محمد بلوش
يمتلك الناس عنهم افكارا مغلوطة، بحيث يتصورونهم يعيشون في رفاهية ونعيم، بعد ظهورهم كممثلين في افلام امريكية، ألمانية، فرنسية، ايطالية، وغيرها من الجنسيات الاخرى، وأولئك الناس، نقصد المهتمين بالسينما، في وقت يجهل الكثير ولو وجودهم.
تلك هي الخلاصة المريرة لحياة مغاربة اغلبهم من وارزازات، اكدز والنواحي، يعيشون مما يجود به تصوير افلام اجنبية في وارزازات، المدينة الاكثر التصاقا بذكر السينما في المغرب، رغم أنها لا تتوفر على قاعة سينمائية واحدة نشيطة.
تلك الفئة المهمشة، والرغبة في توثيق معاناتها بالصوت والصورة، هي موضوع عام الفيلم الوثائقي ‘صدى الصمت’ للمخرج المغربي الشاب ربيع الجوهري.
الفيلم تم تصويره باماكن عيش شخصيات سرده، مما اعطى نوعا من جاذبية الواقعية، من خلال تصوير تعمد عدم استعمال تقنية الانارة الاصطناعية للاحتفاظ للمشهد بواقعيته، فجاءت الصورة معبرة في مختلف مكوناتها.
ان السرد الفيلمي في ‘صدى الصمت’ ينبني على تقنية ترك الشخصيات تعبر عن مكنوناتها بنفسها، الأمر الذي غيب تماما الحاجة إلى استعمال صوت خارجي، ومكن من شحن المتلقي بانفعالات تجذبه نحو الشخصيات، أبرزها نوع من التعاطف المطلق. شهادات الممثلين المهمشين، كانت بأسمائهم الحقيقية، حيث يتعرف المشاهد على شرائح مختلفة الاعمار، كالممثل الطفل ماهر، الذي يساعد اسرته الصغيرة المتكونة من أم وأخت صغيرة، فيفاجأ المشاهد لعفويته الكبيرة، ووعيه الذي يتجاوز حقيقة مرحلته العمرية التي يعيشها، بحيث أنه وفي غياب تصوير افلام اجنبية في وارزازات، يعوض غياب فرص العمل المؤقتة والمحدودة من خلال الاشتغال كدليل للسياح الاجانب، مستفيدا من إتقانه الملحوظ للغات أجنبية، والممثلة حميعة، الانسانة التي تحمل في صدرها قلبا يتعاطف مع كل زملائها المشتغلين ككومبارس، متحدية العوز المادي والحياة الصعبة التي يغلب عليها الفقر بوضوح.’ انني مازلت استكمل بناء منزلي منذ 1967’، جملة لخصت معاناة احد قيدومي الممثلين الكومبارس من جراء المدخول الهزيل الذي تجود به المشاركات المتقطعة في افلام اجنبية، والتشاؤم من المستقبل هي نظرة الممثل الشاب بوبكر الذي يتذكر الملايين ممن شاهدوا فيلم ‘بابل’ ظهوره في مشاهده الاولى، مع نبرة حلم طفولي بالذهاب بعيدا في المجال، جاد بها الطفل الصغير الذي شارك في احدى مشاهد فيلم أجنبي، وفضل أداء الشاب بوبكر على ممثل من حجم ‘براد بيت’، وهو تفضيل عفوي بطبيعة الحال.
عبر مشاهد فيلم ربيع الجوهري، نكتشف ان الممثلين الكومبارس في وارزازات ينقسمون الى نوعيتين، فبالاضافة الى سكان نواحي المدينة كالقصبة، ايت بن حدو، أكدز، وغيرها، هناك فئة تهاجر الى وارزازات من جهات مختلفة من المغرب، وحلمها الوحيد هو أن يعترف بامتلاكها لمؤهلات كبيرة في مجال التشخيص السينمائي، مما يجعل متاعب هذه الفئة اكثر إيلاما من الفئة الأولى.
فيلم ‘صدى الصمت’ يمتع بنفس درجة إثارة المواجع، بحيث أن الواقع المزري لشخصياته المحورية لم يغط عنه في لحظات او مشاهد سوى عبارات أو جمل تنتزع ابتسامة ما من المتلقي، ليفرض الواقع نفسه في إطار التساؤل عن مدى الاستفادة الفعلية التي كان جديرا بالمغاربة أن يجنوها من إقبال الاجانب على فضاءاته لتصوير اعمالهم السينمائية، وهنا نسأل بطبيعة الحال عن مدى تطوير الخبرات في مجال المهن السينمائية قبل الحديث عما يجنيه المركز السينمائي المغربي من مداخيل مادية مهمة.
المخرج ربيع الجوهري مثال حي للمخرجين ذوي التكوين العالي في المجال، حيث تلقى تكوينا خلال الفترة مابين 2004 و2006 بالمعهد الاورومتوسطي والسمعي البصري بوارزازات، من خلال تخصصي الاخراج والانتاج الوثائقي، بعد إجازة في شعبة الأدب الانكليزي من جامعة محمد الخامس بالرباط، وله إسهامات موزعة بين السينما، التلفزيون والمسرح ثم التدريس والكتابة الابداعية.
ففي مجال السينما، شغل مهمة مساعد مخرج أول في فيلم ‘ألو15’ لمخرجه محمد اليونسي (2008)، مساعد مخرج اول في الفيلم الانكليزي ‘سجناء الشمس’ لروجر كريستين (2006)، وفي الفيلم الايطالي ‘الدقيقة الاخيرة في المغرب’ للمخرج فرانشيسكو فلاشي (2006)، الفيلم الامريكي ‘للتلال عيون 2’ لمارتن وايز (2006)، ثم مساعد مخرج في الفيلم الايطالي ‘ابن الأحد’ لماوريتسو زاكارو (2007)، وفي الفيلم المغربي ‘في انتظار بازوليني’ لداود اولاد السيد (2007)، ثم مساعد مخرج ثان في الفيلم الفرنسي. ‘ عاشت القنبلة’ لجون بيير سينابي (2006)، وفي الفيلم الالماني ‘ست اسابيع من الرعب’ لهانز يورج تورن (2005)، وهي نفس المهمة لربيع الجوهري في الفيلم الامريكي ‘الوضع’ لفيليب هاس، وفي الفيلم الايطالي ‘الاجنبية’ لماركو تورو، وقد انتجا معا سنة 2005 . على مستوى الاعمال التلفزيونية، أخرج الجوهري عدة افلام وثائقية، منها 10 وثائقيات لبرنامج ‘حديث الصباح’ لقناة الجزيرة، وريبورتاج بعنوان ‘سعيدة، سيدة القطار’ لنفس القناة، بالاضافة الى افلامه الوثائقية ‘قافلة السينما'(2007)، ‘ تندوف: قصة مكلومين’ (2007)، ‘خريبكة هبة الفوسفاط’ (2008)، ‘امريكا بعيون مغربية’ (2009) و’صدى الصمت’ (2010) .