الفيروس في تُموز

منذ صباح اليوم، شارك المدونون في مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من الصور الفوتوغرافية، والشرائط المصورة، والتقارير الصحافية، المؤكدة وغير المؤكدة، تخبرنا أن الفيروس اللعين COVID-19 قد فتك بمجموعة من النقاد الكاتبين الكرام، من ذوي الخدمة الأدبية في مجال نظريات النقد الأدبي الحديث، لم يشعر أحد ما من الجماهير الثقافية الناجية، بتناقص أعدادهم في الأشهر الأولى من الفيروس، فقد جرت الحوادث وكأننا في الحلقة الأولى من مسلسل درامي مدبلج، يبث من عدة قنوات فضائية في وقت واحد عن أسطورة الشرق الأوسط الكبير، حتى ظن بعضنا أن الفيروس اللعين هو أحد الألاعيب الصنمية في التمثيل السردي للعالم.
فقد ظل النقاد التطبيقيون يكتبون في الصحف التي تحولت إلى صحف رقمية، وربما اختفى بعضهم بسبب رفض إدارة الصحف منحهم مكافأة النشر (بسبب النشر الرقمي للصحيفة) لكن الأغلبية الساحقة منهم، وهم الذين يشكلون شبكة واسعة من المعادل الاتحادي (نسبة إلى دولة العراق الاتحادية) ظلوا مستمرين في كتابة مقالاتهم النقدية، ذات الطيف الصحافي الترددي الواسع، الذي يغطي الإقليم الأدبي المحلي، بل إن بعض الصحف عرضت في أحد الاجتماعات الافتراضية لمجلس إدارتها، أن تصدّر ما زاد من هذه المقالات إلى الصحف الأخرى في بعض الوزارات التي لا تدفع مكافأة النشر.
ومما يؤسف له، أن خلية الأزمة، التي شُكلت لمراقبة الحالة الثقافية للبلد بعد مهاجمته من قبل الفيروس اللعين، لم تفطن إلى تفشي بعض الأخطاء الجينية في خريطة الفيروس، وهو ما تسبب في فقدان العديد من النقاد الكبار. وما إن جاء تُموز في منتصف العام الفيروسي، ساخنًا، ساخطًا، ناقمًا على القدر؛ لأنه لم يستطع أن يقتل الفيروس اللعين، كما كانت تبشر أساطير الإقليم الأوسط الكبير، بوصفه المخلص والمنقذ من الوباء، حتى بدأ القراء العوام، والكتاب المجتهدون، والباحثون الأكاديميون والنقاد الصحافيون، والمحررون الثقافيون يشعرون بضيق في الساحة النقدية، ونحولٍ في الموضوعات المتداولة، وتشابه في الأعراض المصاحبة للمناهج النقدية الحديثة، وكأن أساطير العقاب والنجاة تعيد نفسها من جديد، فقد تعرضت المقالات النقدية المنشورة في الصحف الحكومية، والمعارضة، والأسطورية، والتجارية إلى نقص شديد في عنصر الإثارة، وصارت مترهلة، وجافة بفعل الفيروس الكامن فيها.
ربما كان القراء العوام هم أول من اكتشف ذلك؛ لأنهم الوحيدون الذين يقرؤون، أما الكتاب المجتهدون، والنقاد النظريون، فليستِ القراءةُ من وظائفهم، كما تعرفون، فهم يقشرون النصوص فقط، ومما يؤسف له أيضَا أن الصحف الحكومية، والمعارضة، والأسطورية، والتجارية لا تستقبل مقالة من أحد القراء المغمورين العوام، فقد رفضت صحيفة (…) الصادرة في (…) نشر مقالتي عن الأخطاء النحوية، والإملائية، والتركيبية في مقالات الناقد النظري الكبير فلان الفلاني، ثم رفضت صحيفة (…) الصادرة في (…) نشر المقالة نفسها، على الرغم من أن المحرر الثقافي وعدني بنشرها! وأخيرًا أرسلتها إلى مجلة (…) الشهرية الصادرة في (…)، ولما تُنشر بعد، ولن أنشرها هنا طبعًا، خوف ألا تُنشر هذه القصة!
وحده الفتى تُموز استطاع أن يقرأ بدقة خوارزمية الفيروس اللعين، فقد اكتشف سبب فتكه بالنقاد النظريين الكبار، وهم الذين ظنوا ذات يوم أنهم الوحيدون المخولون بالكتابة عن الشاب القتيل تُموز، وتجليه في العديد من النصوص المعاصرة. وما ينطوي عليه من إشارات جنسية، أو رعوية، وكم كانت مصادفة جميلة له حين اكتشف مقالات هؤلاء النقاد الكبار وكتبهم عنه، فقد اكتشف اللامنهجية، والتكرار الممل، والحشو الزائد، حد التخمة، والتعسف في تحميل النصوص ما ليس فيها، والأخذ من الآخر بدون الإشارة له، والأخطاء النحوية، والصرفية، والإملائية، والتركيبية، كل هذا أدى إلى ضعف مناعة هؤلاء النقاد النظريين الكبار، بل انعدامها! ولن يجد الفيروس اللعين صعوبة في تشخيصهم، والتكاثر في كتبهم النقدية المتهرئة أصلًا، وبسبب تفشي بعض الأخطاء الجينية في خريطة الفيروس التي لم تنتبه لها خلية الأزمة، راح الفيروس اللعين يفتك بكل ناقد عظيم، سواء كان كبيرًا في العمر أم صغيرًا، وسواء كان ذا منصب استشاري أو نقابي أو رسمي.
ثم اكتشف الشاب الجميل تُموز، أن بعض النقاد الذين فتك بهم الفيروس اللعين يتمتعون بقدرة منهجية مناسبة، وتخلو كتبهم من الأخطاء النحوية، والصرفية، والإملائية والتركيبية، والتكرار، و.. و.. ومع ذلك وجدهم الفيروس اللعين بلا مناعة؛ ففتك بهم؛ لارتباطهم بجهات مريبة، منحتهم بعض الامتيازات التي سلبتهم مناعتهم. سجل تُموز هذه الملاحظات في ذهنه، وشرع بكتابتها، لكنه لم يعرف، حتى هذه اللحظة، أن وسائل الاتصال قد تغيرت سريعًا، فما عادت الملحمة، أو القصيدة الطويلة، أو الرقيم المفخور هي وسيلة الاتصال المناسبة… فمذ صباح اليوم، شارك المدونون في مواقع التواصل الاجتماعي من القراء العوام، والكتاب المجتهدون، والباحثون الأكاديميون، والنقاد الصحافيون، والمحررون الثقافيون، مجموعة من الصور الفوتوغرافية، والشرائط المصورة، والتقارير الصحافية، المؤكدة وغير المؤكدة، تخبرنا أن الفيروس اللعين فتك بالشاب الجميل تُموز، وأن خلية الأزمة، أعلنت الحداد العام لمدة ثلاثة أيام، حتى الجهات التي تنكر وجود قتيل شاب باسم تُموز، بل تنكر وجوده أصلًا، قد أعلنت الحداد أيضًا. ويبدو أن التقارير الصحافية التي تحدثت عن فتك الفيروس اللعين بمجموعة من النقاد الكبار هي تقارير مفبركة، وغير صحيحة، فكل شيء، على ما يرام، وكما هو كان سابقًا.

٭ شاعر من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية