الفنانة داليا عبد الرحمن
يُعدُّ تأسيس المفاهيم الوطنية الإنسانية مدخلا مهما لظهور المنحى النضالي التحرري في الأعمال التشكيلية، وهو محور اهتمام حداثي مهد لإعلاء التقاليد الوطنية، تناوله ديلاكروا في «الحرية تقود الشعب» (1930) وبيكاسو في «جارنيكا» (1937) وقبلهما غويا في لوحة «مذبحة الثالث من مايو» (1814) التي مثلت منعرجا تاريخيا مهما في التشهير بالتجاوزات الإجرامية النابوليونية الفرنسية ضد الإسبان، هذا إضافة إلى الدور الحقيقي للفن الاشتراكي خلال الفترة السوفييتية في تناول القضايا والموضوعات الوطنية الشعبية وتمجيد النضال السياسي والحزبي رغم تفاوت مستوى القراءات.
وجدت هذه المفاهيم الثورية الحديثة صداها في الفضاء العربي، وإن بشكل مختلف ينطلق أساسا من رد الفعل تجاه سطوة وظلم الأدوات الغربية الضاغطة والمسيطرة على القرار المحلي سواء في ميدان الجغرافيا السياسية في الاقتصاد والتنمية أو في الفكر والثقافة وهو موضوع حديثنا. تم ذلك من طرف فنانين تشبعوا في مرحلة أولى بالمبادئ الأكاديمية لأصول الفن والجمال، ثم في مرحلة ثانية باحتضان ورعاية أمهات القضايا وتوصيفها وتوصيلها للعامة بتوظيف ما جمعه واستخلصه كل فنان في حقله المعرفي الجمالي، من خلاصة أبحاث وعميق إيمان صارخ.
وجدت التشكيلية الغزاوية داليا عبد الرحمن في مسار منجزها البصري منذ بداياتها بعد تحصلها على درجة البكلوريوس في الزخرفة في جامعة الأقصى منذ 2012 مدخلا لتوظيف قضيتها المركزية الأولى، وهي حرب غزة الأولى والتالية والحالية كألوان نضاليّة لتوصيف الوجع الفلسطيني والتشهير بالجشع العدواني لمغتصب الأرض والعرض، لتصبح بذلك إحدى صناع أتيليه غزة النسوي التابع لجمعيّة الشبّان المسيحيّة، ظهر ذلك جليا في مجمل أعمالها التشكيلية المعبّرة عن القضيّة الأولى، لاسيما في القطاع المدمّر. أتقنت فيه – بأسلوب حساس يجمع بين الرمز والتجريد والانطباع نقل المعاناة الإنسانية لجمهور المنطقة العربية والعالم باستدعاء مقومات تأثيرية جديدة ذات جمالية رهيفة وحساسة بتجليات ورديّة ولازورديّة ساحرة، مع التأكيد على حضور الخصوصيات النضاليّة من خلال الوضعية الحركية للأجسام المعلقة وتأسيس وازع حب البقاء. ينعكس ذلك في الاختيارات اللونية التي تتراوح في أدنى درجاتها من الأزرق السماوي إلى التركي (الصمت) وفي أعلى درجاتها من الوردي إلى البنفسجي فالأسود الذي يتجاوز الإطار ويخرج من حدود النوافذ (الصوت).

«محاصرون» 2019 ـ اكريلك على كانفس
تم حرقه من قبل الاحتلال بعد قصف المرسم ( أتيليه غزة) داخل جمعية الشبان المسيحية في غزة.
وللخروج من بؤر المحدودية تسلحت داليا بمعان عديدة حضر أغلبها في لوحة «محاصرون» التي حولت السجن إلى محطة انبلاج للعبارة الحرّة والصمود، ووجع التحديات إلى طعم انتصار تاريخي، وهو ما يحدث منذ ما يقرب من السنة في حرب غزة الحاليّة. ورغم أن الفنانة لم تدخل ورشتها منذ ذلك الوقت ( بداية الحرب الأخيرة) وتعرضت أغلب أعمالها للحرق والإتلاف تحت ركام الدمار الهائل، قبل أن تصبح أخيرا لاجئة مصر، إلا أن مجمل أعمالها البصريّة تستلهم حضورها من معادلة هدوء الصورة وانفجار المعنى الحاضرة بقوة في شخصياتها الأنثوية كتعبير عن خصوبة لا متناهية وبذرات فلسطينية متعاقبة تلقي ظهرها دون خوف لهزات البارود، وتسلح إرادتها من غدق السنتيمترات القليلة المتبقية داخل الزنازين، بتحويل الضيق والحصار، سواء في حيز المساحة أو في حيز العبارة إلى فسح لونية واعدة، تاركة المجال لتصاعد لوني نيراني مهيب يهيئ لشخصية كارزمية مؤمنة بقضيّتها، لا تكل ولا تمل، رغم انغلاق الخطوط وتشابك الأسلاك من كل حدب في هذا العمل البصري. وهي فرص صعبة تفتح المجال للمواجهة بإيمان أكبر وبعقيدة عمياء لتحرير كل حبة رمل وتحويل حرارة الألوان وحركية الأجسام داخل الخانات السجنية إلى احتفالية انتصار تاريخية لا تُنسى.
الحركة في الزوايا الضيّقة مشروع نضالي ضد الاستسلام
رغم أن «صامدون» تعد من أعمال ما قبل الحرب الحالية الأخيرة، وتعود إلى سنة 2019، إلا أن بنية العناصر المنصهرة في داخلها انصهار الحمم في البركان تكاد تكون ناطقة ذات طبيعة معاندة لا تخضع لإكراهات الشكل ذلك أن تعدد رسم الخطوط في الخانة الواحدة يحول العمل من أيقونة إلى قراءة حية متداولة، تبدو الفسحة فيها ممكنة بين الأشكال المرتجلة والخطوط المتحركة، التي ترسم في كل مرة حدودا جديدة للكائن وتفتح فضاءات إضافية مغايرة رغم المحدودية. يتم ذلك بفعل إتقان الفنانة داليا للأبعاد الثنائية والاهتمام بريليف الأجسام عبر إدماج الخطوط العريضة وتأطير المساحات الملتهبة، وتحويل الأجسام المشتعلة في الظلام إلى نوافذ أمل ناطقة بصمت، يعبر عن حرقة تتوق للاندفاع نحو الحب والأمل والحريّة. فكأن انحسار الحركة بدا زائلا، يبشر بانتهاء القيد واندحار الجلاّد الذي يلبس قناع الضحية في كل واقعة، يستنكر أفعال النازية، بينما يواصل صناعة التفنن فيها كل مناسبة. هذا ما يجعل الخيارات التأثيرية تميل بديناميكية لافتة إلى مناحي تشكيلية متعددة من المستقبلي (الحركة، تصادم الألوان، الوقت، السرعة) والانطباعي الجديد (التجاور والتراكب، لمسات الخطوط، لمسات الخلفية، الضوء) فالرمزي (الطائر الأبيض، الأشكال، الأحجام) وهذا كله انتصار لمعاني الخير على معاني الشر وطلب للمجد والخلود ورسالة انتصار وسلام دائمة لن تتأخر كثيرا حسب تأويلات وتفسيرات الميثولوجيا العربية.
كاتب تونسي