الفيلم المغربي ‘أيام الوهم’: اساءة كبيرة إلى السينما المغربية

حجم الخط
0

حسن بنشليخةأهلا وسهلا بكم في منتدى الرعب مع ممارسة الابتذال المتعمد، والوقاحة الزائدة بوصفات العنف الإباحية، ومنذ البداية يدرك المشاهد انه قادم على مشاهدة فيلم أجهض قبل ولادته، لأنه مبني على كمية من الأوساخ الطائشة المتطايرة على نحو رديء. انه الفيلم المغربي ‘أيام الوهم’ لمخرجه طلال السلهامي، وان كان يريد أن يغامر في عالم الرعب يشبه في كل مراحله منذ البداية حتى النهاية السلسلة الأمريكية المتلفزة ‘المبتدئ’ التي يديرها المليونير الأمريكي الشهير دونالد ترمب.

وبزخم ثقيل من الكدر والقليل من التفكير شاهدنا هذا ‘الفيلم’ الذي نعتبره نسخة مستنسخة للسلسلة المتلفزة التي تعتمد على التنافس للحصول على منصب، يضطر معها المتنافسون على صياغة الولاءات أو التناحر في ما بينهم للوصول إلى الهدف. الفارق الوحيد هو أن المتناحرين بينهم في سلسلة ‘المبتدئ’، لكسب عطف دونالد ترمب وتشغيلهم، يقومون بذلك داخل ناطحات السحاب في مدينة نيويورك، ويحصل الفائز في الأخير على عمل قدره 250 ألف دولار سنويا، في إحدى شركات ترمب. أما أبطال المخرج طلال السلهامي الخمسة فيتناحرون بينهم في الصحراء المغربية لكسب منصب داخل شركة Matsuika (لا تحاولوا فهم هذا الاسم أو لغزه لأنه من باب الخيال الزائف). المهم أن Matsuika، شركة يابانية متعددة الجنسيات فتحت أبوابها في المغرب واستقدم الرئيس التنفيذي بها خمسة أفراد بخلفيات مختلفة وملامح متناقضة للتنافس على منصب داخلها. وخلال اجتماعه بهم، ينبه الرئيس التنفيذي الأشخاص الخمسة، تماما كما يصنع دونالد ترمب، الى أنهم مقبلون على مهمة غامضة في مكان سري، ومن استطاع أن يفك اللغز يحرز على الشغل مع الشركة.

تجفيف المال العامتتناوب على كنز صندوق الدعم المغربي نفس الخلية من الذباب المتخصص في تجفيف المال العام. فمنتج فيلم ‘أيام الوهم’ ليس أكثر من نبيل عيوش، الذي يعتبره الكثيرون الطفل المدلل من طرف مدير المركز السينمائي المغربي نورالدين الصايل، الذي أصبح يحظى بالدعم كلما قدم أي مشروع رغم خزي وسخافة وتفاهة أفلامه، على حساب المخرجين الأكفاء من أمثال محمد العسلي وياسمين قصارى ومحمد حسيني وإسماعيل فروخي واحمد المعنوني وآخرين. هذا مع العلم أن نبيل عيوش لا يحمل حتى شهادة البكلوريا ناهيك عن أي شهادة في الإخراج السينمائي. إن تشويه السينما المغربية عن طريق أفلامه الكرتونية القذرة التي لا تصلح إلا لتغليف المواد النتنة تكفي لتعليق الجرس لوضع حد لمصاصي مال الدعم العام من صندوق الضرائب. ففيلم ‘أيام الوهم’، إذا اصطلحت عليه تسمية فيلم، نجمه الصحراء، وليس أي شخص آخر. هذا ‘الفيلم’ مثله مثل سلسلة ترمب المتلفزة لا يحتاج، على أي حال، إلى ممثلين ومع ذلك تقاضى ‘الممثلون’ في فيلم ‘أيام الوهم’ مبالغ مالية لا يعلمها إلا المانح والمتلقي، لكن الذي نعرفه هو انه كان هباء. الفاصل بين المنتوجين هو أن دونالد ترمب يدفع مصاريف منافسيه من جيبه، في الوقت الذي يتحمل المركز السينمائي المغربي عبء هؤلاء. فنبيل عيوش المعروف بأفلامه المسوخية الإباحية في شكلها، والفارغة في محتواها، والمريضة في لغتها، تريد أن تعلم أجيال اليوم الكلام الساقط وهز البطن وتحاول نشر العاميات التي تشل قوة التفكير وتقتل كل القيم في المجتمع. لكنه قرر هذه المرة توظيف أموال دافعي الضرائب في أفلام الرعب السخيفة التي لا صلة لها بالمجتمع المغربي، والأسوأ هو أن فيلم ‘أيام الوهم’ بضاعة من الخيال القذر المسروقة أعيد تصنيعها لبيعها على أساس أنها ‘فريدة ومتميزة’. اقتياد السينما المغربية إلى المسلختبدأ قصة الفيلم بسفر لانهاية له تجاه الصحراء المغربية وتتعرض الحافلة التي تقل الخمسة أشخاص إلى حادث ويحاصر الجميع داخلها، حيث لا نوافذ للحافلة (احبسوا أنفاسكم ربما عثر المغرب على مخرج من صنف هيتشكوك). المصادفة الغريبة أن المتفرج يشاهد هذا الفيلم في قاعة بلا نوافذ كذلك! وبفضل جهد مشترك يتمكن الكل من إجلاء الحافلة ليتنبهوا الى أنهم في وسط الصحراء وبدون سائق، الذي يبدو انه اختفى (يا للعجب). بعدها يتساءل الكل إن كان الحادث أول حيلة صممت لاختبارهم جسديا (نتساءل معها كذلك لماذا تريد شركة يابانية امتحان هؤلاء جسديا وليس عقليا؟). ولم يبق أمام هؤلاء المتنافسين الخمسة إلا المشي في البرية ليهيموا على وجوههم ويختبروا أنفسهم وشجاعتهم على مواجهة مخاوفهم. وتبدأ قصتهم المروعة مع القتل والانتقام ومشاهد الدم والعنف يطلق معها المخرج العنان لسلوكه المريض ورغباته الملتهبة يبتلع معها لسانه. وتتكرر عشرات المشاهد، في حين لم يكن المشاهد قادرا على فهم أسباب بث عويل أو صراخ ملهوفين.

ما نشاهده بعد ذلك لا يتطلب أي مستوى معين من التفكير. ومن الأفضل للمشاهد أن ينساق مع هذه المتاهة التي تحصل في الصحراء ويتمنى أن تنتهي في اقرب وقت! واشعر بالذنب أن أوصي أي إنسان بدفع ثمن تذكرة لمشاهدة هذا الهراء. انه فيلم لن يقدم للمشاهد إلا حالات من الإحباط. فيلم مريض وسخيف وبوحشية دموية بلا هوادة، مؤلم وسادي، كالح ومحبط، متقزز وبشع يدفع المشاهد إلى حمل رأسه بين يديه خلال جزء كبير من الفيلم. وجاءت فخاخ المؤامرة للانتقام غبية وشنيعة بعنف مقترف. إنها ساعة وخمس وأربعون دقيقة من العبث والخبث الزائد أفضل عبء مشاهدة مسلسل مكسيكي ركيك على التلفزيون المغربي المدبلج بالعامية المغربية على تبديد وقتي مع هذه النفايات النتنة. فالممثلون الخمسة بدون استثناء كريهو الفم ومعتوهو الشخصية ولا يسجلون أدوارهم إلا بالكاد ويحاولون قدر المستطاع أن يظهروا على أنهم حقيقيون، كما هو المتوقع، لكنهم يتحولون إلى خشونة ثقيلة. هؤلاء الخمسة لا يصلحون للعب دور الرعب الذي يريد المخرج منه أن يكون عموده الفقري. وينتهي الفيلم بطريقة مثيرة للسخرية يتساءل معها المشاهد إن كان مجرد خليط من بقايا قطع الفاكهة الفاسدة وضعها المخرج في طاحونة وصنع منها عصيرا تفوح رائحته الكريهة وتتسبب للمشاهد في المرارة من كثرة أذاها.

هكذا تهدر أموال دافعي الضرائب بدون مسؤولية لاقتياد السينما المغربية إلى ‘المسلخ’، ومع ذلك يفتخر بعض المسؤولين عن القطاع السينمائي المغربي بعدد الأفلام الهابطة التي ينجزها المغرب سنويا، وبذلك يكون تفوق حتى عن السينما الايطالية. من استرعى الذئب ظلم، وإلا كيف يعقل لإنسان أن يمول ويفتخر بأفلام تتسم بالضعف والإفلاس، أخرجها نفس المخرجين المهوسين، الذين يتناوبون على المال العام، ولا يميزون بين الرداءة والابتذال مثل فيلم (الخطاف) و(كازانيغرا) و(حجاب الحب) و(لحظة ظلام) و(ملائكة الشيطان) و(المنسيون) و(ماروك) و(كل ما تريده لولا) و(براق) و(قنديشة)، وأخيرا فيلم (اكس شمكار) الذي بمجرد استحضار اسمه أكاد أن يغمى علي. الظاهر أن الكثير ممن يسمون أنفسهم مخرجين مغاربة ومعهم بعض الصحافيين الذين يتاجرون بأقلامهم كما تتاجر العاهرات بأجسادهن، يهللون لكل من يمنحهم نصيبهم من الصيد ولا يهمهم إن كان أمسكته الحبال أو أسقطته النبال.

نحن لا نستغرب من هذا الوضع فهو نابع من ترديات نفسية تتحكم فيها عقلية رجعية تحاول الانفراد بالساحة السينمائية المغربية، ليخلو لها الجو لتمرير ما تريد. هذه العقلية حصيلة ايديولوجية حاقدة بجرح غائر ومغازلة للكبرياء وفرض وجهة النظر الواحدة، حتى وصل الأمر للتصادم وتبادل التهم. انه انحطاط القيم الأخلاقية، المهم عند أصحاب النظرة الواحدة هو خلق الفرص لبعض ‘البلطجية’ لتحرص على ما استرعى إليها من نوع الصفقة التي ترفعها وتقربها من المختلسين. وهذه العقلية لا تتطلب الكثير من الخداع والمكر بقدر ما تقوم على مهارة مبدأ ‘انهب واركض’. إنها عقلية بفروع في شجرة حنظل واحدة تقوم على الزحف المالي والإداري على حساب ثقافة السينما الراقية والفنون الهادفة. *ناقد ومخرج سينمائي مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية