الفيلم الإيراني «كعكتي المفضلة» ينافس على الدب الذهبي في برلين

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي»: في أحد مشاهد فيلم «كعكتي المفضلة» للمخرجين الإيرانيين مريم مقدم وبهتاش صناعي، الذي ينافس على الدب الذهبي في مهرجان برلين، في دورته للعام الحالي (١٥ إلى ٢٥فبراير/شباط الجاري) نرى فتاة في بداية العشرينيات تتعرض للتضيق والتعنيف وتكاد تعتقل في متنزه من المتنزهات في طهران، لأنها كانت لا تحكم لبس الحجاب، ولأنها كانت تسير بصحبة صديقها الشاب.
كان من الممكن للفيلم أن يمضي في سلاسة، وكان من الممكن ألا يتضرر سياقه العام، لكن مخرجي الفيلم ارتأيا أن وجوده يقدم إضافة له. ربما أرادا بهذا المشهد التذكير بمدى تدخل النظام الإيراني في الحياة الخاصة للناس، خاصة النساء، لكن كان من الممكن للمشاهد أن يستشف تلك الرسالة دون هذا المشهد التلقيني.
وكان من الممكن أيضا لفيلم «كعكتي المفضلة» أن يكون فيلما عذبا شجيا لولا إقحام السياسة فيه إقحاما. وما ضاعف من تدخل السياسة في تلقينا للفيلم هو منع السلطات الإيرانية مخرجي الفيلم من السفر إلى برلين لتقديم فيلمهما في المهرجان، وهذا الغياب يعطي زخما إضافيا للفيلم في مهرجان برلين ذي الطابع السياسي بامتياز. والفيلم ليس المشاركة الأولى لمخرجيه في مهرجان برلين، إذ سبق لهما أن شاركا فيه عام ٢٠٢٠ بفيلم «أنشودة البقرة البيضاء» الذي يندد بعقوبة الإعدام ويلمز من مصداقية النظام القضائي في إيران.
كان من الممكن للفيلم أن يكون فيلما كوميديا برومانسية محببة عن الشجن والحنين لزمن مضى، وعن البحث عن الحب والصحبة، رغم تقدم العمر، لكن جرعة السياسة والميلودراما غير المبررة، تحد من تماهينا مع الفيلم ومن تصديقنا له.

ماهين (ليلي فرهدبور) امرأة في السبعين من العمر، توفي زوجها منذ أعوام طويلة، وسافر الأبناء إلى الخارج، وبقيت هي، في منزلها الفسيح وحديقته الجميلة، بمفردها. كانت تلتقي صديقاتها بين الحين والآخر، لكن اللقاءات قلت حتى كادت تندثر. غير أن ماهين تأبى أن تستسلم لتلك الحياة الرتيبة الخاوية، وما زال قلبها يطرب للحياة ويصبو للحب. لهذا فهي ترتاد المتنزهات ومطاعم المتقاعدين، آملة أن تلتقي بمن يخفق قلبها له.
تلتقي ماهين بعد بعض البحث بفرامرز (إسماعيل محرابي) وهو عضو سابق في القوات المسلة وسائق تاكسي حاليا، فتعجب به، وتدعوه لتناول الحلوى في منزلها. نحن إذن أمام امرأة قوية تحن لزمن كانت فيه ترتاد الحفلات دون حجاب، لتستمتع بالغناء والرقص، على وقع موسيقى الأغاني التي كانا يطربان لها في شبابهما، ومع بضع كؤوس النبيذ المعتق، الذي تخفيه ماهين عن الأعين، يمضي فرامرز وماهين ليلة يسودها الحنين والحب والشجن والضحك.
لكن الليلة التي بدأت حانية دافئة ضاحكة، تعمها رائحة الطعام الشهي، تتحول فجأة لليلة موحشة مفجعة باكية. ربما قد تحزننا نهاية الفيلم وقد نجدها صادمة على نحو غير متوقع أو مبرر في فيلم بدء لذيذا بمذاق الكعك الشهي، لكن مخرجي الفيلم ارتأيا أن مثل هذه النهاية هي ما سيساعد على تقديم رسالتهما السياسية عن النظام القمعي في البلاد.
ضجت القاعة التي شاهدنا فيها الفيلم في مهرجان برلين بضحكات الجمهور، الذي طرب لقصة الحب الوليدة، وللحضور العذب لكل من الشخصيتين الرئيسيتين، الذي جعلنا ننتشي بصحبتهما كما انتشيا هما بصحبة بعضهما البعض وبكؤوس النبيذ. ربما كان من الممكن لقصة الحب تلك، بما فيها من تحد للأعراف المجتمعية التي تفرض على المرأة، التي تقدم بها العمر أن تتصرف وفقا لأعراف محددة، أرساها المجتمع التقليدي، أن تكون أكثر معارضة وتمردا من المشاهد المقحمة لشرطة الأخلاق، لكن مخرجي الفيلم ظنا أن المباشرة والتلقين يوصلان الرسالة بصورة أفضل.
لا تأتي نهاية الفيلم مباغتة وصادمة فقط، بل إنها تأتي أيضا غير مبررة ومفتعلة. بعد أن نطرب لقصة الحب ونسعد للحظات البهجة الصرفة، التي تعيشها ماهين وفراميرز، تأبى الأقدار أن تتبخر تلك السعادة سريعا. فيبدو لنا في نهاية المطاف أن المخرجين استكثرا على تلك المرأة السبعينية أن تجد بعض السعادة، فقررا اختطافها منها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية