القادمة من الحجاز بغربتها: تفاحتي الأخيرة في الصحن، منيرة والبحر الميت

حجم الخط
0

فاروق يوسفكانت أنظر إليها. تجلس غريبة بين المدعوات اللواتي لم تتعرف عليهن ولم يتعرفن عليها بعد. في تلك الحفلة لم تكن الغريبة الوحيدة. الغريبات كثيرات في رأس السنة التائهة بين رقمين. كانت بالنسبة لي الوحيدة التي تسخر غربتُها من فكرة الإقامة. كان انسجامها مع ما تراه، مع ما تلمسه، مع ما تسمعه يشي بالجزء المؤقت من شخصيتها. الجزء العابر الذي يقبل بالضحكة المفاجئة. المرأة التي اعتادت أن تكون غريبة لم يكن يهمها كثيرا أن لا تكون كذلك. وهبتها الحياة طريقة في التحايل على أوقاتها في زمن ضيق. سيكون الوقت تجريديا لكي نتمكن من تشخيصه على هيأة أمنيات ضالة. لقد أهدتني قبل سنوات ماكنة طباعية من الحجر. دمية صغيرة بحجم الكف. كان الترميز واضحا ومكابرا. ستكتب لتكون موجودا. ستترك شيئا من رائحة أصابعك في شق بين حجرين. قبل قرن كنت غبيا ولم أفهم الاشارة الذكية. عدت إليها بعد ضلالة محطات. قلت لها في آخر ايام السنة الميلادية ‘أنت أفضل مني’ ولم يكن ذلك القول اعترافا استثنائيا. المرأة أفضل من الرجل دائما. لذلك كنت أفضل أن لا نذهب معا إلى البحر الميت لكي لا تفضحني اعترافاتي أكثر. ‘ولكن عمان لا تنفع’ سندور في الحلقة المغلقة نفسها. سقف السيل وراس العين والدوار الاول ومقاهي شميساني. ماذا بعد؟ لا ينفع الكاردنز (شارع وصفي التل) للمشي. ‘أين سأركض كل ضحى؟’ قلت لنفسي. أسكن في شارع الجامعة وفندقها في نهاية شارع المدينة المنورة. لن أصل إليك مشيا وإن كنت أرغب في ذلك. هذي بلاد لا تسمح بالمشي ولا بالضحك العابث. ‘سنغرق برمل النبوءات’ قلت لها. ابتهجتْ بدلا من أن تبتأس كما كنت أتوقع.هذه الفتاة الأبدية ولدت في مكة. لا يزال شيء عميق من الحجاز فيها. حريرها على الأقل. نظرتها العميقة إلى وقائع قد تمر بالآخرين من غير أن تلمسهم. من الصعب أن يكون المرء صديقا لمنيرة وهو يفكر بخيوط الحرير التي يمكن أن تنقطع في أية لحظة خطأ. هذه امرأة من حرير. امرأة لا يمكن أن تُمس. يمكن تأملها، لكن من بعيد. كنت أفكر بالنفائس. بالوديعة الالهية. بالرؤى التي يمكنها أن تحضر عن طريق هديل حمام. عن طريق هذه الصداقة قُدر لي أن أكون موقع اختبار الهي إذن. الكريستال يتحرك على المائدة فيما طعام العشاء لا يزال في الفرن. يكفي سببا للصمت، بل للفرح المباغت أن الرسامة الرائدة في بلادها ركبت الطائرة من البحرين من أجل أن تراني في عمان. أنا موجودة هنا، غريبة في بلد غريب من أجل أن أراك. الصديقة لا تزال تراني بعيني الأمس. هو يوم كنت قد غادرته منذ كآبة عصفورين. لقد سقط ثلج كثير يا صديقتي في طريقي. أندس الثلج في جهات ركبتي. لم تكن لتصدق. خيالها يسبق عينيها. لقد قفزتُ من فوق سكك حديدية كثيرة. لم تصدق. ‘لم تتغيرعيناك’ تقول فأرد عليها ‘لم تتغير يداك’ الرسامة تعترف انها قد تغيرت. أنت تجرؤين على نفسك. ‘لم تكن طريقي مرصوفة بالكلمات الطيبة ولا بثروة الأهل ولا بأمنياتهم. في لحظة اشراق اعتبرت نفسي كنزا مغلقا على ثروته الخالصة التي لا تُرى’ تقول لي ونحن نجلس بعد عامين في مطعم تايلندي في البحرين. صرت أفكر بالمصير الذي يرقد بين خطوتين. ‘هل تنصتين إلى همس الأنبياء؟’ سألتها وأنا أحاول أن أربكها بمزاجي. كان البحر الميت أمامنا. هنا عُمد المسيح. هنا عبرت الرسالات من لغة إلى أخرى. من الهام سماوي إلى الهام أرضي. هنا أشارت مريم للنجار أن يتبعها. كنت أنظر إلى منيرة باعتبارها شبحا من البشارة الأخيرة التي ستلقي بقدميها في البحر الميت. سأقول لها مازحا ‘أنت العلامة في التجربة. ستمشين على الماء مثل طيف’ كما لو أن المياه المالحة لم تتوقع حضور كل هذا العسل.’أنت الغريبة’ قلت لها. قالت ‘كنت كذلك دائما’ هنا أرض الغرباء. ومشينا. كان هناك حاجز من صخور يفصلنا عن البحر. كنا نقف على ضفة نهر الاردن. كان النهر ضيقا. ساقية تفصل بين عالمين متناحرين. ولكن عيني منيرة كانتا تدمعان. يؤلم الغريبة أن ترى علما اسرائيليا. بلاغة الألم تحلم. يمكنها أن تنكر بيسر أنها كانت موجودة في ذلك المكان. ‘صار علي أن أنسى’ تلك خطيئة لم ترتكبها. ستندم حواسها. عيناها تدوران في المكان بحيرة من يبحث عن فرصة للتلاشي. ضاقت الأرض بها. ضاقت بغربتها. ضاق ضياعها.صنعت الطيور سهما أسود في الفضاء. عادة ما تفعل الطيور ذلك. ذلك السهم لن يقتل أحدا. حتى ولا شجرة. ‘ما أسم تلك الطيور؟ ‘التفتت إلي في الحفلة ‘إنهن يرقصن كالطيور الذبيحة. أتذكر طيور البحر الميت؟’ سقط الظل فوقنا هادئا. سقط على الصخور. في المسافة التي تفصلنا عن الزرقة. ‘هل كنت نباتية؟’ ‘كنت الساحرة التي تنظر بعيني قبرة الى التفاحة الأخيرة في الصحن’ كان السهم الأسود يقترب من الماء من غير أن يلسمه. هناك مدن غاطسة في القاع. ‘يمكنني أن أصدق ذلك’ تقول. أصدق أنها تصدق ذلك. قضت حياتها وهي تحيي الأساطير وترمم ايقونتها الشخصية. ترى جثثا وتظنها نبوءات. كانت الجثث ترقص، تتلوى، تغمرها صيحة الديك برعشة أوراق فضية فتعرف أن الصبح قريب. هو ذا آخر الخواتم التي تزين أصابعي. المسه فيطلق ضحكات آمنة.متأنقة في طعامها كما لو أنها تطعم النباتات والأحياء المائية جزءا من روحها. تأكل لتؤكل. هي جزء من المائدة، الجزء الذي لا يذهب إلى المطبخ من القائمة. يأسرها مشهد الغريبات اللواتي لم تر أجمل منهن. خبرتها في الطعام تتأنق على حساب شهيتها. لا تمد يدها إلى صحنها إلا من أجل أن تبارك كائنات اجتهدت في المزرعة وفي المطبخ لتملأ عينيها بخيال سعادتها. تغتبط حين ترى ضيفها وقد ابهجته أصناف الطعام، غير أنها لا تذهب أبعد من ذلك. علاقتها بالطعام هي ذاتها علاقتها بكل شيء، حتى بالرسم، الذي نذرت حياتها من أجله. تبدأ من لحظة اكتفاء شعوري هي التعبير الأمثل عن الشبع والامتلاء والشكر. تضع يدها على المفردة فيأخذها الثناء على الجمال إلى أمكنة هي بقاع منسية في متاهات الروح. ‘أنت تكلمين رسومك يا منيرة؟’ أقول لها وأنا أرى في نظرتها توقا غريبا يوحي بالشعور بالأسى وبالندم. ألأن النظر إلى تلك الرسوم صار متاحا للآخرين؟ عزيزة تلك الرسوم عليها بطريقة لا تطيق شراكة الآخر فيها. ‘إنها لي’ لم تقل تلك الجملة، غير أن سلوكها وشى بها. ارثها ووصيتها ووقع خطوتها الناعمة ونداء فجرها الغامض. الغريبات من حولنا يرقصن في حفلة رأس السنة وكانت منيرة تضع يدها على رؤوسهن مباركة الهمس السري الذي كان يتسرب من أقدامهن إلى أرض الصالة. ‘كلهن لاجئات’ قلت لها فلمعت الفكرة في عينيها. ‘لن يكون العالم سيئا دائما’ قالت. كل واحدة منهن هي حبيبة. كل واحدة منهن هي أم. لم يعد اللجوء حكرا على المنسيين والتعساء. الجمال صار لاجئا منذ زمن طويل. تمتزج عاطفتها الإنسانية برغبتها في أن تظل ساهرة على الزهرة النائمة حتى تستقيظ لينتهي المزيج إلى عالم هو أقرب إلى الحدس المتمرد منه إلى التسويات الحسية. هناك حياة تقيم إلى جوارنا، هي حياتنا الحقيقية التي تشفق علينا وترعى خطواتنا. حين نظرت إلى البحر الميت بعيني منيرة كانت مياهه تعج بالغرباء الذين لا تزال حشود الأسماك تطرز صفحات نبوءاتهم. يومها أدركت أن منيرة موصلي هي أشبه بمخطوطة نادرة كتبتها يد ساحر بحبر سري، يحتاج من يقرأها إلى عينين قادمتين من الخفاء. qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية