فينيسيا ـ «القدس العربي»: يعود الإيطالي باولو سورينتينو إلى مهرجان فينيسيا في دورته الثامنة والسبعين، من1 إلى 11 سبتمبر/أيلول الجاري، بفيلم يستلهم فيه حياته في أحداث صيف عامٍ في صباه. لم يكن عاماً عادياً في تاريخه الشخصي، ولا في تاريخ مدينته نابولي، بل كان عاما فارقا في تكوينه كرجل وإنسان ومخرج.
يعود سورينتينو إلى صيف في نابولي في الثمانينيات، صيف شب فيه عن الطوق، وخبر بعض ملذات الصبا الممتزجة بافتتان مدينته بأكملها بلاعب الكرة الأرجنتيني الشهير مارادونا، وخبر فيه مأساة شخصية صهرته وأعادت بناءه من جديد. أفلام سورينتينو عادة ما تجمع بين المأساة والملهاة، بين الموجع حتى الصميم، والكرنفالي الاحتفالي، وهذا ما نشهده في أنقى صوره في «يد الله».

نابولي الثمانينيات
ينقلنا سورينتينو إلى مدينته نابولي في الثمانينيات، إلى أعوام شهدت أعذب الذكريات وأكثرها بهجة، ولكنها أيضا شهدت مأساة شخصية كبرى. بطل الفيلم هو الصبي اليافع فابييتو سكيزا (الممثل الشاب فيليبو سكوتي). يجسد فابييتو سورينتينو ذاته، ولكن باسم آخر، وفابييتو في حينها هو ذلك الصبي الذي يلهو على الشاطئ مع عائلته وأترابه، والذي لا يدرك أن حياته توشك أن تتغير إلى الأبد. فابييتو آنذاك كان ذلك الصبي النحيل الذي لم يخبر الحياة قط، والذي يتملى في الجسد الوافر لإحدى قريباته بشهوة الصبا التي لم تجد بعد متنفسا لها.
عالم فابييتو والفيلم يحفل بالأشخاص والشخصيات، شخصيات كبيرة مؤثرة تترك بصمتها على شخصية فابييتو، ولعل من أهم هذه الشخصيات هي باتريتزيا، إحدى قريباته، وهي امرأة جميلة شهية مشتهاة في الثلاثينيات، ولكنها على الرغم من جسدها المتفجر أنوثة غير قادرة على الإنجاب وتحلم بطفل صغير. هي امرأة تتشبث بالحلم، وبتصديق المعجزات، وفي قدرة القديسين على منحها ذلك الطفل الذي تحلم به. ومن الشخصيات الغرائبية الأخرى التي تسكن عالم الفيلم وعالم فابييتو تلك الجارة المسنة في الطابق العلوي، التي تبدو دوما في أبهى زينتها وبشعر مصفف أنيق. يشهد عالم فابييتو أشياء تمثل علامات فارقة في حياته. يذهب شقيقه الأكبر في تجربة للاختيار للعب دور في فيلم من أفلام الإيطالي العظيم فيدريكو فيلليني، بينما تشاهد الأسرة مرارا على شريط فيديو فيلم «حدث ذات مرة في أمريكا» لسيرجيو ليوني. يأتي مارادونا إلى نابولي وينضم إلى ناديها، ويشعل فيها حماس الجميع، ويتعرف فابييتو على مهرب شاب للبضائع يصبح صديقه المقرب الذي يصحبه في مغامرات بعيدة عن عالم أسرته. كلها تأثيرات تجعل السينما بما تحفل به من شخصيات وأحداث تداعب فكر فابييتو وتدعوه للحلم بأن يكون مخرجا. ويحفل عالم فابيتو أيضا بتلك الفتاة الجميلة التي تظن أنها تجيد التمثيل، وبذلك الجار الذي يخط على الجدران والأبواب صورا للعضو الذكري، إنه مزيج حافل من الشخصيات التي يحفل بها عالم فابييتو، التي ستسهم جميعا في بنائه.

أفضل لاعب كرة قدم في العالم
تبدأ أحداث الفيلم قبل انضمام مارادونا إلى نابولي، تدور الشائعات بأن اللاعب الأسطوري سينضم إلى نابولي، ولكن الجميع، ومن بينهم والد فابيتو، على الرغم من حلمهم بانضمام من يرونه على أنه أفضل لاعب كرة في العالم إلى فريقهم، يرون أن هذا الحلم صعب التحقق، فمن منهم يجرؤ على تخيل أن يرضى مارادونا على اللعب في فريق مدينتهم!
يشير عنوان الفيلم «يد الله» إلى هدف مارادونا الذي سجله بيده، ولكنه يشير أيضا إلى كل تلك الشخصيات المؤثرة في حياة فابييتو التي تبدو لنا كما لو أنها جاءت من عالم حافل بالأساطير والعوالم الغرائبية.
إنه فيلم مدين بدرجة كبيرة لفيلليني وعالم أفلامه، حيث نرى فيه بوضوح تأثر سورينتينو بفيلم فيلليني الذاتي عنه في صباه «أماركورد» (1973) كما نشاهد فيه بعض ملامح نساء فيلليني مثل لا سريغينا في فيلمه «ثمانية ونصف».
ولكن وجود مارادونا في نابولي سيكون له من التأثير في حياة فابييتو أكثر مما كان يتخيله. في الفيلم نرى مدى تعلق فابييتو بوالديه، بأمه التي تثور بسبب نزوات أبيه أحيانا، والتي تمازح الجارات أحيانا، ولكنها تحنو على ابنيها دوما. كما نرى تعلق فابييتو بأبيه، الذي كان أول من أكد للأسرة انتقال مارادونا إلى نابولي. وذات يوم مشهود، يوم مستلهم من واقع ما حدث لوالدي سورينتينو، يقرر فابييتو الذهاب إلى أرض الملعب لمشاهدة مباراة لمارادونا، بينما تقع المأساة: يتوفى أبوه وأمه في حادث غير متوقع لتسرب الغاز في المنزل.
تأتي وفاة والديه بمثابة صدمة مدوية لفابييتو، ولكنه رغم المأساة يجد من يقدم له يد العون ويبقى إلى جواره، يجد أصدقاء يحاولون أن يخرجوه من عزلته وحزنه، ويجد جارة تمنحه تجربته الجنسية الأولى، ويجد السينما التي يقرر أن تكون مجال عمله ومستقر آماله وأحلامه. السينما لم تكن خيار فابييتو أو سورينتينو فقط للتعبير عن ألمهما، أو عن مأساة فقد والديهما، بل للتعبير أيضا عما تحفل به الحياة من مباهج وسعادة وشخصيات. يدرك فابييتو أن المآسي والأحداث الجسام ستحدث، وسيبقى تأثيرها وسيبقى الإحساس بالفقد، ولكن الحياة ستستمر، وأن ما عليه أن يفعله، كما قالت له جارته، هو أن ينظر إلى الأمام وإلى المستقبل.
يجد فابييتو صوته الذاتي الخاص عقب المأساة والفقد، وبعد أن كان صبيا مدللا من والديه يشاهد صخب الأسرة والجيران، يقرر أن يعبر عن ذاته وأن يصور هذا المزيج المدهش من الشخصيات والقصص والحكايات في أفلامه.