المسألة الوحيدة التي تتعامل معها الإدارة الأمريكية بمنتهى الوضوح بعيدا عن المراوغة واللغة الدبلوماسية هي القضيية الفلسطينية والحق الفلسطيني، ومن شأن هذا الوضوح أن يقدم للعرب عموما والفلسطينيين خصوصا تغذية راجعة مبكرة تساعدهم على وضع خطة تتلاءم مع التهديد الأمريكي باستخدام الفيتو ضد عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة، فالإدارة الأمريكية لم تتحفظ ولم تراوغ في هذه المسألة على الإطلاق. وعلى الأنظمة العربية التي تبنت بالإجماع مبادرة السلام العربية والموقف الفلسطيني بالذهاب إلى الأمم المتحدة أن تكون واضحة في ردود أفعالها من الآن سلبا أوإيجابا إزاء التهديد الأمريكي المبكر باستخدام الفيتو ضد إرادتهم ورغبة شعوبهم، فهذه فرصتهم التاريخية للتخلص من عبء ثقيل طالما قايضوه بمصالح ضيقة أطالت عمر الكيان الصهيوني وعمر الوجع الفلسطيني. فالظرف الدولي مهيأ ليستخدم العرب الفيتو لأول مرة في وجه الإدارة الأمريكية التي تعلن بوضوح انحيازها الظالم للكيان الصهيوني، وأمريكا التي تعودت أن تهز العصا في وجه العرب هي ليست أمريكا الأمس، هي نمر مثخن بالجراح الأقتصادية والكوارث الطبيعية ويتوجس من الثورات العربية والتحولات في المنطقة والعالم. لتعلم الأنظمة العربية والدول الإسلامية والمنظمات الإقليمية والأحزاب في الوطن العربي أن استخدام أمريكا للفيتو ضد ارادتهم وضد الحق الفلسطيني هو إعلان حرب على الجميع وليس على الفلسطينيين وحدهم، وهذا يقتضي ردود فعل موازية لهذه الحرب الأمريكية المعلنة، التي تسعى إلى بقاء القضية الفلسطينية في الفريزر الأمريكي الصهيوني، لتتيح للكيان الغاصب مزيدا من الوقت لاستكمال مشروع التهويد وقضم الأرض وتسمين المستوطنات. وحرب معلنة بهذه الوقاحة تقتضي هبة عربية رسمية وشعبية تلقن الأمريكان درسا، وتجعلهم أمام خيارين لاثالث لهما إما الإقرار بالحقوق الفلسطينية وإما المصالح الأمريكية في المنطقة العربية وعلى مستوى العالم الإسلامي؛ والشعوب العربية والإسلامية والفلسطينيون في الداخل والشتات قادرون على خوض هذه المعركة وهذه مسؤولية الأحزاب والمنظمات الإقليمية بدعم من الأنظمة؛ ولو مر الفيتو الأمريكي ضد الحق الفلسطيني دون رد فعل ملائم ومواز؛ فإن الكيان الصهيوني سيتمادى في غيه وجبروته، وستمعن أمريكا في ردود فعلها المعادية للحق العربي في فلسطين.
استحقاق أيلول في الأمم المتحدة محطة مفصلية في مسار القضية الفلسطينية وهذا يستوجب وعيا وتنظيما وتنسيقا، لتكون ردود الفعل موازية لتداعيات الحدث والفيتو الأمريكي المعلن من الآن. والتقاط اللحظات التاريخية والتعامل معها بوعي يغير مسار التاريخ، والفرصة مهيأة للأنظمة والشعوب والأحزاب في الوطن العربي والعالم الإسلامي لتحقيق إنجاز يعلم الآخرين كيف يتعاملون مع حقوقنا وقضايانا، فنحن الذين نعلم الآخرين كيف يعاملوننا وهذه قاعدة أساسية، في السياسة والعلاقات الإنسانية، وتركيا في مواقفها خير مثال على ذلك، وقد آن الأوان لترسيخ هذه القاعدة وفق الرغبة العربية، فهل نلتقط اللحظة؟ وهل ننتهز الفرصة التاريخية؟ سؤال برسم الأنظمة العربية والشعوب وجامعة الدول العربية التي عجزت حتى اللحظة أن تستثمر الطاقات العربية الكامنة.
د. أحمد عرفات الضاوي