الفن والالتزام في هذا الزمن العنيد

حجم الخط
0

عبد الله المساوي كثيرا ما أرى في بلدي المغرب وفي بلدان عربية أناسا اختاروا عدم الظهور في ساحات الفن بمختلف تجلياته البعض منهم فضل الانزواء، والبعض الآخر مات كمدا في صمت ولم يعد يتذكره أحد. الفئة الأولى من الفنانين لم يكن اختيارها هذا نتيجة لكون أصحابها ضعفاء استكانوا لحالهم وقعدوا في بيوتهم، بل على العكس لقد صدمهم واقع بلدانهم المترهل والذي افرز التفاهات والتافهين، فأصبح التملق والنفاق عنوانا للوصول، ومحاباة كبار القوم. فترى الكثير من الفنانين يصعرون خدودهم ‘كالبعير’، عند ظهور إعلامي، فيجلسون في المقاهي ويحتسون القهوة السوداء، فيتقاذفهم الغرور والكبرياء، ويتلقفهم ‘تضخم الأنا’! فبدل أن ينظف بعض الفنانين والفنانات العرب أنفسهم ويخدموا مجتمعاتهم بفنهم الراقي تراهم يمارسون ‘الاستمناء الثقافي’ باسم فن من الفنون غير آبهين بما قد ينتج عن ذلك من مصائب ومآس على بني جلدتهم وتطور مجتمعاتهم، وقضايا أمتهم. فتراهم يتهافتون على مهرجانات هنا وهناك، مؤتمرات هنا وهناك، فيحجز لهم أماكن في فنادق ‘مأجورة’ لكي يرجعوا إلى أوطانهم ويعيثوا فيها فسادا: فهذا كاتب ‘يشتغل ليل نهار بمدح سيد له يغدق عليه أموالا’، وتلك مغنية ‘أهـّلها’ جسدها لأن تغني كلمات قصيدة غزل نظمها أحد حاشية ‘أمير’ له ‘نزوة تيس’! و’ بئر بترول’! . وذاك ‘رسام’ رقي إلى الشهرة العالمية لأنه استطاع أن يرسم ‘شعار حزب’ بفنية عالية! والمشكل الحقيقي عند الكثير من هؤلاء هو أنك عندما تحاول إقناعهم بأن الفن يرتبط ارتباطا وطيدا بالالتزام بقضايا المجتمع، والاشتغال بالسمو والعلو بذات رجل الشارع العربي المطحون والمقهور بنار القضايا القومية والاجتماعية والاقتصادية والتي أصبحت ملازمة لقوته اليومي، تجد نفسك أمامهم مذهولا من أثر ما يمكن أن تسمع، فقد باح لي أحدهم يوما أنه ليس ‘بشاعر’ وأن لا علاقة له بالشعر لا من قريب ولا من بعيد وأن كل ما في الأمر أنه قد اضطرته ظروفه الاجتماعية إلى الاسترزاق وإلصاق نفسه بحزب من الأحزاب ‘لغاية في نفس يعقوب’. فاختزل الثقافة كلها في ‘شعر الحزب’! ، وعندما تعمقت أكثر في شخصه وجدت أن كل شيء في ذاته مقلوب رأسا على عقب، واقتنعت بأن القهر والتسلط فعل فعلته فيه فأصبح يتماهى مع قيم ‘المطبعين’ ويبرر أفعالهم ويشن حربا كلامية على شعراء العرب العرباء ولا يتوانى في التشكيك حتى في صحة أشعار بعضهم. بلداننا العربية تعج بالكثير من هؤلاء الذين لا هم لهم إلا التسلط على الفن فحولوه إلى ‘حرفة’ لها دكاكينها وسماسرتها، وحتى فضائياتها… حقيقة إن المرء ليصاب بالذهول وهو يرى بعض ما آل إليه فن الكوميديا العربية مثلا على شاشات بعض الفضائيات، فالنمطية والابتذال والاستخفاف بعقل المشاهد هي القواعد السائدة. شاهدت الأسبوع الفارط حلقة من مسلسل من إنتاج دولة خليجية يذاع على إحدى القنوات العربية وأصبت بالغبن والحسرة وأنا أرى ممثلين ‘مكرشين’ يجدون صعوبة في التعامل حتى مع أجسادهم فضلا عن الكاميرا والنص، بل لا أجانب الصواب إن قلت إنهم أصبحوا يشكلون ‘كوابيس’ حقيقية للمشاهد. أما الممثلات واللواتي يبدين أنهن تشوفن بكل أنواع صباغ الدنيا… فهن يظهرن على أنهن ‘أدوات ثمينة’ تم اقتناؤهن من طرف أزواجهن، وقلت مع نفسي هل هذا هو النموذج النمطي الحقيقي للإنسان العربي في المشرق؟ وإذا كانت هذه المسلسلات تعكس فعلا واقع هذه المجتمعات الاستهلاكية فعلى الأقل على المخرجين وفناني هذه الدول العمل بإخلاص على تحسينها أو تغييرها وذلك ببث روح قومية الأمة، حتى يتسنى للمشاهد لهذا النوع من الفنون التمتع بالفرجة لا السقوط فريسة للاستفزاز الممارس عليه. إن الإنتاج الفني أو ‘المبدع’ هو واحد من الفاعلين الاجتماعيين له وظيفته في صيانة حتى أنظمة الحضارات بحيث يعمل على الرقي بمظاهر الأشياء وتهذيب سلوك الفرد داخل مجتمعه وربطه بالقيم الأصيلة. إن الفنان الحقيقي هو ذلك الذي ‘يطهر’ على الطريقة الأرسطية ( نسبة إلى أرسطو) ذوات بني مجتمعه، ولكن قبل ذلك يجب عليه أن يبدأ بـ ‘تنظيف’ نفسه، فهو لم يعد ملك ذاته بل ملك المجتمع بأسره. إن قضايا الأمة بجميع تمظهراتها تستوجب منه الالتزام لا الاستهتار. فإذا كان يمارس فن الشعر فهو يشعر بما لا يشعر به الآخرون إذن فهو شخص مميز أي ‘يوحى’ إليه ما لا يوحى لغيره من العامة، وعليه والحالة هاته، أن لا يعبث بقضاياهم المصيرية ولا يخذلهم كما يفعل الكثير منهم اليوم.

وعندما تسأل البعض منهم عن سبب تحولهم من مناصرين للقضايا إلى ‘مطبعين’ يجيبونك غير مكترثين ‘إن ذلك من عزم الأمور’ أو’ إن المجتمع يتطور’!. إن الفرد العربي، المغلوب على أمره، تنتابه كباقي شعوب البسيطة كل ألوان الوجدانات والمشاعر من البهجة، والدهشة، والخوف، والشجاعة، إذن فهو ليس ‘حجرا’ انه إنسان شاءت أقدار هذا الزمن العنيد أن يتكالب عليه كل من هب ودب باسم الفن. في سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن كانت الساحة الفنية بكل تجلياتها لا تسمح بالبقاء إلا للأرقى بحيث كان الفنان ملتزما مع نفسه وجمهوره يتعب ليل نهار غير متاجر بثوابت اللغة، الهوية والمعتقد… بل يكد ويكابد إلى أن يصل إلى إرضاء ذوق جمهوره ويأتي الجانب المادي لديه غالبا في المرتبة الأخيرة. كان الفنان مرآة صادقة تعكس صدق وأصالة وتراث البلد الذي ينتمي إليه وسفيرا حقيقيا ينقل للعالم آمال وأحلام الشعب الذي احتضنه، أما اليوم فتحت عناوين ‘ستارات’، ‘كستينات’ ‘يفرخ’ المئات من الشبان والشابات الذين لا يحسن إلا القليل منهم الحديث بلغة الضاد رسالتنا إلى الساهرين على الفن في وطننا العربي أن يتجهزوا لأهل ‘العفن الجدد’ فانهم باضوا وفرخوا… كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية