إستفتحت عام 2013 بكتاب مميز للمفكر الإيراني علي شريعتي وهو ‘النباهة والإستحمار’، يٌعرف الكاتب معنى الإستحمار وهو ‘تزييف ذهن الإنسان ونباهته وشعوره وحرف مساره عن تلك النباهة الفردية والاجتماعية’، وصنف شريعتي الإستحمار بوجوهه الأربعة إلى: الإستغلال والإستعمار، الإستبداد والإستعباد. يقول شريعتي ‘لم يعد العدو كالسابق فهو لا يأتينا بعدة حربه كالخوذة والسيف يقتل ويذبح ثم يعود من حيث جاء فتعرف أنه العدو، لا ليس كما تظنون… إنه يظهر من أكمام ثيابنا، نعم يظهر من كم الثوب، لا كما مضى حاملا سوطه، لقد اختفى ذلك السوط وصار في الدماغ’…’حيث يعمل الاستعمار القديم على إشغال الشعوب وإلهائها عن النباهة الانسانية والإجتماعية لإنشاء جيل مطابق لمقاييسه وحساباته’… ‘أما اليوم فقد أصبح معززا بالعلم بالإذاعة والتلفزيون، بالتربية والتعليم وبجميع وسائل الاعلام والمعارض وبعلم النفس الحديث، صار فنا دقيقا مجهزا ومن هنا تصعب معرفته لصعوبته ودقته’. إذن هل يعتبر ‘الفيسبوك’ أداة لإلهاء الشعوب واستغفالها؟ حيث لفتت إنتباهي إحصائية ‘برنامج الحوكمة والابتكار في كلية دبي للإدارة الحكومية’، إلى وصول عدد من مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك في العالم العربي حتى بداية عام 2013 إلى ما يقارب 51 مليون مستخدم. ووفق تقارير شركة ‘زومسفير’ العالمية لإحصائيات السوشيال ميديا، أظهرت أن فلسطين تحتل أعلى دولة من حيث استخدام ‘الفيسبوك’ بالمقارنة مع عدد السكان حيث وصلت النسبة إلى 40′. بعد الأرقام السابقة، ونشاطي على موقع التواصل ‘الفيسبوك’ إرتأيت أن أسلط بقعة ضوء على بعض صفحات ‘الفيسبوك’ والتي تمارس منها بشكل ظاهر أو مبطن، بعض وجوه الإستحمار. هناك صفحات تطلب من المشاركين إختيار أجمل فستان، مناكير، حذاء، حقيبة، وستجد آلاف الإعجابات والتعليقات على الصور. لأنتقل نحو صفحة يقول لك صاحبها ‘الأدمن’ إن كنت من هذه الجنسية المحددة، فأنت رقم واحد، ويثيرني فضولي وأقرأ التعليقات والتي تطغى عليها الشتائم والعنصرية بين البلدان والتهديد بتحطيم الرؤوس والجماجم. وأصطدم في صفحة ما تطالب بأن أقول لا حول ولا قوة إلا بالله لنصرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويشددون بضرورة تغيير الصورة الشخصية بصورة ‘فداك يا رسول الله’ لنصرته والدفاع عنه ضد الغرب والتصدي لكل الهجمات والحروب التي تقع على المسلمين. ويحذرك أن تغادر دون أن تضغط زر الإعجاب ‘لايك’ وتعمل مشاركة، وينوه بأنك إن إمتنعت عن هذا الفعل فهو من عمل الشيطان، الذي أغواك! وتبدأ الصفحة بنسب أقوال مزعومة لشيخ عن فتوى جديدة، هدفها تجهيل العقل العربي وإلهاء المواطن عما يحصل به دون علمه. أو ترفق صورة للممثل البريطاني روان أتكينسون، المشهور بشخصية مستر بين، بإشهار إسلامه وذلك لرفع أصبع السبابة، وهكذا يدعون له بالهداية. وفي هذا السياق يتحدث علي شريعتي عن ‘الدين الاستحماري، الدين المضلل، الدين الحاكم، شريك المال والقوة الذي تتولاه فئة من الرسميين، لديهم بطاقات للدين…تنم عن إحتفاظهم بالدين، وبأنهم من الدعاة’. ومنهم من يعرض صورة أطفال يعملون في أعمال شاقة وتقول ‘الفقر ليس عيبا، الفقر صفة الرجال’، وهكذا نبرر ثقافة الفقر، والقبول بالظلم والفساد، وترسيخ فكرة بأن الله عز وجل يكتب لنا أن نكون فقراء أم أغنياء. دون مناقشة لماذا هذا الطفل لا يحصل على أدنى مقومات الحياة في بلاد ترفل بالخيرات؟ وفي هذا يقول علي شريعتي ‘أنظر دائما لمن هو دونك، لو كان هذا صحيحا لما وجدت حاجة للتقدم، إن هذا النوع من الشكر هو فلسفة رجعية’. وحين تذهب للصفحات الترفيهية، سوف تراهم يسألونك من الممثلة الأجمل، شاهد المذيعة وهي تبكي، تضحك، تحضر الطعام لابنتها، إشترت فستانا جديدا خمن كم سعره ومن مصصمه؟ تلبس لباسا فاضحا. خلاف وعراك بين الفنانين، ذاك خان صديقته! والأخر قضى عيد ميلاده في مكان ما وأنفق الملايين، تلك قامت بعمليات تجميل جراحية، أنظر قبل وبعد! وستجد أرقاما خيالية من إعجاب، مشاركة، مناقشه لهذه المواضيع. وفي هذا يقول شريعتي ‘ما هو التجمل؟ انه التقدم في الاستهلاك الذي يقضون علينا من أجله ليسلبوا منا أمل الانتاج’. في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 توفي الممثل الأمريكي بول ووكر في حادث سيارة مؤسف، فأصبح الخبر محور العالم، يتداوله الكثير، وينشرونه على صفحاتهم، يعلقون على صفحات ‘الفيسبوك’ عن شعورهم البالغ بالحزن والأسى، وازداد عدد المعجبين بصفحته إلى ملايين، يتناقشون حول من سيكون بديله في الجزء الثاني في فيلمThe Fast and The Furious (السرعة والغضب). في المقابل في 19 كانون الاول/ ديسمبر2013 الكاتب والروائي والشاعر والفنان التشكيلى السوداني محمد حسين بهنس، توفي متجمدا من البرد على أحد ألارصفة وسط القاهرة، لم نجد صدى لفجيعة موته، سوى بعض النخب الثقافية للحزن عليه وعلى حال أمة تنفق لكرامة فاسديها وتبخل على مبدعيها. وبناء عليه يقول شريعتي ‘هكذا يلجأ العنصر الذي يعتبر نفسه راقيا والشعب الذي يعتز بتمدنه وحضارته، لتحقير أقوام أخرين لأجل السيطرة عليها واستعمارها’…’ماذا عمل بنا الغرب نحن المسلمين، نحن الشرقيين؟ لقد إحتقر ديننا، أدبنا، فكرنا وماضينا، تاريخنا وأصالتنا، لقد إستصغر كل شيء لنا، إلى حد أخذنا معه نهزأ بأنفسنا!’. والمرض العضال هو ثقافة النسخ واللصق، وهي الأكثر رواجا بين مستخدمي المواقع الإجتماعية، وهكذا يبدأ الكثير بالتظاهر بأنه محلل سياسي، إعلامي، فقيه، أديب، شاعر، معارض، ويتلقى المديح والإعجاب بأنه رائع ومفكر وعبقري، وهو بكل تواضع يشكرهم على حسن الثناء عليه، مع ضياع الملكية الفكرية لصاحب الكلام. وستجد عددا لا بأس به من الصفحات الأيديولوجية تروج أفكارها وتحاول أن تثبت بأنها على صح وتقوم بإقصاء الآخر والسخرية منه، حوارهم كالطرشان بدون معرفة وإدراك لمقولة الإمام الشافعي ‘رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب’. في النهاية ‘الفيسبوك’ أداة كغيرها، لا أعارض إستخدامه، بل إستغلال مضمونه لإلهاء الناس وتجهيلهم. الشعوب دائما تستطيع إحداث التغيير والإصلاح الحقيقي عبر ‘الفيسبوك’ كخطوة أولى، دون الإنحباس في العالم الإفتراضي. يؤكد شريعتي على مسألة الوعي والنباهة الإنسانية والإجتماعية كسبيل ضروري لتحرر الذات والعودة إليها عودة حقيقية.