الفوضى.. أو مايشبهها!

حجم الخط
0

عناية جابر تخطو بيروت كل ساعة خطوة جديدة بطيئة لكن ثابتة نحو انحلال النظام. في كل ساعة يأتيك خبر خطف أحدهم على االجيبةب. درج اليوم خطف الأغنياء والزناكيل لقاء فدية محترمة. العصابات لم تعد تخاف من أجهزة الدولة. صارت تعمل خلال أوقات العمل النهارية وترتاح مثلها مثل كل الناس مساءً. السلطة المركزية تتراجع في بيروت أمام ليس فقط عصابات السلب والخطف بل هي تتراجع في كل المناطق أمام عودة رياضة حمل السلاح وظهوره العلني. البراكين بدأت ترسل إشارات الإنفجار والجميع يتوقع رؤية الحمم قريباً. الطوائف الرئيسة انتقلت من الخطابات العسكرية الى المظاهر العسكرية. القنابل الصوتية تنفجر كل ليلة في بعض الأحياء. إشتباكات متقطعة في أحياء اخرى. ميليشيات تقتحم احدى المستشفيات لبتحريرب موقوف يحرسه عدد من رجال الأمن الداخلي الرسمي. الحدود مع سوريا شهدت هي ايضاً حماوة ظاهرة وتبادلا متقطعا للنيران من جميع انواعها. مدن لبنان بأغلبها تشهد غلياناً واضحاً وعسكرة أوضح. الجيش اللبناني يواجه نقاطاً ساخنة تزداد يوماً بعد يوم ولا يملك سلطة قادرة على حماية تحركه فتحول الى شاهد سلبي على ما يجري.القطاعات الإقتصادية بدورها تنكمش وتتحضر للقطوع المعلن. البطالة تزدهر والخدمات العامة, أو ما بقي منها, من مياه وكهرباء تصل بطلوع الروح الى المنازل. الفساد والعمولات والعمليات التجارية المشبوهة, بما فيها الأدوية, وحدها تزدهر وعلى نحو ملفت.المجلس النيابي معطل ولا يجتمع نتيجة مقاطعة بعض امكوناتب الوطن. بعض اللجان النيابية تجتمع لكي تعد للبنان الغد ا نظام إنتخابي عصري وعادل ومنصفب. هيئة الحوار التي من المفترض ان تلتئم بين امكوناتب الوطن لكي تبحث في المسائل الخلافية الكبرى لم تعقد جلسة لها منذ شهور ومن غير المتوقع ان تعود قريباً الى الإجتماع. الحكومة وحدها ما زالت تجتمع لكي تنأى بنفسها عن كل خلاف داخل وخارج لبنان.الى ذلك رأت الهيئات النقابية للمعلمين الفرصة مؤاتية لكي تعلن إضراباً اعترفت الحكومة ذاتها بأحقية مطالبه لكنها امتنعت عن رصد النفقات بحجة عدم وجود موارد مقابلة له في الموازنة. أزمة إقتصادية خانقة تضاف إلى أزمة إجتماعية مفتوحة وعلى خلفية أزمة وطنية وأهلية تنتقل الى مواجهات حامية حسب المناطق. اللبنانيون مختلفون فقط حول الموقف من المقاومة وإسرائيل وحول الموقف من سوريا وحول نظام الإنتخاب وحول المحكمة الدولية وحول السياسة الإقتصادية والإجتماعية ومتفقون حول الباقي. النار تشتعل حول لبنان وتمتد تدريجاً الى مناطقه الحدودية دون أن تتوقف. فمن يستطيع وضع حد لامتدادها في مثل هذه الشروط ؟ بعض الأنباء تتحدث عن نصائح تصل الى المسؤولين اللبنانيين بضرورة تبريد الأجواء لكن عبثاً. جنون عبثي يستبد باللبنانيين الذين لم يتعلموا كما يبدو من دروس آخر حرب أهلية لم تلتئم جراحها بعد. ذلك أن الديكور المشكوك في بيروت لا يشبه ديكور ثورة لإسقاط النظام بل مقدمات حرب أهلية طائفية جديدة. ما يجري حالياً في بيروت يشبه ما جرى عشية العام 1975 عندما انقسم البلد الى شارعين طائفيين كبيرين توزعا يومها على إنقسام إقليمي أكبر. وما أشبه اليوم بالبارحة. لا حاجة اليوم لأكثر من إنقسام إقليمي جديد على خلفية صراع دولي كبير حتى تشتعل التناقضات الأهلية الداخلية التي يمضي اللبنانيون كل وقتهم السلمي لكي يتفادوا انفجارها.لطالما تردد ان لبنان مرآة المنطقة العربية فإذا صح ذلك فالويل لنا في هذه المنطقة مما يجري. تقوم الإنتفاضات من اجل إسقاط النظام فيتبين ويا للمفارقة أنها المهمة الأسهل فتنتصب أنظمة أعمق وأقوى عزيمة وأكثر تعددا في قلب المجتمع الواحد. السلطة والنظام عادة هما أعلى أشكال التنظيم الدولتي ومن المفترض أن يؤدي انهيارهما الى انهيار الدولة ذاتها. السلطة والنظام عادة هما مسرح السياسة إلا عندنا حيث تبدو شخوص السلطة كدمى مربوطة بخيوط يديرها أناس أعلى سلطة يختفون خلف المسرح.العودة إلى التجربة اللبنانية تفيدنا بأن انهيار النظام في ظل الشروط الحالية لا يسقطه لانه رمزي يلي الأحكام ولا يحكم. تنهار السلطة كلياً ويستمر اعملب المؤسسات بقيادة وإدارة من هم خلف السلطة. ينقسم البلد إلى قسمين متحاربين وتنقطع الطرقات بين مناطقه إلا لحركة نقل المعاشات والأجور والبضائع. ينشطر البلد فيتنظم فوراً حول بناه التقليدية كان شيئاً لم يكن. الدولة وجهة نظر في بلادنا، على حد قول البعض. فهي لا تحتكر العنف بناء على عقد إجتماعي مركزي بل على عقد إجتماعي غير مكتوب وغير نهائي. العقد الإجتماعي العربي، إذا جاز القول، مؤقت يقوم إما بناء على القوة وإما على توافق مرحلي تقبل به امكوناتب المجتمع على مضض. وهي تعود لتنقضه في أول فرصة مناسبة وبناء على تغييرات داخلية ديموغرافية، إقليمية، أو دولية.الحرب الأهلية الأخيرة انحصرت آنذاك ضمن حدود لبنان وكان المحيط هادئا نسبياً فيما تستعد اليوم للإقلاع في محيط مشتعل يشكل هو وقودها. إشتعال الحرب هذه المرة سهل لكن إيقافها سيكون من سابع المستحيلات وقد يكون ذلك هو المطلوب. ربما كان المطلوب فوضى خلاقة تعيد صياغة الجغرافيا والمصالح والمحاور في المنطقة على نحو جديد.على أي حال إذا كان ما يجري في لبنان حالياً ليس الفوضى فإنه يشبهها كثيراً.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية