعات جديدة مزيدة ومنقّحة) وكذلك تعليقه على ( الهزائم العربية التي تحوّلت إلى نصر في الشعر) وانكفاء مصطفى الأخ الثاني للكاتب من الماركسية إلى الصوفية وتصوير المشهد العربي المتناقض (كأنّ دورة حياة هذه الأمّة قد انتهت، وها هي تقتات على بقايا الأوكسجين في جيوب الأصوليات القومية والدينية).
رواية «حب تحت الأنقاض» نظام خاص من الكتابة يتوخى حرية القارئ في التأويل وتتبّع الخفيّ المسكوت عنه.
كاتبة سوريّة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية