في التاسع والعشرين من شهر حزيران/يونيو عام 1613 كان المسرح الإنكليزي على موعد مع حدث كبير سيترك أثره الدرامي في مسيرة الكاتب وليم شكسبير، ففي أثناء عرض مسرحية «هنري الثامن»على خشبة مسرح « Club Theater» العائدة ملكيته لشكسبير نفسه، أُطلِقَت عن طريق الخطأ قذيفة مدفع، بينما كان المشهد الرابع تدور أحداثه على الخشبة، وهذا ما أدى بالتالي إلى احتراق المسرح بكامله تحت أنظاره، بدون أن تكون لديه القدرة على إيقاف الكارثة، مكتفيا بدور المتفرج العاجز، وهذا ما نجح في إيصاله المشهد الأول من الفيلم، حيث نجده يقف بملابس التمثيل، موليا ظهره لعدسة الكاميرا، بينما ألسنة النيران تملأ مساحة الشاشة، وهي تلتهم مسرح أحلامه.
مناخ شكسبيري
في فيلم «All is true» إنتاج 2019 الذي كتبه بن إلتون، وأخرجه كينيث براناه، الذي أدى شخصية شكسبير، يجد المتلقي نفسه أمام مقاربة سينمائية لمناخ العرض المسرحي الشكسبيري، سواء في لغة الحوار التي جاءت معبأة بصور شعرية، أو في التركيبة الداخلية للشخصيات، التي بدت مصاغة بكثافة عالية من المشاعر المتصارعة مع بعضها، أو في إدارة التصوير، حيث بدا الحرص واضحا على أن تكون البقع الضوئية، بعلاقاتها المتضادة على الوجوه وعلى المساحة المكانية، منطقة للبوح عما هو مطمور من فعل درامي، خلف الملامح والخطوط والأشكال، وكان لاستثمار إضاءة الشموع أثر ملموس في تحقيق هذا الإيجاز الجمالي في التعبير الضوئي عن الأحاسيس والدلالات المكبوتة.
محنة الفنان
سعى الفيلم في حبكته إلى أن يستدعي دراميا محنة الفنان، إذا ما واجه ظرفا صعبا، فيجد نفسه محطما وعاجزا عن استعادة إرادته، ولم يبق أمامه من خيار سوى أن يبتعد عن عالمه الفني، الذي يجد نفسه فيه، وليس في الواقع اليومي المعاش، وهذا ما أصبح عليه شكسبير، بعد أن احترق مسرحه الذي كان يتطلع من خلاله إلى تشكيل فضاء من الأوهام المدهشة، في عالم يمثل قرينا للعالم الواقعي، فما كان أمامه لمواجهة الصدمة إلاّ أن ينزوي بعيدا عن لندن، تلك المدينة التي وجد فيها ضالته، وبسببها ابتعد عن زوجته وابنه وبناته سنين طويلة، ولمّا عاد إليهم وهو يتجرع مرارة الانكسار، كان عليه أن يحاول من جديد اكتشاف دوره كزوج وأب مسؤول عن عائلة، من بعد أن نسيه في خضم أدواره المسرحية.
سعى الفيلم في حبكته إلى أن يستدعي دراميا محنة الفنان، إذا ما واجه ظرفا صعبا، فيجد نفسه محطما وعاجزا عن استعادة إرادته، ولم يبق أمامه من خيار سوى أن يبتعد عن عالمه الفني، الذي يجد نفسه فيه، وليس في الواقع اليومي المعاش.
حريق المسرح كان بمثابة لعنة أرسلها القدر لتضع شكسبير أمام خيار وحيد أعاده إلى بيته وعائلته في القرية، مختتما بذلك رحلة فنية دامت أكثر عشرين عاما، كانت مفعمة بالعمل والنجاح والسعادة والمجد، لم يكن يفكر خلالها بالعودة إلى الوراء ولو خطوة واحدة، لأنه كان الأكثر اكتمالا والأجمل عقلا من بقية الكتاب الذين جايلوه، على الرغم من إحساسه المبالغ به بما كان يضمرونه له من حسد وكراهية واحتقار، أمثال توماس كيد وكريستوفر مارلو وروبرت غرين وأدموند سبنسر.
ولأنه كان قد كرس حياته في كتابة الشعر والنصوص المسرحية تلبسه شعور كبير بالفراغ بعد احتراق المسرح، وهذا ما جعله يبحث عن أي وسيلة حتى يتخلص من هذا الشعور، لكن الخيارات أمامه في القرية كانت معدومة، لأنها بيئة منغلقة على نفسها، وتخلو أيامها من أي نشاط قد يعوضه عما فقده من حياة صاخبة في لندن، ما عدا يوم الأحد من كل أسبوع، حيث يلتقي سكانها داخل الكنيسة، وحتى هذا اللقاء لم يكن بعيدا عما اعتاد عليه هذا المجتمع من أخلاقيات تسودها النميمة، فما أن يدخل إلى الكنيسة مع عائلته فإذا بأحدهم يذكره بماضي والده، الذي كان لصا معروفا، ولم يكن شكسبير نفسه قادرا على محو ذلك الماضي من ذاكرته، ففي أحد المشاهد يقف مع ابنته عند بركة غرينوود، فيستذكر اليوم الذي طردته فيه إدارة المدرسة أيام طفولته، بسبب والده اللص.
الإحساس بالاغتراب
سياق السرد في الفيلم ينقل لنا أحساس شكسبير بالاغتراب وسط عائلته، خاصة أن زوجته التي تكبره في السن ولا تحسن القراءة والكتابة، أفصحت عن مشاعر باردة تجاهه، لأنه جرح كرامتها بأشعاره التي كان يتغزل فيها بالنساء، فتعاملت معه بعد عودته كما لو أنه ضيف، ردا على ما ارتكبه من خطأ كبير تجاهها وتجاه أبنائها عندما أهملهم سنين طويلة، منغمسا في عالمه المسرحي، فكانت نتيجة ذلك أن غابت عنه تفاصيل كثيرة حول افراد أسرته، ولم يعد من السهل ردم المسافة التي تفصل بينه وبينهم بمجرد الإقامة معهم، فوجد أفضل وسيلة للخلاص من هذا الإحساس بالاغتراب، أن يهتم بإنشاء حديقة واسعة، رغم أن زوجته تذكِّره بأن في بيتهم توجد حديقة، فما الداعي إلى ذلك، وهذا ما يقوده إلى أن يعترف أمامها بأن عملية حفر التربة، والوصول إلى الجذور في الحديقة أكثر مشقة من عملية نقل جذور غابة كاملة إلى خشبة المسرح عبر الكلمات. ويوما بعد آخر تتضح أمامه حقائق خفية عن أفراد عائلته، كانت مطوية عنه خلال فترة غيابه عنهم، ولهذا سيكون رأي زوجته بأن حزنه على ابنه هامنت، يبدو متأخرا جدا لأنه يأتي بعد سنين طويلة على وفاته. والحالة التي ظهر عليها شكسبير جعلت أفراد عائلته يعتقدون بأنه عاد إلى البيت ليموت لا أكثر، ولكن ابنته سوزان ما أن تسأله عن سبب عودته تجده يعترف لها صراحة بأنه عاش فترة طويلة من حياته في عوالم وهمية، حتى أنه فقد القدرة على الإحساس بالعالم الحقيقي، ولهذا فإن عودته محاولة منه لاكتشاف الحقيقة في الواقع، إلاّ أن ابنته الكبرى جوديث، التي لم تتجاوز الثامنة والعشرين ولم تغادر القرية في حياتها، ولم تعش تجربة حافلة بالتجارب مثل والدها، ولم تكن تعرف القراءة والكتابة، تدفعه بذكائها الفطري إلى أن يعيد النظر بالحقائق التي بين يديه، وذلك عندما تعبِّر عن قناعتها بأن كل شيء في الحياة ليس حقيقيا، وأن كل ما هو موجود مزيف.
ما بين لير وشكسبير
في هذا السياق الدرامي بدا شكسبير، رغم ما يتمتع به من ذكاء أقرب إلى شخصية «الملك لير» المخدوع والعاجزعن فهم ما يدور حوله. هذه الفكرة تؤكدها حبكة الفيلم بعد أن يشعر وكأنه سيتم تدميره مرة ثانية بعد الحريق، عندما تُتَّهم علانية ابنته المتزوجة سوزان بممارسة الزنا، من بعد أن شاهدها شخص يدعى جون لين، وهي تتسلل ليلا إلى بيت النَّساج، فقدم شكوى بحقها إلى المحكمة، لكن شكسبير بدهائه استعان بمقطع من مسرحية «تيتوس وأندريكوس»التي كانت من تأليفه أن يدخل الرعب في قلب جون لين، ما يجعله يهرب ولا يحضر جلسة المحاكمة، وهذا ما دفع القاضي إلى أن يصدر حكمه ببراءتها من التهمة، لكن ابنته الثانية جوديث أدخلت الشك إلى قلب والدها، لمّا أشارت إلى أن زوج اختها سوزان المصاب بمرض يمنعه من الإنجاب، لا تستبعد في أن يكون هو الذي دفع زوجته إلى ارتكاب الزنا لكي تحبل من النساج، لأنه منافق وانتهازي وبلا قيم، وكل ما يطمح إليه أن يحظى بالميراث الذي سيتركه شكسبير بعد موته عن طريق الطفل الذي ستنجبه زوجته، آنذاك يدرك شكسبير بدفاعه عن ابنته الزانية بتلك الحيلة التي استوحاها من مسرحيته، قد سمح لنفسه وعبر حيلة مستلة من عالم الأوهام وليس من الواقع، من أن يتلاعب بالحقيقة، لأجل أن لا تكون الحقيقة عائقا أمام تكوين قصة جيدة حتى لو كانت مزيفة، وبذلك يكون موقفه اعترافا صريحا بصحة ما ذهبت إليه ابنته جوديث، من أنه لا توجد حقيقة، وأن كل الاشياء مزيفة.
تتعلق الفكرة المركزية في هذا الفيلم بشخصية شكسبير، باعتبارها المكون الرئيس لسياق السرد الذي يفضي بنا إلى خفايا السيرة الذاتية، وكل الحوافز التي تستند إليها الحبكة الدرامية كانت وظيفتها أن تبقى محصورة في إطار تحديد جوهر الشخصية المحورية من الناحية الإنسانية والسايكولوجية.
شعور شكسبير بالخذلان يزداد رسوخا ما أن يتعلق الأمر بابنه هامنت، الذي كان قد توفي وهو في سن الحادية عشرة من عمره، حيث تتكشف الأكاذيب التي أخفيت عنه من قبل زوجته وابنتيه حول عبقريته المبكرة في كتابة الشعر، من بعد أن تعترف له ابنته جوديث بأنها هي من تتمتع بموهبة تأليف الأشعار المفعمة بالطرائف والألم، وليس تؤامها هامنت، فكانت تقولها من وحي فطرتها، بينما كان دوره مقتصرا فقط على كتابتها وادعاء عائديتها له، وبذلك تتحمل الأسرة مسؤولية هذه الخديعة التي عاشها شكسبير سنين طويلة، فيتهاوى على أثر ذلك شعوره بالفخر، على اعتبار ابنه كان متميزا عن بقية الأبناء في المملكة، ولم تتوقف الخديعة التي أحاطت بجانب من حياة شكسبير الأسرية عند هذا الحد، حيث تعترف جوديث أيضا بأنها كانت السبب في وفاة شقيقها غرقا في بركة غرينوود، وليس الطاعون من تسبب بموته، كما تزعم والدتها، وكان دافعها إلى ذلك شعورها بالغيرة منه، بسبب ما كان يمنحه إياه من حب واهتمام كبيرين، إضافة إلى أنه كان يذهب إلى المدرسة لانه ذَكَر، فتعلَّم القراءة والكتابة، بينما حرمت من التعليم، لأنها انثى، فاستهلكت حياتها تعمل ليل نهار في المطبخ.. ثم تخبره بأن رغبتها في أن تنافس هامنت على المحبة التي حظي بها من قِبَلهِ، هي التي أوعزت لها أن تلجأ لتهديده بكشف حقيقة الأشعار، وهذا ما جعل هامنت يشعر باقتراب أجلِ فقدانه للاهتمام المفرط الذي كان يحظى به من والده، وعلى اثر ذلك خرج من البيت والحزن يعتصره متجها إلى بركة غرينوود والقى بنفسه في الماء فمات غرقا، لأنه لم يكن يعرف العوم، وليس لأنه كان قاصدا الانتحار.
القراءة الإخراجية والممثلون
تتعلق الفكرة المركزية في هذا الفيلم بشخصية شكسبير، باعتبارها المكون الرئيس لسياق السرد الذي يفضي بنا إلى خفايا السيرة الذاتية، وكل الحوافز التي تستند إليها الحبكة الدرامية كانت وظيفتها أن تبقى محصورة في إطار تحديد جوهر الشخصية المحورية من الناحية الإنسانية والسايكولوجية، والكشف عن مدى قدرتها على أن تلعب دورها في الواقع، من بعد أن نجحت في تكريس تفوقها مسرحيا في عالم من الأوهام المتخيلة على خشبة المسرح، وتمكَّن السرد السينمائي وبإيقاع درامي اتسم بالهدوء، من أن يجعلنا نتفاعل مع قراءة إخراجية توغلت عميقا في بواطن الشخصية، منحتها مساحة كثيفة من الزمن، عبر لقطات قريبة لاستيعاب ما يتحرك في دواخلها من مشاعر وهي تشق طريقها للخروج من وهم الأكاذيب، التي أحاطت بها والتفاعل من جديد مع حقيقة الواقع.
أما الأداء التمثيلي فليس بوسعنا إلاَّ أن نمنح أرفع العلامات لفريق الممثلين، بدون استثناء، في مقدمتهم المخرج والممثل كينيث براناه وجودي دينش وأيان ماكلين، فالخبرة المسرحية كانت واضحة، وبأقل أدوات التعبير الجسدية والصوتية، اختزالا وإيحاءً، التي استعان الممثلون بتقنياتها.
٭ كاتب عراقي