الفيلم الأمريكي «هالة»… تجربة ذاتية تحلم بتحرر النساء

حميد عقبي
حجم الخط
1

باريس: فيلم «هالة» للمخرجة الباكستانية الأمريكية منهال بيج، الذي يحكي قصة فتاة مراهقة من أصول باكستانية، تعيش مع أمها التي تخاف عليها وتحاول تربيتها تربية دينية، ووالدها المحامي الذي نجح في حياته المهنية، والذي يبدو منفتحا وقريبا من ابنته، الأم تكرر نصائحها للبنت بأن لا تدع صلاة الفجر، وألا تقترب من الصبيان في المدرسة، بينما الفتاة المراهقة تعيش بين عالمين، عالم البيت الهادئ، حيث الأم التي تتفرغ للبيت، والتي تعرف قيادة السيارة والطبخ، لكنها لم تكمل تعليمها ولا تتحدث الإنكليزية بشكل جيد، وتفضل الكلام بلغتها الأم، رغم أن البنت تفهم إلا أنها ترد بالإنكليزية. والعالم الثاني هو عالم المدرسة الثانوية، عالم الحرية، والمحطة الأخيرة نحو المستقبل والاستقلالية التامة، بعيدا عن أي ضغوطات أو نصائح، وهي محطة مهمة أيضا لخوض تجارب عاطفية وجنسية، لكن هالة مقيدة في هذه النقطة وتحافظ على غطاء الرأس والحشمة، والبعد عن الصبيان، فتعيش وكأنها تحت الرقابة.

ملامح سيرة ذاتية

تقول مخرجة الفيلم ــ وهو عملها الأول ــ «ربما فيه ملامح حزينة إلى حد ما، وهو لا يستعرض أحداثا درامية خطيرة ومعقدة، لأنه يصف جزءا كبيرا من طفولتي، حيث إنني من عائلة باكستانية محافظة. هذا الفيلم ليس الهدف منه إثارة للمشاعر والعطف، ولعل الأهم إظهار قطعة من حياة هؤلاء النسوة والفتيات، حيث الخضوع لسلطة العائلة والتقاليد، لسلطة الوالدين، بدون الذهاب بعيدا! بكل بساطة هو وصية لجميع الأشخاص الذين لا يعتقدون أنهم أحرار».

أن تعيش كما تشاء

هالة فتاة مراهقة ممزقة بين ثقافتين ــ قامت بدورها الاسترالية جيرالدين فيسوا ناثان ــ وُلدت في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها ترعرعت أيضًا بين والدين محافظين، يريدان لها أن تتبع خطاهما. كأي مراهقة في مجتمع منفتح، تتعلم اكتشاف نفسها، وتريد تجربة الأشياء بطريقتها الخاصة، أي تحاول أن تعيش حياتها كما تشاء، وعلى وجه الخصوص علاقتها بجيسي، لكنها مجبرة على فعل ذلك سراً.
في البداية ومن أول مشهد نرى الفتاة تمارس العادة السرية، حيث يخفي البانيو جسدها، وبينما هي غارقة في رغبتها، يأتي صوت والدتها لتفيق ويكون التأنيب على ضياع وقت صلاة الفجر من أمها، نرى الأب أقل حدة وبلباس غربي، بينما الأم تظل في اللباس التقليدي، تطبخ أكلات شعبية وتستمع لأغاني شعبية، وتزين بيتها ببعض الأشياء الباكستانية. فالشخصية هنا ليست سلبية ولا مريضة، ولا تشعر بالنقص، ولا تواجه تنمرا واضطهادا من زملائها وزميلاتها، وتكاد تحد من علاقاتها، لكن مشاعر جارفة تقودها إلى زميلها الأمريكي الخالص جيسي، تكتفي في البداية باختلاس نظرات إليه ثم تجمعهما صداقة تتحول لعشق، ثم للممارسة جنسية، هي من رغبت فيها، رغم أن صديقها عجز عن جعلها ممارسة ممتعة إلى النهاية لكنها بدت راضية عنه.

يقدم لنا الفيلم قضايا يتم التطرق إليها في أفلام المخرجين والمخرجات في المهجر الغربي، فالحرية والتحرر، خاصة الحرية الجنسية، تظل مواضيع بالغة التعقيد، ثم الصراع بين الهوية والانتماء والاندماج بالمجتمع الغربي

صراع الهوية

يقدم لنا الفيلم قضايا يتم التطرق إليها في أفلام المخرجين والمخرجات في المهجر الغربي، فالحرية والتحرر، خاصة الحرية الجنسية، تظل مواضيع بالغة التعقيد، ثم الصراع بين الهوية والانتماء والاندماج بالمجتمع الغربي، وهناك من يمارس جلد الذات وتحقير المنبع والهوية الأصلية، وهنالك من يعمل على إبراز التمييز العنصري للمجتمع الغربي، وتكذيب الشعارات العريضة مثل المساواة والعدالة وغيرها، هنا في هذا الفيلم تبدو أن المخرجة وهي تنطلق من تجربة حياتية خاصة تريدنا أن نظل مع شخصية هالة، وأيضا الأم حيث تكشف الفتاة زيف والدها، فهو كمحام يعتبر المحاماة مهنة للكسب وليس لتحقيق العدالة، وهو أيضا له علاقة مع زميلة له، لكنه عندما يرى ابنته عائدة بسيارة زميلها فهو الشرقي صاحب الشرف، ويكون سؤاله الأول هل حدث شيئا بينهما؟ يعني ملامسة جنسية، ولا يتورع عن صفع ابنته ثم التخطيط لتزويجها بطريقة تقليدية، تستكشف الزوجة أيضا خداع زوجها ومدى تضحيتها وتطلب الطلاق للخروج من سجن دام طويلا، ولم تحقق ذاتها في المهجر، وتصمم على أن تنال ابنتها تعليما جيدا حتى لو كانت الجامعة بعيدة.

حلم التحرر

في المشهد الأخير بعد أن تؤدي الفتاة صلاتها، تخرج من غرفتها بالسكن الجامعي بدون غطاء الرأس لعله نتيجة طبيعية غير مبالغ فيها، وله دلالات التحرر، أي كأنها فهمت المعادلة بين عالمين بينهما، الكثير من التضادات والفروقات، ولكنه لا يكون صادما بالعكس نشعر بأنه يلبي رغبة الشخصية التي أصبحت أكثر نضوجا وفهما لهويتها كمسلمة وشرقية، وحياتها وكينونتها هنا كمواطنة في هذا المجتمع الذي عليها أن تكون جزءا منه وليست ضيفة أو مهاجرة غريبة.
في بداية الفيلم شاهدنا نقاشات حول «بيت الدمية» للكاتب هنريك إبسن، يكون حديث عن نورا وزوجها تورفالد وهنا نجدا عنصرا مهما يظهر في البداية ثم تهمله المخرجة، رغم روعة الدلالات القوية لشخصية نورا، والنص والربط مع شخصية هالة وأمها وأبيها، يوجد أكثر من عنصر يظهر في البداية، ثم يضيع، ولو أن السيناريو ربطها مع بعضها، وقدّمها بشكل دلالي كان الممكن أن يرفع الفيلم ويجعله أكثر قوة، جيسي يعترف أن والده كان شبحا وصديقة هالة سكنت لوحدها لتتخلص من تطفل ورقابه أمها، بمعنى الرغبة في الحرية أمنية وحاجة إنسانية قديمة ومتجددة، وستظل هاجسا إنسانيا وقيمة روحية وسياسية واجتماعية في الشرق والغرب، في الماضي والحاضر والمستقبل، تمسك المخرجة منهال بيج ورغبتها بتقديم تجربتها في شخصية هالة، ربما جعلها تتخلى عن الخوض في تعقيدات فكرية ودلالات مركبة وفضلت البساطة والسلامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية