الفيسبوك: اعمل كومنت +لايك + شير!

حجم الخط
0

هناك ظاهرة على (الفيسبوك) لاحظتها كثيراً في أغلب الصفحات وتحديداً في ‘البوستات’ أو ما يسمى المنشورات ألا وهي ظاهرة ‘الإمعية’ وعدوى الأخطاء الإملائية، وسأوضح ذلك في هذا المقال لضرورته وأهميته أحياناً وخطورته أحياناً أخرى كما سنرى، وسأكتفي بعرض ثلاث مشاهدات لي فقط من خلال قراءاتي وذلك على سبيل المثال لا الحصر، ولكني سأعلق على عدة نواحٍ بارزة انطلاقاً من هذه المشاهدات، وأخص بالذكر هنا الصفحات الغير شخصية والغير رسمية، وإنما تلك التي تتمثل في مناصرة قضية معينة أو في تمثيل جالية أو مجموعة ما بشكل غير رسمي.
للدخول في الموضوع مباشرة فإني سأقوم بعرض المنشورات التي قرأتها وإحداها – وكما ورد-: ‘احفظ هذه الحكمة في حياتك: لا تحاول الوصول إلى إنسان…لا يحاول الوصول إليك’، ومنشور آخر: ‘لا خير في شيء يرحل..فلو كان فيه خيراً لما رحل’، ومنشور آخر ثالث: ‘طبعاً الكل يعلم بأن البطل الجليل الصحابي خالد ابن الوليد رضي الله عنه هو من هدم عرش كسرى.’
قبل التطرق إلى المنشور الأول فإنه من اللافت أن نسبة كبيرة من الردود على المنشورات تأتيك ب ‘نعم..كلامك مظبوط..صحيح.. ياعيني عليك الخ’، وللتنويه فقط فإن هناك من بين المتصفحين وأصحاب الردود من هم ‘جــ امعيون’! وهذا مثلاً ما حدث حقيقة في المنشور الأول والثاني -كما في معظم الحالات- حيث كل الردود كانت على هذا المنوال! ويتساءل كل ذي فطن: هل يجب أن أعامل أخاً لي أو صديقاً بناء على ‘الحكمة’ الواردة أعلاه؟ كيف لي أن أكون أخاً بكل ما في الكلمة من معنى أو صديقاً حقيقياً؟ في الحالة الأولى أين صلة القربى التي دعانا إليها الله ورسوله الكريم؟ أين التماس الأعذار وسعة الصدر التي حثتنا عليها تعاليمنا الدينية من هذه ‘الحكمة’ مثلاً؟ يتساءل متسائلون!
أما في ما يتعلق بالمنشور الثاني، أليس الصحة من بين الأشياء التي ترحل مثلاً..؟ أليس فيها خيراً أو الخير كله؟ ألذلك أحياناً ترحل؟! أليس هذا كما هو معروف من باب الابتلاء للعبد المؤمن رحمةً من رب العباد؟ وأما فيما يتعلق بالمنشور الثالث والأخير فهو عبارة عن معلومة مغلوطة..والذي هدم عرش كسرى هو عمر الفارق رضي الله عنه وأرضاه!
إن ما يحدث في أغلب الأحيان هو أن بعض ‘الأدمنز’ أو ما يسمى مشرفو الصفحات يحاولون في ‘البروستات’.. أقصد ‘البوستات’ الخاصة بهم طرح تجربة شخصية وجعلها تجربة إنسانية أو مثلاً من موروثات الشعوب وذلك من خلال تقديمها صراحة على أنها كذلك، أو حتى شكلاً في قالب مثل أو حكمة! وإن هناك للأسف من مشتركي الصفحات من يصيبه ‘عقدة الأدمن’ بمعنى أنهم يثقون بأن كل ما يطرحه المشرف في فضائه لابد أن يكون صحيحاً وذلك دون سابق معرفة حتى عن مستوى المشرف التعليمي أو خلفيته الثقافية أو حتى مصادره المعتمدة إن وجدت!
إني أتمنى من متصفحي ومتابعي صفحات (الفيسبوك) وغيره من المواقع الشبيهة وظيفياً أن يخضعوا كل ما يقرؤونه ولو لنصف دقيقة للعقل وللمنطق بدل الاهتمام فقط بوضع ‘لايك’ أو إضافة تعليق لإثبات وجودهم على الصفحة. نحن نعرف بأن من يفكر فهو موجود وليس كل من ‘يطج لايك’ فهو موجود! (الفيسبوك) يجب أن يكون وسيلة للمناقشة والتفاعل الفعال البنّاء كما هي إحدى وظائفه المفترضة وليس كوسيلة ل ‘النعممة أو الإمعية’ كما أحب أن أصفها، و لا يعني ذلك أبداً أن نصل إلى مرحلة ‘اللائية’ والتشكيك بكل شي واضح ومقبول منطقاً.
إن في حال عدم التحري عن المعلومة المقدمة لنا في (الفيسبوك) -كأحد المصادر الرئيسية لاستقاء المعلومات والأخبار اليوم – يمكن أن يؤدي جدياً لتشرب الأفكار المشوهة وحتى المسمومة في اللاوعي لدينا، وإن من إحدى نواتج ظاهرة ‘الإمعية الفيسبوكية’ على المدى الطويل هو التعطيل الفكري جراء الاكتفاء فقط بالإعجاب بما هو مقدم لنا. (الفيسبوك) يتوجب أن يكون منصة للتدرب على المناقشة والإصغاء في العالم الافتراضي وخاصة أننا نعيش الآن في عصر التحولات الديمقراطية..ويتوجب أن لا يتم حجب مشترك ما فقط لأنه يشكل مصدر ‘إزعاج’ بسبب آرائه، كما يشتكي أحدهم. ليكن التفاعل على الإنترنت ذو طابع حضاري: قيّم، مثري، بنّاء، رحب الصدر..وليس تفاعلاً بطريقة التناحر!
ومن ناحية أخرى هامة فإننا نلحظ كثيراً الأخطاء الإملائية المخزية كما رأيتم في المثال الثالث ‘خالد ابن الوليد’، وقس على ذلك! ألم نتعلم في المراحل المبكرة من دراستنا بأنه لا يجوز إضافة الألف إلى كلمة ‘ابن’ إذا وقعت بين علمين أولهما غير منّون؟ وذلك كما يؤكد ابن أخي الصغير! هذا وكم من مرة رأينا فيها بأن حرف الذال يستبدل غالباً وتلقائياً بحرف الزاي في اللغة ‘الفيسبوكية’ في كلمات مثل ‘خذلان’، ‘ذوق’ ؟! وكم من مرة لاحظنا بأنه لا وجود لتنوين النصب فيستبدل نوناً كما في ‘غصباً’ وغيرها من الكلمات؟! وهناك أمثلة أخرى كثيرة أيضاً تتعلق باستبدال التاء المربوطة بالمبسوطة! إن هذه ظاهرة خطيرة تزيد من ضعف لغتنا العربية وتؤذي حتى من هو جيد إملائياً، حيث أنه مع مرور الوقت تصبح ‘إملائية’ وذلك أن كثرة تكرار مشاهدات كلمة معينة ذات تهجئة خاطئة سيؤدي بالنتيجة حتماً إلى أن تُطبع و’تُفرض’ على الذاكرة وسنكررها تلقائياً كما هي بخطئها، وهذا ما بتنا حتى نلحظه في الرسائل القصيرة ودردشات ‘الماسنجر’ أحياناً من أشخاص متعلمون للأسف!
وختاماً أود مخاطبة مشرفي الصفحات أيضاً وأقول لهم أن إدارة صفحة ما ذات متتبعين كثر هي مسؤولية وأمانة..نعم هي كذلك، فيجب أن تكون صياغة طروحاتكم تشجع على الحوار والمناقشة وعلى طلب إشراك تجارب الآخرين فيما تطرحون، وأن تقوموا رجاء بالتحري عن المعلومة التي تقدمونها بما أن (الفيسبوك) أصبح مصدراً للأخبار والمعلومات أيضاً، وأنه لا مبرر لديك من عدم تدقيق ما تكتب – وأقصد هنا إملائياً – على أساس أن أهمية الخبر تفرض ذلك، فليس المطلوب أسلوباً إنشائياً ولا علامات ترقيم أو حتى لغة فصيحة لا تتماشى ربما مع صفحة طابعها غير رسمي تخاطب شريحة معينة، ناهيك عن موضوع بث الإشاعات وتناقلها كما يحدث في الحياة اليومية فهذا طرح آخر. وأخيراً وليس آخراً إن أعجبك ما كتبت ‘اعمل كومنت +لايك + شير’!

محمد عروب
مدرس في جامعة حمص

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية