سعد الياس:
بيروت – ‘القدس العربي’ في خضم الثورات العربية والهواجس التي تحيط بالوجود المسيحي في الشرق برزت زيارة رئيس حزب الكتائب اللبنانية أمين الجميّل الى مصر ولقاءاته مع كل من شيخ الازهر احمد الطيّب وبابا الاقباط شنودة الثالث والامين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي ووزير خارجية مصر محمد عمرو.
وليست زيارة الجميّل القاهرة هي الاولى إنما كانت زيارة نوعية بسبب توقيتها ودقة المواضيع التي تطرقت اليها إثر الاحداث التي شهدتها مصر وتحديداً ما تعرّض له الاقباط خلال تظاهرة احتجاجية على هدم كنيسة.
وقد تطرقت محادثت الجميّل الى الوضع المسيحي العام في مصر والشرق الاوسط وكيفية تفعيل العيش المشترك من ضمن الحفاظ على التعددية والتنوع. وأكثر ما ركز عليه رئيس الكتائب هو وضع شرعة – إطار لمستقبل العالم العربي لاسيما وأن الثورات العربية التي تطالب بتغيير الانظمة لا تطرح في رأيه بديلاً واضحاً لما يمكن أن تتمخض عنه هذه الثورات، وما يريده الجميّل هو أن يكون تغيير الانظمة نحو الأفضل ويؤسس لمرحلة جديدة، لا أن يكون مسيحيو الشرق ضحية هذا التغيير بل أن يكونوا شركاء في دولة مدنية تضع تشريعاً حديثاً يؤكد على المواطنة ويتساوى فيه المسلم والمسيحي من دون أي تمييز ديني أو طائفي. من هنا دعوة الجميّل الى أن يكون الاسهام اللبناني في التغيير من خلال تصدير الافكار وليس من خلال تصدير الاسلحة.
وأكد ‘أن مسيحيي لبنان والشرق ليسوا مكسر عصا لأي طرف، وأنهم لا يقبلون لا العزل ولا الانعزال ولا الاعتزال’. وفي اعتقاد الرئيس الجميّل أن من يحمي المسيحيين ليست الانظمة الديكتاتورية ولا تحالف الاقليات، ومن هنا عدم تردّده في التوجه الى مصر للقاء الامام الاكبر للسنّة شيخ الازهر أحمد الطيّب اضافة الى الامين العام للجامعة العربية ووزير الخارجية المصري مقترحاً أن تنتج الثورات العربية أنظمة ديمقراطية لا تمارس سياسة التمييز الديني بل تحظى بثقة كل مكوّنات المجتمع، فيطمئن الجميع الى أن بديل الانظمة البائدة هو الدولة المدنية القائمة على الحرية والديمقراطية واحترام التعددية وتأمين المشاركة السياسية للمسيحيين في التركيبة الوطنية. وبدا من تصريح للامين العام للجامعة العربية الى صحيفة ‘النهار’ أنه تلقّف اقتراح الجميّل، وأشار الى وجود فرصة لركوب موجة الربيع العربي من اجل الحرية وإرساء مفهوم المواطنة والحقوق المتساوية وتجاوز موضوع الطائفية.
كذلك فإن شيخ الازهر بصدد الدعوة الى لقاء مع الرموز المسيحية في الشرق للتأكيد على حرص الاسلام على العيش المشترك مع المسيحيين في اطار من الحرية والطمأنينة.
وفي المعلومات أن شيخ الازهر في صدد تطوير وثيقة مبادىء كان إتفق عليها مع رئيس الكتائب في خلال زيارته القاهرة في شهر كانون الثاني الفائت، واساسها ‘ أن الأزهر الشريف يرى أن المسيحيين العرب جزء أصيل من مكونات المجتمع فى العالم العربي، وأن ازدهار المجتمعات المسيحية هو عنصر أساس لثراء الحضارة في الشرق، وأن الإسلام يحرص، وبحكم عقيدته وشريعته على إبقاء المسيحيين آمنين مطمئنين لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم’. وبحسب محضر اللقاء الذي إطلعت عليه ‘القدس العربي’ فإن الامام الأكبر أكد خلال لقائه الجميّل على ‘موقف الازهر الداعم للتعددية والتعايش بين الاديان والطوائف، ورفض محاولة اللعب على ثغرة الاقباط والمسلمين وعلى وتر الدين’، وقال ‘علينا أن ننتبه ونفوّت الفرص’. واضاف ‘إننا نقرأ في لبنان حالة تكاد تكون متميّزة وهي نموذج للتعايش السلمي بين الطوائف المتعددة يجب أن يعتمده العالم العربي’. وتابع ‘نحن نرفض بناء جدار من الكراهية بين الشرق والغرب. وننتظر من زيارتكم الكثير لصالح العروبة والشرق ولبنان ومصر’. بموازاة تحرك الرئيس الجميّل، عقد القاء سيدة الجبلب القريب من قوى 14 آذار اجتماعاً في فندق ريجنسي بالاس في ما بدا أنه رد على مواقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من باريس التي حملت التباسات وهواجس من تغيير الانظمة على الوجود المسيحي، وأكد القاء سيدة الجبلب في بيانه الختامي اعلى دور الكنيسة في اطلاق ربيع لبنان الذي شكل الإشارة الأولى لربيع العرب’، مشيراً الى اان نداء المطارنة الموارنة في 20 أيلول 2000 والكلام للمجمع البطريركي الماروني – وضعا الأسس لإنهاء سلطة الوصاية السوريّة واستعادة السيادة والاستقلال والقرار الحرب. واشار الى اان الكنيسة تمكّنت بمشاركة معظم الشعب اللبنانيّ من أن تحفر تاريخ لبنان الحديث بإبرة الحق والإيمان، فوق صخرة الظلم والليل الطويل، فتمكّنت من إنقاذ الوطن واستعادة الدولةب.
كما لفت االى دور الكنيسة في بلورة مفهوم العيش المشترك بما ايتخطى مستوى التساكن أو التعايش بين المجموعات المتعددةب ليشكل نمط حياة مميزاً، دون إلغاء للخصوصيات والفوارق التي تصبح في هذه الحال مصدر غنى للجميعب.
واعلن اللقاء رفضه اوضع المسيحيين في مواجهة ربيع العرب الذي يرتكز الى قيمتي الحرية والعدالة’، مشيراً الى ان اهذا الربيع العربي يشكل خبراً سعيداً للبنان، الذي ظل، على مدى أكثر من نصف قرن، موضوعاً لمحاولات حثيثة رمت، بدعوى اتعريبب نظامه، الى جعله شبيهاً بالأنظمة المحيطة، أما اليوم، فها هي المنطقة العربية تنحاز الى معنى لبنان، بما يحمله هذا المعنى من قيم الحرية والديمقراطية والتعددية والانفتاح على العالمب.
كما اكد القاء سيدة الجبلب رفضه اربط مصير المسيحيين بمصير أنظمة القمع والاستبداد التي حولت العالم العربي الى سجن كبير، فاخرجت شعوبها من الحاضر والمستقبل ووضعتها على هامش التاريخ’، معلنا عدم قبول اأن نكون مع الجلادين ضد الضحاياب.
ورفض اللقاء اكل المشاريع الهادفة الى ضرب الحضور المسيحي الاصيل في هذا الشرق وتحويل المسيحيين الى مجرد أقلية تبحث عن حماية لها من هنا أو هناك’، مشيراً الى اان الخلاف ليس خلافاً حول اختيار الجهة التي يوكل لها مهمة تأمين الحماية انما هو خلاف حول مبدأ الحماية الذي يحوّل المسيحيين الى أهل ذمة ويفقدهم حضورهم ودورهمب.
واكد اللقاء رفضه العنف الذي يواكب الربيع العربي افهو عنف الأنظمة الاستبدادية في مواجهة مطالب الشعوب المشروعة، وهو أيضاً وفي الوقت نفسه عنفُ قوى التطرف التي ما زالت تتشبَّث بمنظومات ايديوليجية متداعية، وتحاول جاهدةً وقف عجلة التاريخب.
وطالب اباطلاق دينامية مدنية في الوسط المسيحي قادرة على التواصل مع ديناميات مدنية شبيهة لها في الطوائف الأخرى وفي المجتمع المدني من أجل إعادة الحياة الى ربيع لبنان والتشارك مع القوى الديمقراطية التي ظهرت في ربيع العرب لوضع الأسس لعالم عربي ديمقراطي وتعددي قادر على استعادة دوره وموقعه في العالمب.
واكد انه يريد ااستعادة دور المسيحيين التاريخي في الشرق والمساهمة في اطلاق نهضة عربية ثانية تؤسس لثقافة جديدة، ‘ثقافة العيش معاً’، داعياً ايضاً ‘لانهاء دورة العنف المستمرة منذ عقود وبناء سلام لبنان بالتعاون مع كل المخلصين، لافتا الى ااننا اليوم أمام لحظة مصيرية: إما العودة بلبنان الى ما كان عليه في العقود الثلاثة الأخيرة، ساحة عنف مجاني للقوى الاقليمية والخارجية، وإما إعادة صوغ لبنان بلداً يطيب العيش فيه، ودولة قادرة على النهوض بمسؤولياتهاب. واكد ان اتحديد دور المسيحيين في الربيع العربي ليس شأناً مسيحياً خاصاً، إنما هو شأن المسلمين أيضاً، وهو شأنهما معاً وسوياً، ذلك أن المسيحيين في الشرق، كما جاء في رسالة بطاركة الشرق الكاثوليك الأولى، هم جرء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسلمين، كما أن المسلمين في الشرق هم جرء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسيحيينب.