يُبدي الكاتب ‘الإسرائيلي’ اوري اليتسور تخوفه من أن يفضي ‘تفكك الأطر’ القائمة في المنطقة العربية إلى استيقاظ ‘الجبار المسلم من سبات مئات السنين’، للمطالبة ‘بالكرامة التي يستحقها في العالم’. في مقال كتبه، الأربعاء الماضي، في صحيفة ‘معاريف’ ‘الإسرائيلية’، بعنوان ‘صوت اسماعيل’، نشرت صحيفة ‘القدس العربي’، الخميس، ترجمة له؛ يتحدث ‘اليتسور’ عن تسارع الأحداث في المنطقة العربية باعتبارها ‘تفكيكا لكل الأطر وانزلاقا نحو الفوضى’: ‘أنظمة تسقط، جماعات تقاتل بوحشية الواحدة الأخرى […] يصطدم العلمانيون بالمتدينين والسنة بالشيعة والأقليات الأخرى، كراهيات عتيقة وولاءات قبلية تنبعث إلى الحياة؛ ولكن الصوت الصاعد من تحت كل هذا الزبد العاصف هو حيوية عظمى لها لغة واحدة، ثقافة واحدة، ودين واحد’. وإذ يؤكد خوفه من الانزلاق العربي الحاصل نحو العنف والفوضى؛ يقول إنه ‘لا يمكن أن نعرف كم من الوقت سيمر إلى أن ينجح أحد ما في السيطرة على هذا البحر العاصف ويقيم القوة العظمى الإسلامية العالمية’. وفقاً لكاتب المقال، فما يحدث في المنطقة العربية ‘ليس حدثاً موضعياً، بل أحداث متواصلة’. ورغم أنه يُصنف ما يجري باعتباره ‘انزلاقا نحو الفوضى’؛ إلا أنه لا يرى أن ذلك يُمثل ‘بشرى مفرحة’ له ولشعبه. يستطرد: ‘العالم الناعس والكسل الذي كان حولنا يوشك على التغير، وهذه ليست بشرى مفرحة لنا’. انزلاق المنطقة العربية نحو الفوضى، أصبح مقلقاً، بالنسبة لكاتب ‘إسرائيلي’ متعصب، هو اوري اليتسور. كان يُفترض بي إنهاء الجملة السابقة بعلامة تعجب؛ غير أنه ليس هناك ما يدعو للعجب؛ ذلك أن ‘تفكيك الأطر’، بهذا العنف الحاصل في المنطقة العربية، يُعد مؤشراً حقيقياً إلى تحرك العرب نحو زمن جديد يُفترض به أن يُحررهم من صورتهم النمطية التي تقدمهم كمجتمعات ‘ناعسة وكسولة’. سبق أن كتبتُ أن من المستحيل وصول المجتمعات العربية إلى الديمقراطية عبر قرار سياسي. ذلك الحديث استدعى القول، حينها، بأن من الخطأ الرهان على قيام ثورات الربيع العربي بعملية نقل سريعة للمجتمعات العربية نحو الديمقراطية والتحديث والتطوير. يقتضي هذا الأمر إعادة التأكيد بأن الثورات تُحدث تحولات كبرى في حياة الشعوب؛ بيد أن الديمقراطية والتحديث تتم في سياق وطني لاحق للثورات، لهذا تحدث كثيرون عن ضرورة الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة. والواقع أن اللحاق بالتطور، والمجتمعات العصرية، لا يُمكن أن يتم إلا عبر تحديث التعليم، وتطوير البنى الاجتماعية، والذهنية الوطنية العامة، بما يؤدي إلى حدوث تراكم علمي وقيمي في الوعي العام يُفضي إلى تحول حقيقي في الحياة اليومية وأنماطها وسلوكياتها. يؤكد تاريخ التطورات الإنسانية استحالة خروج الشعوب من حالة التخلف والاستلاب دون المرور بحالة الفوضى، أو دون الانزلاق نحو الصراعات الدامية والعنيفة. العالم المتقدم لم يجد نفسه متقدماً استجابة لقرار سياسي، بل سار نحو التطور ضمن سياق تاريخي شهد صراعات وحروبا دامية أرست منظومة قيم أخلاقية عامة. الصراعات الاجتماعية والسياسية تُنضج المجتمعات، وتدفعها نحو التقدم، واحترام القانون والحقوق والحريات. الحروب الطائفية لا يمكنها، مهما كانت وحشية ودامية، إلا أن تؤدي إلى الاعتراف بالآخر وحقوقه، وتدفع، تالياً، نحو تكريس المواطنة المتساوية. الصراعات الداخلية لا يُمكنها، مهما كانت عنيفة، إلا أن تفضي إلى خلق وعيٍ يُكرس قيماً وطنية عامة تُعزز حضور المواطن الفرد على حساب مفهوم ‘الراعي والرعية’، وتُكرس حضور الوطن الدولة على حساب مفهوم ‘الوطن القائد’. بالضرورة، سيؤدي هذا إلى إعادة تعريف الوطنية والوطن، وتحرير الأخير من الارتباط القسري، الذي جعله يُختزل في شخصية الرئيس المستبد، وجعل هذا يحضر كتعبير رمزي له. وفقاً لذلك، لن يغدو الوطن هو ‘الرئيس القائد’، بل هوية وطنية عامة تُجسد الشعب وطموحاته، على حساب أجهزة السلطة التي استعرضت قدرتها على احتكار العنف الرسمي وممارسة وفقاً لأمزجة ورغبات القائمين عليها. التحولات العربية الحاصلة مقلقة؛ غير أنها إيجابية، مهما كانت عنيفة ودامية. لا معنى لاستقرار المجتمعات عندما يكون هذا الاستقرار مجرد إذعان لسطوة الديكتاتوريات المريضة. وتجربتنا العربية تؤكد أن ‘الاستقرار’، و’الأمن الاجتماعي’، و’السكينة العامة’، كانت مجرد شعارات مخاتلة استخدمتها أنظمة الاستبداد لتبرير القمع والعنف الرسمي الموجه نحو الأفراد والجماعات، ما فرض على المجتمعات عمليات قسر عامة أفضت إلى ضرب الوعي الوطني العام، ودمرت الطموحات الفردية ودجنتها. لقد جرى فصل هذه الشعارات عن دلالاتها الوطنية، وسياقاتها اللغوية المباشرة؛ إذ منحتها أنظمة الاستبداد معاني أخرى، حتى أصبح ‘الاستقرار’ لا يعني تحقيق الحاجات الأساسية للمجتمع، بل قوة القبضة الأمنية والبوليسية على الحياة العامة! تكمن أهمية ثورات الربيع العربي في كونها حركت المياة الآسنة في المجتمعات العربية، وحررت الحياة العامة فيها من أمزجة الحكام، وأزمنتهم الخاصة. كنا نعيش أزمنة علي عبد الله صالح، معمر القذافي، حسني مبارك، وزين العابدين بن علي؛ غير أننا تحررنا، بشكل مبدئي، من سطوة تلك الأزمنة؛ رغم أننا مازلنا نعيش ضمن تداعياتها. كان هناك ‘استقرار أمني’ نسبي خلال حكم هؤلاء؛ غير أن مجتمعاتهم كانت ميتة. كانت ميتة لأن تطور الحياة فيها توقف، وارتبط بحركة وشخوص هؤلاء الرؤساء، وأمزجتهم المتقلبة، التي أوقفت أزمنة مجتمعاتها عند أزمنتها الشخصية، وألحقتها بها، فأصبحت المجتمعات لا تعيش أزمنتها الخاصة، بل أزمنة رؤسائها. لقد أصبح لنا، كعرب، زمننا الخاص. وأياً كانت الفوضى القائمة اليوم، متجسدة بالإرهاب والعنف والصراع الطائفي، فهي تُعبر عنا، وعن إرثنا، بكل أمراضه وعاهاته، ونحن نعيشها ضمن زمننا الخاص، وليس ضمن زمن ‘الرئيس الضرورة’. وفقاً لذلك، فانزلاقنا نحو الفوضى هو مسار طبيعي للتحرر من إرث أنظمة الاستبداد، وأزمنتها، وعلينا أن نعيشه بوعي متفهم له، ومُدرك أنه، رغم سوئه ودمويته، أفضل من ‘الاستقرار’ الكاذب، الذي لم يُحقق لنا شيئاً؛ لأنه لم يكن يُعبر عنا، وعشناه ضمن أزمنة الاستبداد، وليس ضمن زمننا الخاص. لم تُسيطر الأنظمة العربية على المكان فحسب، بل سيطرت أيضاً على الزمان؛ فربطت أفراد شعوبها بـ ‘حالة من فقدان الذاكرة العامة’، طبقاً لتعبير ماركيوز. أدت هذه السيطرة إلى تحول السلطة إلى ‘آلة ساحقة لقمع الفرد’ ظهرت قوتها الفعلية في قدرتها على ‘احتلال أمكنة الدفاع لدى الناس، واستنفاد طاقاتهم’، طبقاً لبرنار نويل. الوضع العربي الحالي سيئ؛ لكنه مسار طبيعي، ومرحلة لا يُمكننا القفز عليها؛ ذلك أن المجتمعات التي توحدت مع عمليات القسر والقمع العامة تتجه نحو التعبير عن نفسها من خلال هويات وأدوات بدائية وهمجية: الصراع الطائفي، والعنف السياسي والاجتماعي العام. إن التحرر من الاستبداد العسكري والسياسي يدفع آلاف الأفراد المنتمين إلى الفئات الاجتماعية الأدنى والأشد فقراً نحو التعبير عن أنفسهم عبر العنف. عندما يُصاب الناس بالإحباط العام، والفشل الذاتي، يلجأ آلاف منهم إلى تنظيم القاعدة، الذي جعل من الإرهاب ساحة لتحقيق ذوات المحبطين. وإذا كانت الفوضى بداية حقيقية للتقدم السياسي والاجتماعي؛ فالإرهاب إحدى أدوات التعبير الذاتي لمرحلة ما بعد أنظمة الاستبداد والقمع. لا أعرف المدى الذي ستبلغه الفوضى، أو الإرهاب، في المنطقة العربية؛ لكني على يقين من أنها مجرد أعراض ستنتهي، وستبقى آمال شباب ثورات الربيع العربي وطموحاتهم. نحتاج تضحيات أكبر كي نُغادر أزمنة أنظمة العسكر ونصل إلى زمننا الخاص. مازلنا في بداية الطريق، وهناك ضوء في نهاية النفق. يجب أن نواصل السير.