الرباط: للفقر تأثيرات خطيرة على حياة الأسر، والأطفال خاصة، و ذلك لكونه السبب في استنبات الكثير من السلوكات التي تؤثر سلبا على مستقبل المجتمع، مادام الصغار سيصبحون كبارا، وعليهم يعول تقدم المجتمع وصيانة مقوماته الحضرية والخلقية. والفيلم القصير «الفقر» يندرج في هذا الإطار. الفيلم تأليف عبد الباسط الخطيب، وإخراج عبد الرحمن الخطيب.
البطل المهزوم
خالد طالب نجيب وذكي، مُجد ومثابر باعتراف بعض زملائه، صفات ستخفيها سحابة الفقر، التي جاءته فجأة بدون استعداد، فقد مات أبوه، وله إخوة ثلاثة هو أكبرهم، ما يدفع به لتحمل مسؤولية قوتهم اليومي، علاوة على دراسته فهو ما يزال طالبا يروم الحصول على شهادة تكفل له وظيفة في مستقبله. فقد قدمه الفيلم طالبا ينام في الفصل لتعبه وصعوبة العمل الذي يقوم به في أعمال البناء، وهو ما لم يعرفه أستاذه فيوبخه ويسخر منه ويعاقبه بعد ذلك وسط جماعة الفصل، ليقوم بإخراجه ذليلا حزينا يفكر في حاله وفي احتقار الأستاذ له. وعلى حائط قصير يجلس مطأطأ الرأس ليقوم أحد المارة من معارفه للتواصل معه ومرافقته إلى المدير، حيث عاتبه المدير وأنبه وحمله كل الأخطاء، فالقسم ليس فندقا والهندام المقطع البالي المتسخ لا يليق بالطلبة، وقد أجابه خالد ووعده بتغيير سلوكه بصوت منخفض يدل على إحساسه بالذنب.
الحكم بالمظهر
من الفظاعة ومن الظلم الحكم على الناس وفق مظاهرهم، فكم من مظهر جميل يخفي شخصية تعتريها الموبقات والشرور، وكم من مظهر يبدو عليه الفقر، لكنه يخفي وراءه شخصية إنسانية مفعمة بالنبل والمروءة. والحال أن الفيلم يقدم في مشهده الأول خالدا وكأنه طالب منحرف لا هم له في التعلم والتربية، وقد يأتي إلى الفصل إرضاء لوالديه وحسب. فقد قام الطلاب احتراما للأستاذ فور دخوله الفصل ونام، والأستاذ يشرح درسه متفاعلا مع جماعة الفصل، علاوة على ملابسه الممزقة المتسخة بشكل بارز. لكن التقصي يكشف أمرا آخر، فخالد طالب ذو خلق، لكن الظروف القاهرة جعلته يفقد الكثير من مزاياه (حُسن الهندام، الإيثار، والإحساس بالمسؤولية).

الندم
من شروط الفيلم القصير، وجود مشاهد مؤثرة توصل الرسالة المركز عليها بشكل مركز، ولا سبيل إلى ذلك سوى الاختيار للقطات منتقاة بعناية، ضمن مشهد مشحون بملامح الحزن أو الفرح، أو التأسف والندم بعد وقائع معينة. في الفيلم مشاهد مؤثرة ومن بينها جلوس خالد وحيدا يبكي خارج الفصل، وكأنه فرد مرفوض من بين سائر الطلبة، بعد أن نهره الأستاذ وضربه ضربا مبرحا وهو يستعطفه ويعده بالاستجابة لطلبه. علاوة على مشهد التحري الأول، حيث وجده أحد الطلبة يغسل ثيابه وثياب إخوته الذين جلسوا قريبا منه يلتهمون الطعام بلهفة الجائع المحروم. والمشهد الأكثر تأثيرا مشهد الأستاذ والمدير وطالبين، أقبلوا كي يكتشفوا مدى معاناة خالد، وهو العامل في البناء، وهو المسؤول الوحيد عن أحوال إخوته الثلاثة .. الأستاذ ينظر إلى يده التي ضربت خالدا، وهو يتذكر استعطافه له قبل طرده من القسم فيتأسف لذلك كثيرا، يعانق الجميع خالدا وينتهي الفيلم، وعلى الشاشة يظهر قول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، «لو كان الفقر رجلا لقتلته»
حكاية الملايين
الفيلم يعرض لحكاية تعاني منها فئة الفقراء في كل مجتمع، حيث يكشر الفقر عن أنيابه، فلا يرحم لا الصغير ولا الكبير، وقد يفضي إلى نتائج لا تحمد عقباها، فكم من فقر قاد صاحبه إلى امتهان السرقة والانحراف، وكم من فقر قاد صاحبه إلى الحمق أو الانتحار، وكم من فقر أودى بحياة أسر كاملة تاه أفرادها قبل أن يلقوا حتفهم بالمرض والاعتداء وغير ذلك. الفيلم رسالة إلى كل الناس من أجل حماية الفقراء والاهتمام بهم بكل وسيلة تجعلهم يشعرون بالكرامة والإنسانية.