ثمّة اشكالية مؤرقة في الكتابة عن الأفلام المأخوذة من نوع بعينه من الكتب، والتي لا يمكن تصنيفها تصنيفا أدبيا بحتا، كتلك الكُتب التي يسرد فيها أحدهم، عن تجربة حقيقية مر بها، مُعددا مواقفها ووقائعها تفصيلا، مما يدعو للتساؤل طوال مدة مشاهدة الأفلام المأخوذة عنها، عن حقيقة انتماء تفاصيل الشخصيات، وطبيعة المواقف المسرودة، هل هي ملكا لمُخيلة كاتب السيناريو، أم للسطور التي اهتم صاحبها أن يُضمنها انطباعاته عن كل ما يحدث.
وكتاب ‘مـارتن سكسميث’ بعـنـوان ‘the lost child of Philomena lee’ هو النموذج الأمثل لهذا النوع من الكتب، الذي يحمل بين ثناياه قصة تجربة انسانية مكثفة ومختزلة في رحلة بحث، قضاها مع سيدة مُسنة تدعي فيلومينا أملا في اقتفاء أثر إبنها، بعدما باعته الكنيسة لاحدى عائلات نيويورك عقابا لخطيئتها وهي صبية وانتهاكها حرمات دينها بممارسة الجنس مع غريب إلتقى بها في أحد الملاهي الترفيهية.
الرحلة هنا موثقة في عدة مواقف ومقابلات أجراها كل من مارتن وفيلومينا مع عدد من الشخصيات التي عايشت ابنها، بعد اكتشافها موته، بينما بقيت رغبتها في المعرفة عنه، وعن سؤال طالما أرقها بخصوص حنينه لها ولموطنه. كل شيء يبدو وكأنه مذكور في سطور الكتاب، كل شيء عن شخصية فيلومينا المتميزة، وعن الظروف التي كان يمر بها مارتن سكسميث حينها وقت طرده من عمله في الـ.bbc ولأن الإستقصاء حول جماليات السيناريو ولمساته التي أضافها بمعزل عن الكتاب صعب التطرق لها، لأنه لم يتيسر لنا قراءة الكتاب، فإن الحديث هنا حول السيناريو، سلبا أو ايجابا سيكون شموليا قد يتلاقى مع ما ضُمّن في الكتاب، أو ما ساهم الفيلم في خلقه بسياق مستقل وخاص به. كما سيظل الحديث حول بعض الملاحظات التي تخص الصورة عائدا لحقوق صناع الفيلم أنفسهم.
الشخصيات
فيلومينا، سيدة مُسنة تفوح منها رائحة طفولة، شطر منها مُختمر بطابع شيخوخي، والآخر يرتبط بفطرة نقية اكتسبتها من الحياة البدائية التي سبق وعاشتها في الكنيسة، حياة منغلقة تكثر فيها الأوامر بالإذعان، ومراجعة النفس عن خطاياها على الدوام، الجميل أن كل هذا صبغ شخصية فيلومينا بصبغة سوية جدا، تعترف فيها بسيئات ذاتها ولكنها في الوقت ذاته، قادرة على أن تتسامح معها، فتمددت لديها طاقة القبول، وامتدت للآخر، فلم تعد تندهش من غرائبهم، بل أضحت لديها القدرة لكي تعيها وتهضمها جيدا، ومن ثم يتسِع لها صدرها بدون أية امتعاضات.
فنراها تلحظ طاقة الغضب التي تملأ مارتن، توتره وعذاباته الداخلية، وتعدو طوال الوقت للتعامل معها بلامبالاة بنائة، تُسقط على ثورته سلاما تدخره في نفسها، فتؤثر فيه بقوة لدرجة لا ينتبه هو إليها إلا في نهاية الرحلة. ففي مشهد يلتقيان فيه بأحد زملاء مارتن في العمل الذي طُرد منه، تهتم فيلومينا وتلِح في مساءلة مارتن عن هذا الرجل، بشكل متحايل يقطر ذكاء، يغلب عليه ابداء انطباع استشفته من ردة فعل مارتن أثناء حديثه مع الرجل، وغلفته بصيغة تساؤل مقتضب، خلقت به على مشارف رحلتهما شيئا من الحميمية والدعم.
ومن بعدها، تستقبل خبر مثلية ابنها بمنتهى الهدوء، بل وتُبدي اعترافا لمارتن بأنها كانت على علم بها، بالطبع فهي السيدة القادرة على التماهي ذهنيا وروحانيا بكل ما يحيط بها، من أشخاص وأماكن، بالتالي لا بد لها أن تٌراقب صغيرها وقت لبوثه في حضنها وقبل الفراق، وتفطن أنه قد يكون على هذه الحالة في الكِبر، إنه ليس تأويلا هوائيا، بينما هي تلك الموهبة التي تحملها نفس هذه المرأة، وتجعلها رهيفة الحس ممتلئة بكل حوادث مرت بها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ولهذا داومت على استعادة لذة لقائها الجنسي الأول، والتحدث عنه بمنتهى الإنطلاق، تماما كما تحدثت عن مثلية ابنها .
هي تحمل طاقة تسامح مُلفتة، تبعث فيها قدرة على الاستمتاع بأتفه التفاصيل التي تبدو عادية من حولها، جودة الطعام، استضافة الفندق. متغاضية عما يحيط بها من مخاوف حيال ما سيتكشف لها عن حياة ابنها الذي تبحث عنه. بمثل هذه النورانية التي تملكها في داخلها، تجنح لمسامحة راهبات الكنيسة، ولا تطالبهم بأية تبريرات حينما يتضح لها أنهم منعوها من مقابلة ابنها الذي جاء ليبحث هو الآخر عنها بداية من نفس المكان.
لقد حولت فِطرة فيلومينا القوية، تعسفات وظلم أجواء الكنيسة التي نشبت فيها إلى مخزون عطاء وحب وتسامح، أحالت قيوده إلى جناحين، وبددت ظلمه وقهره إلى رحيق قبول ينتمي أكثر إلى مفاهيم الدين الصحيحة وليس المتعارف عليها.
أما ‘مارتن سكسميث’ فهو لم يكن إلا تلك الشخصية التي ساهمت على مستوى الدراما في إنماء قراءة المُشاهدة لتفاصيل فيلومينا بشكل أوضح، فلولا زمجرة مارتن طوال الوقت، لم يكن ليتم سماع الاستقرار الداخلي الذي تحمله فيلومينا.
خطوط الدراما
قدم السيناريو المعالجة الدرامية على مستوى خطين دراميين، أحدهما بديهي وملحوظ والآخر على مستوى ابعد من الرؤية، فالأول يتمثل في تفاصيل تلك الرحلة والحقائق التي تتمخض عنها، أما الثاني فهو ما يرصد التفاعل الخفي الذي يضرب علاقة فيلومينا بمارتن، وفيما بين الخطين نبغ السيناريو في خلق حالة متماسكة، رشيقة الايقاع، ومغزولة بحرفية، يُخدّم فيها كل خط على الآخر.
فعلى مستوى الخط الأول، نجده قدم التحفيز الللازم للمشاهد لكي يتحمس لمتابعة هذه الرحلة بشغف، لم يُفضل أن يترك ما حدث في الماضي للسرد الشفهي، بينما تطرق لمعايشته بمشاهد حية، مما عمّق من وقع فقد هذه الأم المسالمة لابنها عُنوة، وعبّر في ايفاء عن التجبر الذي كانت تمارسه الراهبات على تلك الفتيات، وبالتالي أصبحت أول زيارات فيلومينا ومارتن للكنيسة، مُقبضة بعض الشيء، تطل على كل رُكن من المكان فيها آثار الواقعة القديمة، فبدت مشاهد قوية موحية بأن هذا المكان هو بداية ونهاية الرحلة التي ستبدأ لتوها. تلك النقطة بأكملها، تُحسب لسيناريو الفيلم بمعزل عما أورده مارتن في كتابه، فمشاهد الفلاش باك، واللقطات المريبة التي صاغها السيناريو، والتقطتها الكاميرا بحذق لتفاصيل الكنيسة (مُعلقات الجدران اللقطات المشوشة للراهبة الأكبر سنا من خلف الزجاج، والتي سيتضح في النهاية أنها متورطة في اخفاء الأمر..وغيرها)، هي ما ساهمت في تجسيد مشاعر مارتن بإبداء الشك تجاه هذا المكان برمته، والتي قد يكون عبر عنها جيدا في كتابه، ولكن التعامل معها جاء في الفيلم مُعلنا عن استقلاله بشكل بيّن .
أما بخصوص المستوى الثاني، وهو علاقة مارتن بفيلومينا، فهو وبلا شك ما ساهم في ضبط موضوع وحالة الفيلم، ومنحها هالة حضور مميزة وبصمة مختلفة، فلم تعد الحدوتة مقتصرة على موقف انساني سطحي، مصدر التجدد فيه هو المعلومة الجديدة التي يصلان إليها، بينما علاقتهما في ذاتها، كانت عامل ثراء للحبكة، لم تدع فرصة للحظة ركود واحدة في متن السيناريو، وضمّنت شعورا بالتوهج حتى في أقل المواقف أهمية، مثلا مشاهد الزيارة السياحية التي قاما بها لتمثال لينكولن، وفي المشهد الذي كانت تخبر فيه فيلومينا مارتن عن الفيلم الكوميدي الأمريكي الذي سبق وشاهدته، إنها لحظات هامشية ولكنها شديدة الفاعلية، بنى لها السيناريو جيدا، بحيث تبدو جزءا لا يتجزأ من الدراما، التي تحوي بين سطورها انطباعات عِدة عن هذه الشخصيات وطبيعة احساسها مما ينعكس على قرارتهم حيال خط سير الرحلة التي تجمعمها. هنا يتلاقى الخطان الدراميان ويؤثر الواحد منهما على الآخر ويتحكم بمصيره. فلولا الوقع الذي خلفته شخصية فيلومينا على مارتن، لم يكن ليستميت في أن يُدبر لها مقابلة الصديق الحميمي لإبنها انطوني، بالطبع كان شعوره وهو يسعى لكي تتم هذه المقابلة، يختلف تماما عما سبقها، هذه المرة كانت فيلومينا هي دافعه الوحيد بعيدا عن حسابات عمله، وتحقيقه سبقا ما في التحقيق الصحفي المكلف بكتابته، وعلى نفس المنوال لم تكن فيلومينا لتُكمل المسير بجرأة للمعرفة عن ابنها، لولا الدعم الذي قدمه لها مارتن. فما نتج عن علاقتهما هو ما منح هذه الرحلة عمرا اضافيا .
مناطق مشوشة
لم يكن ثمّة مبرر لظهور أجزاء من الشريط الفيلمي الذي يتناول مقتطفات من حياة انطوني ابن فيلومينا، فيما بين مشاهد رحلتها هي ومارتن، وقبل اللقطة التي يعرضه أمامها حبيب انطوني السابق في مقابلتهما معه. فاللقطات التي تم اقحامها منه داخل هذا السياق، لم تكن موفقة لكي تبعث على أي تغيير، التزمت بالحياد في وقعها الدرامي وبالتالي لم يكن لوجودها أي معنى.
المشاهد التي عبرت عن طاقة الغضب التي يحملها مارتن بداخله، مثل المشهد الذي ينفصل فيه عن مشاهدة عرض أوبرالي ليستدعي فيه تفاصيل الأزمة التي أطاحت بعمله، والمشهد الذي ينصحه فيه طبيبه بالركض لكي يخفف من توتره واكتئابه، وكذلك المشهد الطويل الذي يتحدث فيه مع أحدهم بالحفلة بنبرة متوترة مشتتة، كلها اضافات تدور داخل نفس الحلقة التي تقدم المعلومة بشكل عار ومباشر، افقد شخصية مارتن العمق الكافي، واختزلها بالكامل في هذه التفصيلة. فبدت حتى اللقطات التي ترصده وهو يركض ضيقة التأثير مفضوحة المعنى، وكذلك مصارحة فيلومينا له في النهاية عندما قالت ‘ انظر إلى نفسك، إنك غاضب ولا بد أن يكون هذا مُرهِق جدا’.
جودي دينش
منطقة التميز في فيلم فيلومينا، هي شخصية فيلومينا التي حركت كل عناصر السيناريو بأكملها، والجميل أن من أدت هذه الشخصية هي العظيمة ‘جودي دينش’، والتي خلقت فيلومينا أخرى خاصة بها، أكثر جاذبية من ورق السيناريو أو ورق كتاب مارتــن ذاته، حضورها غمر الفيلم بأكمله، وأداؤهـــا الشيطاني المُعبر عن التناقضات الخــــفية في هذه الشخصية كان مفتاح المتعة الحقيقية، فبعينيها كانت تُملي على المُشاهد ما يجب أن يشعر به، دون أن يخذلها في أي لحظة تجلت فيها كقديسة تمثيل، هي طفلة الآن فتمنحه لحظة انطلاق ومرح، هي أم الآن فتغمسه بمخزون وداعة وحنو، هي إمرأة ذكية وقوية الآن فتزرع فيه قُدرة على المثابرة والجلد، وتودع في نفسه قدرة على التمّهل .هي بحق جسدت جُملة كتبها تشارلي شابلن عن أمه في مذكراته ‘ لم تكن لتميل لفعلة الخطيئة، ولكنها دوما كانت تنحاز إلى الآثمين’.
آخر كلمتين:
_ المشهد الذي كانت تتحدث فيه فيلومينا عن تجربتها الجنسية بانطلاق، إختار المخرج Stephen frears أن يتم تصويره في مكان مفتوح له صفة البراح، وفي الجملة التي نطقت بها فيلومينا ‘لقد كِدت أن أطير في السماء’ تحرك بالكاميرا حركة حرة نصف دورانية عظمت من القيمة الروحانية التي تقصدها فيلومينا.
‘ ناقدة مصرية