الفيلم التاريخي «300»: بين الحقيقة والخيال

يُغَيّر التاريخ، ولكن السؤال لماذا وكيف ومتى؟ ولذلك تتحول أحداث تاريخية إلى أساطير مبالغ بها، فيبالغ المؤرخون بانتصار جهة ما لبسالتها وتفوقها الحضاري، على الرغم من قلة عدد أفرادها في معارك تبدو مستحيلة. والأمثلة كثيرة، وقد يكون أحد أهمها فيلم «300»، الذي اقتبست قصته من معركة ثرموبايلَي Thermopylae التي دارت بين اليونانيين القدماء والفرس عام 480 قبل الميلاد. وحوّل هذا الفيلم جيرارد بتلر Gerard Butler من ممثل غير معروف إلى نجم سينمائي عالمي.

أحداث الفيلم

تدور أحداث الفيلم في مدينة سبرطة اليونانية القديمة في القرن الخامس قبل الميلاد. وكانت المدينة تملك أقوى جيش في اليونان القديم في تلك الفترة. وأظهر الفيلم أن السكان يرمون كل مولود جديد عليل، أو ذي تشوه خلقي في مكان معين خارج المدينة ليموت، وبذلك ينتجون سكانا ذوي صحة جيدة. وركز الفيلم على طريقة إعداد مدينة سبرطة لأطفالها ومنهم ابن الملك نفسه، فما أن يبلغ الطفل السابعة من عمره حتى يؤخذ إلى معسكر خاص، وتنقطع علاقته بالعالم الخارجي لعدة سنوات. وفي هذا المعسكر يتعرض للتعذيب ويتلقى دروسا عنيفة في القتال والقتل، ليصبح جنديا لا يعرف التراجع مهما كانت الظروف. وأحد هؤلاء الأطفال ابن الملك نفسه الذي يصبح ملكا (جيرارد بتلر) على سبرطة بعد سنوات طويلة ويتزوج من امرأة جميلة (لينا هيدي). وفي أحد الأيام من عام 480 ق.م. يزوره أحد أعضاء البرلمان السبرطي مصطحبا وفدا من ملك الفرس يرأسه رجل افريقي. ويبلغ المبعوث الفارسي الملك السبرطي أن الفرس سيكتسحون اليونان، إلا إذا قدم اليونانيون فروض الطاعة. ويسخر ملك سبرطة من الفرس، مذكرا إياهم أن «عشاق الغلمان» الأثينيين رفضوا عرضهم، وان موقفه ليس مختلفا، وتدعمه زوجته التي يبلغها رئيس الوفد الفارسي بأن الأمر لا يعنيها لأنه يتكلم مع الملك السبرطي، مما يثير غضبها. ويشهر الملك سيفه في وجه رئيس الوفد الذي يرتعب من هول المفاجأة. وينظر الملك نحو زوجته التي تشير إليه بقتل المبعوث الفارسي، وينفذ الملك رغبتها في الحال.
يذهب ملك سبرطة إلى مجلس الأيفورز، أعلى مجلس قضائي وديني في المدينة، طالبا رأيه حول التعامل مع الفرس، ولكن المجلس يعترض على الحرب، ما يمنع الملك من إعلان الحرب على الفرس، ولكنه لم يعلم أن أعضاء المجلس تلقوا رشى من القيادة الفارسية عن طريق أحد الافارقة، ولذلك جمع الحرس الملكي المكون من ثلاثمئة مقاتل وتوجه لإيقاف الفرس. وقبيل مغادرة المدينة تعطيه زوجته درعه قائلة «عُد معه أو عليه». وتبدأ مسيرة الملك وحرسه، ويكتشفون أن رجلا أحدب وذا تشوهات خلقية واضحة من أصول سبرطية يتتبعهم ويطلب الانضمام إليهم، ولكن الملك يرفض ذلك بسبب عيوبه الجسدية التي تجعله غير قادر على القتال.
تبدأ المواجهة بين الجانبين، ويقاتل اليونانيون بطريقة الصفوف المتراصة والبالغة التنظيم تحت قيادة «ليونايدس» الذي يأمرهم بالقتال بمنتهى القسوة وعدم أخذ أسرى، ولذلك فإنهم يقتلون الجرحى من الفرس بعد انتهاء القتال. أما الفرس، الذين كانوا وحوشا مشوهة، فكانوا يقاتلون بطريقة عشوائية دون أي نجاح. ويقابل الملك الفارسي ذو التصرفات الأنثوية، الملك السبرطي محاولا إقناعه بالعدول عن المقاومة والانسحاب.
في هذه الأثناء تحاول زوجة الملك السبرطي إقناع مجلس شيوخ المدينة إرسال جيش لمساعدة زوجها، ولتحقيق ذلك تقدم جسدها للعضو الذي رافق الوفد الفارسي، ولكن في اجتماعها مع المجلس يفضحها ذلك العضو، فتقوم بقتله فورا ويكتشف الأعضاء أنه كان يحمل نقودا فارسية. أما في ساحة المعركة، فلم تكن التطورات لصالح السبرطيين، حيث قام الأحدب الذي رفضه الملك السبرطي، بإبلاغ ملك الفرس بطريق يسمح للفرس بمحاصرة السبرطيين، مقابل أموال ونساء. وما أن عرف الملك السبرطي أنه على وشك الوقوع في الفخ، رفض فكرة الانسحاب، وأرسل جنديا إلى سبرطة لإبلاغ زوجته بما حدث. ويُحاصَر الجيش السبرطي من قبل الفرس، إلا أنهم يقاتلون إلى آخر رجل بشكل بطولي وينجح ملك سبرطة، قبل أن يُقتَل، في جرح ملك الفرس بشكل طفيف. وينتهي الفيلم هنا.

تصوير الفيلم

اقتبست قصة الفيلم من كتاب من الرسوم عن هذه المعركة، ولذلك صور الفيلم بطريقة جعلته أقرب ألى أفلام الرسوم المتحركة، ولم يكن ذلك شيئا جديدا حيث أشتهرت أفلام صورت بطريقة مماثلة مثل سلسلة أفلام «مدينة الخطيئة» Sin City. وتسمح هذه الطريقة بتوسيع المبالغات بشكل مفرط وتقوية التأثير الدرامي، حيث إنها تجعل المشاهد أكثر تقبلا للمبالغات والوحشية في الفيلم. وبسبب النسبة العالية للخدع السينمائية، فقد اشتركت عشر شركات في هذا المجال. ويزيد هذا من سهولة مهمة الممثلين، حيث لا يأبهون بجعل تمثيلهم معقولا، وقد قال الممثل جيرارد بتلر، الذي مثل دور الملك السبرطي، إن طاقم الاستوديو كانوا يضحكون وراء الكاميرا أثناء التمثيل بسبب سخافة المشاهد. كان الفيلم يحاول إظهار شجاعة السبرطيين واستمتاعهم بالقتال وحقدهم الشديد على كل من يعاديهم، وكأنهم رجال آليون بلا مشاعر إنسانية باستثناء التزامهم بالقتال الشريف الذي يعتمد على المواجهة. وقد تأثر الفيلم بأفلام سابقة مثل «السبرطيين الثلاثمئة» (1962) و»المصارع» Gladiator (2000) وسبارتاكوس (1960) وتيتوس (1999).

التاريخ والخيال

أغلب ما ذكر في الفيلم كان من اختلاق القائمين عليه، بل إنه تفوق على المبالغات التي كتبها اليونانيون عن سبرطة، وتلك المعركة بمراحل، فمثلا نقّب العلماء في المنطقة التي كان السكان القدماء يرمون أطفالهم فيها، ولكنهم لم يجدوا بقايا طفل واحد. ولم يرسل ملك الفرس وفدا إلى سبرطة، أو أثينا طالبا تقديم فروض الطاعة، ولكن والد ذلك الملك الفارسي كان قد أرسل وفدا إلى المدينتين قبل ذلك بعشر سنوات، وقامت سلطات المدينتين برمي أعضاء الوفدين في الآبار، ولذلك، ولإرضاء الملك الفارسي، قام السبرطيون بإرسال اثنين من مواطنيهم إلى الفرس لإعدامهم. كان حجم الجيش الفارسي في الفيلم هائلا، حيث ادعى المؤرخون اليونانيون أن تعداده وصل إلى الملايين. ويتفق العلماء على أن هذه الأرقام خيالية، وأن العدد الحقيقي ربما كان سبعين ألفا، حتى هذا الرقم ربما كان مبالغا فيه. ولم يكن الجيش الفارسي في الحقيقة فارسيا جدا، حيث كان أغلب من فيه من المناطق التي احتلها الفرس، ومنها المناطق اليونانية في شرق تركيا الحالية.

ليونايدس في التاريخ والفيلم

لا نعرف إن كانت زوجة الملك «ليونايدس جميلة، ولكن المصادر التاريخية تذكر أنها كانت ابنة أخيه، بل إن والدة الملك نفسه كانت ابنة شقيق والده.
مراجعة دقيقة للتاريخ السبرطي تجعل تكلم الملك «ليونايدس» عن الحرية محل تساؤل، بل من المستحيل أنه كان قد تفوه بهذه الكلمات. ويجعلنا هذا نتطرق الى مفهوم الحرية التي كان يدعي الملك «ليونايدس» الدفاع عنها، إذ أن أغلب سكان منطقة سبرطة كانوا عبيدا، حتى إن الجنود السبرطيين الذين شاركوا في هذه المعركة كانوا بمعية تسعمئة من العبيد غير المسلحين لخدمتهم. ومما يزيد الطين بلة، أن السبرطيين كانوا يختارون ألفي عبد في مناسبة خاصة كل سنة لكي يقتلوهم للحد من عدد العبيد، إذ كانوا دائمي القلق من أن زيادة عدد العبيد قد تشجعهم على الثورة، ولا ينتهي الأمر هنا، حيث كان التدريب العسكري الذي يستلمه الصبيان يشمل قتل عبيد غير مسلحين.
يصف الملك «ليونايدس الأثينيين في الفيلم بـ»عشاق الغلمان» بينما يشمل التدريب العسكري القاسي للصبيان في سبرطة ممارسة المثلية، إذ كان كل صبي في المعسكر يخضع لإشراف جندي، وتحدث علاقة جنسية بين الاثنين. وإذا كان الصبيان السبرطيون مجبرين على دخول ذلك التمرين العسكري البالغ القسوة، فإن الاستثناء كان أبناء الملوك لأنهم كانوا معفيين من ذلك التدريب، ولذلك، فإن دخول الملك «ليونايدس» ذلك التدريب في الفيلم لم يكن صحيحا. قتل الملك «ليونايدس» الحقيقي في بداية المعركة، وليس في آخرها كما ظهر في الفيلم، ولكن من المستبعد أنه شارك في القتال، حيث كان في الستين من عمره، على عكس الممثل جيرارد بتلر، الذي كان في السابعة والثلاثين من عمره وفي أتم صحة وعافية. ومن الجدير بالذكر أن صحة شخص في الستين من عمره في اليونان القديمة أسوأ بكثير من صحة شخص بالعمر نفسه في الوقت الحاضر، حتى إن الوصول إلى تلك السن في تلك الفترة كان حالة استثنائية. ويظن العلماء أن بعض سكان سبرطة ربما وصلوا إلى تلك السن لأن العمل الشاق كان ينجز من قبل العبيد الذين كانوا يموتون مبكرا بسبب سوء أوضاعهم.
تعطي زوجة الملك السبرطي في الفيلم الدرع له وتقول «عُد معه أو عليه». وتذكر المصادر أن أمهات الجنود كن يقمن بذلك قبيل انطلاق أبنائهم إلى أرض المعركة، وتعني أن على الابن العودة منتصرا أو مقتولا. ولكن التاريخ يذكر كذلك أن السبرطيين كانوا يدفنون جثث قتلاهم إلى جانب أرض المعركة. والمضحك كذلك أن وزن الدرع كان خمسة عشرة كيلوغراما، مما يجعل حمله بالنسبة لأي أمرأة صعبا جدا. ولذلك فإن الحكاية على الأغلب خيالية.

أخطاء تاريخية أخرى

يظهر الجنود السبرطيين في الفيلم متمسكين بالقتال الشريف المكون من الاشتباك المسلح، ولكن التاريخ كشف زيف هذا حيث كانوا يستعملون كل الخدع والأساليب المتاحة للانتصار على خصومهم مثل تسميم السهام والآبار والينابيع، وحرق الحطب، ثم رمي مادة الكبريت على النيران لإنتاج غاز سام عندما تهب الرياح باتجاه أعدائهم. كان رئيس الوفد الفارسي الذي تفاوض مع ملك سبرطة افريقيا في الفيلم، وكذلك المبعوث الفارسي الذي رشى أعضاء مجلس الأيفورز. ولكن المصادر لم تتكلم عن أي أفارقة في الجانب الفارسي، بل إن الفرس لم يرشوا أعضاء ذلك المجلس، فلماذا إقحام الأفارقة في أدوار الشر حصرا؟ وأظهر الفيلم ملك الفرس بشكل مثلي واضح بالإضافة إلى الحفلة التي أقامها ذلك الملك لليوناني الخائن الذي دله على الطريق لمحاصرة السبرطيين، حيث اتسمت بالإشارات المثلية. ومن غير المعروف لماذا ألصق القائمون على الفيلم الصفات المثلية بأعداء سبرطة، لاسيما أن المؤرخين لم يشيروا إليها على الإطلاق. ومن الجدير بالذكر أن ذلك الخائن، حسب التاريخ، لم يكن مشوها أو سبرطيا، بل كان رجلا من المنطقة التي دارت فيها المعركة وسليم الصحة. ومما زاد الأمر غرابة إظهار الجنود الفرس وأعضاء مجلس الأيفورز على شكل وحوش مشوهة. وفي الوقت نفسه نرى الجنود السبرطيين رجالا طويلي القامة، وشبه عراة وأبطال رياضة الكمال الجسماني لإظهار أجسامهم المثالية، وكان واضحا أن خدعا سينمائية استخدمت لإظهار تلك العضلات، بينما كان السبرطيون في الحقيقة يرتدون الدروع، أي لم يكونوا عراة. وأما الجنود الفرس، حسب الفيلم، فكانوا قصار القامة ويرتدون ملابس ثقيلة، وكأنهم وجدوا شهر تموز/ يوليو في اليونان باردا جدا. وعلى الرغم من أن الممثل جيرارد بتلر صبغ شعره باللون الأسود وأخفى عينيه الخضراوين ليبدو يونانيا، فإن الكثير من الممثلين كانوا ذوي أشكال أوروبية غربية. وكان واضحا أن رسالة الفيلم أن اليونانيين يمثلون الجنس المتكامل ويدافعون عن أوروبا ضد الشرق المشوه والمتوحش، حيث يقول المعلق إنهم يحاربون كل آسيا.

يظهر الجنود السبرطيين في الفيلم متمسكين بالقتال الشريف المكون من الاشتباك المسلح، ولكن التاريخ كشف زيف هذا حيث كانوا يستعملون كل الخدع والأساليب المتاحة للانتصار على خصومهم مثل تسميم السهام والآبار والينابيع، وحرق الحطب، ثم رمي مادة الكبريت على النيران لإنتاج غاز سام عندما تهب الرياح باتجاه أعدائهم.

يتفق العلماء على أن المعركة حدثت فعلا، ولكن أغلب التفاصيل مجهولة، مما شجع المؤرخين اللاحقين على المبالغة الشديدة في وصف وقائعها. ولا يعرف العلماء لماذا جمع اليونانيون جيشا صغيرا بلغ سبعة آلاف جندي، إن صدق المؤرخون، حيث انضمت بعض الوحدات اليونانية الأخرى للسبرطيين؟ ولكن الطريقة التي وصفها المؤرخون اليونانيون ركزت على الثلاثمئة جندي سبرطي، وكأنهم كانوا بمفردهم يواجهون الجيش الفارسي، مما يخالف المنطق تماما، فهذا العدد لم يكن كافيا للانتصار على أي جيش مهما كان سيئا.
مهما كانت التفاصيل الحقيقية، فمن المؤكد أن الحملتين اللتين قام بهما الفرس فشلتا، ولم يحاول الفرس الهجوم على اليونان مرة ثالثة، بل أصبح موقفهم دفاعيا. ومع ذلك، فقد احتلت هذه المعركة بالذات موقعا بارزا في خيال المؤرخين القدماء والحاليين، واستُعمِلَت لخدمة أهداف أغلب من تطرق إليها، فاستخدمها اليونانيون القدماء لخلق صورة خيالية لعظمة اليونان، وقد امتد ذلك الخيال ليشمل مدينتي أثينا وسبرطة، وكأنهما مدينتان مثاليتان، على الرغم من اختلافاتهما. أما المؤرخون الحديثون، فقد أضافوا إلى خيال من سبقهم لكون اليونان القديمة أول حضارة أوروبية. وكان من أساليب الإمبراطورية الفارسية القدماء رشوة قائد في الجهة المعادية، أو دعم عدو لهم ضد آخر، حيث لم يكونوا في الحقيقة قوة عسكرية قادرة على مواجهة قوى عسكرية متدربة جيدا وذات أساليب غير مألوفة، على الرغم من أن التشكيلات العسكرية الفارسية كانت مأخوذة من التقاليد الآشورية العسكرية القديمة ،التي عرفت بكفاءة غير عادية، ولهذه الأسباب فشل الجيش الفارسي في مقاومة الجيش اليوناني الذي كان بقيادة الإسكندر المقدوني، الذي أنهى الصراع بين الجانبين بالقضاء على الإمبراطورية الفارسية، ولم يستطع مقاومة رغبتهم الدائمة في التوسع، مما جعلهم يدخلون في مغامرات خطيرة انتهى بعضها بكوارث، لاسيما أنهم كانوا يبتعدون كثيرا عن قواعدهم التقليدية. وكان سبب محاولة الفرس احتلال اليونان إيقاف تشجيع اليونان للمناطق اليونانية في تركيا على الثورة والسيطرة على ثروات المدن اليونانية، ولم يقدم الفرس رشوة لأي أحد في مجلس الأيفورز، أو مجلس شيوخ سبرطة، كما ادعى الفيلم، ولكنهم دعموا سبرطة في حربها مع أثينا، التي تلت فشل الحملة الفارسية وكان ذلك سببا رئيسيا في انتصار سبرطة.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية