القادمون من قبر جماعي!

حجم الخط
0

خيري منصور

تزامُن الخروج من الاستنقاع بكل ابعاده السياسية والثقافية والاجتماعية هو المعادل التاريخي والموضوعي لذلك التزامُن بين نظم باترياركية واوتوقراطية احتلت العالم العربي من الداخل، وحوّلت الاستعمار الى استثمار والاستقلال الى استغلال، والثقافة الى كثافة من الزّبد.

وأنجزت لأول مرّة نمطا من الابادة السّلمية التي هددت حضارات وتواريخ وذاكرات وطنية بالافتراض، وقبل ان يندلع في الظهيرة التونسية ذلك الاعصار البشري كان التوصيف النموذجي والمتداول للعالم العربي هو كونه حالة من التخثر والعطن التاريخي، اضافة الى ما كان يقال عن السّبات القومي الذي تمدد عبر الفصول والتقاويم كلها، وباختصار احال النظام المرتهن والمصاب بشلل الوعي مساحة قارة مأهولة بأكثر من ربع مليار انسان الى قبر جماعي، ولم يخطر ببال الجنرالات الوسطاء ودببة الاعلام والثقافة التي تشتبك مع الذباب على انوف السادة ان القيامة كانت قاب بلدين وربما ادنى من الحدوث، فالعدوى الزلزالية لم تنفع معها المصدات، وأخفقت قناطير العلاج لأنها أتت في الربع ساعة الأخير، بعد ان صاغته دراهم الوقاية وسرعان ما تكشف ان الطواويس هي مجرد ريش ملون ومنفوش وان لحمها الضئيل لا يقوى على الدفاع عن مزاعم البطولات. لقد أفرط البايات والخديويات ومن يليهم في التنكيل بالبشر، مقابل تفريط غير مسبوق بالحق الوطني وكرامة الناس. كانوا اسودا علينا وفي الحروب نعامات. حشدوا ملايين العسس لحماية الجحور المؤثثة والوثيرة، ثم سرعان ما انفض هؤلاء، لأنهم مرتزقة ومأجورون لا يدافعون عن فكرة او تاريخ او حتى ايديولوجيا بل عن امتيازات من أحلّوا الولاء مكان الجدارة حتى تداعى كل شيء ومضت متوالية الانهيار الى نهاياتها المتوقعة.. لقد حقق ممثلو المندوب السامي بعد نصف قرن مما سمي الاستقلال شبه المعجزة عندما نقلوا الاصفار عن يمين الرقم العربي الى يساره وحولوا امة الى حاصل جمع اصفار كي يسهل الاستفراد بها وبما تعج به الارض في باطنها وعلى سطحها، حققوا وحدة عربية معكوسة، ومن طراز كوميدي شديد السواد، فانتهينا الى التنافس على أدنى مرتبة اكاديمية في العالم وعلى أقل متوسط دخل في الكون، وعلى اعلى رقم من الأميين والسجناء والعاطلين في هذا الكوكب… كانت تلك الوحدة المضادة لأشواقنا تتشكل على نحو معكوس، وهي وحدة قائمة على التجانس قدر تعلقه بالعسف والفاقة والاستبداد. قبل اكثر من ربع قرن كتب النهضوي الرائد عبد الرحمن الكواكبي كتابا فريدا وسابقا حتى لأيامنا بعنوان ‘طبائع الاستبداد’ وكان على احفاده واحفاد احفاده ان ينتظروا هذه الألفية الثالثة ليروا بالعين المجردة كيف تتحول الطبائع الى صنائع: فالاستبداد الحديث كالاستعمار الحديث كلاهما تقنّع لاخفاء ملامحه القبيحة، وكان التضليل ولا يزال الفقه الأوسع انتشارا في هذا العالم العربي الذي تحوّل الى منفى لساكنيه واحيانا الى زنزانة بسعة وطن…* ** * * * *ان تسمية هذه العشوائية العربية بدءا من السياسة حتى الثقافة نظام هي من باب المجاز، فلا يحقق الحدّ الادنى من اي نظام من لا سياق له او نسق، ومن تتلخص استراتيجيته في عبارة واحدة هي ما يقع من السماء تتلقاه الأرض…. هذه العشوائية ذات الاسماء المستعارة حوّلت ملايين العرب الى متسولين، على الأقل بمقياس سايكولوجيا التسول التي تجعل الكائن يعيش من وجبة الى وجبة، فهو المنبتّ الذي لا استقلالا قطع ولا حرية أبقى.. ونحن في غنى عن استحضار مقولات وأشعار ومواعظ يعج بها تاريخنا عن مصير أمة اذا جهّالها سادوا. * * * * * * *وحبذا لو يعود اعشار المثقفين وببغاوات الاعلام الاعلاني الآن الى ما كتبه ابن خلدون والجبرتي وابن اياس وابن الاثير وسائر الابناء من تلك السلالة التي اوشكت على الانقراض في حقبة استئجار الشهود واستيلاد المثقفين بأنبوب السلطة العمياء، هذه ليست اول قيامة في تاريخنا الممهور منذ بواكيره بالعصيان، لكن امتياز هذه القيامة يحوّلها الى قيمومة قومية، يشهر فيها الموتى في القبر الجماعي اكفانهم او ما تبقى منها، ويندلعون من باطن الأرض كي يقولوا للورثة الاحياء: أنتم الموتى بلا قبور ونحن الاحياء المسجونون في زنازين من صخر ورمال!

كيف يؤتمن المهربون ومحترفو الاسواق السوداء في السياسة والحروب على متاحفنا وعلى مكتباتنا الوطنية وذاكراتنا؟

لقد اتّضح الان ان المثل العربي القائل حاميها حراميها كان يقصد به اناس بالتحديد، هم القلة التي تطفو على ما ينزف الناس من دماء واشجار اللبلاب التي لا تقوى على الوقوف بلا جدران ترتكز عليها، وهذه الجدران هي من منجزات كولونيالية ما بعد الحداثة.

ان هؤلاء الحماة اللصوص هم طبعة شعبية وغير منقحة من قاطعي الطرق، والثالوث الذي يتحالف فيه الشطّار والعيّارون والقوادون. انهم ميداس الاسطورة الاغريقية لكن على نحو معكوس ايضا، فهم ما ان لامسوا الذهب حتى تحول الى صدأ وليس الى تراب فقط، وبفضلهم تحول فائض الثروة الى فائض فقر وبطالة وفائض الجغرافيا الى مديونيات على اليابسة وفي الماء والفضاء.

بفضلهم ايضا تحولت ثقافة فاعلة ومشهود لها كونيا ولغة بسعة امبراطورية قال عنها جاك بيرك انها مشحونة برسالة انطولوجية، الى مهرجانات تقتاد فيها بغال الاعلام الاعلاني عربات المثقفين والمخطوطات وسائر الميراث… وكان المطلوب منا قبيل هذه القيامة والقدوم من القبر الجماعي ان نقول لهم ما قاله الشاعر الاندلسي لغوته: نشكرهم على ما ابقوا ولسنا نلحاهم على ما أتلفوا!!!* * * * * * * ما من قيامة او عودة ظافرة من قبر جماعي بسعة وطن الا ويشارك فيها موتى نسيناهم، كانوا قد تفرغوا للسهر على ما تبقى من جذور وبعظم اصابعهم كانوا يصدّون الدود والصدأ عن آثارنا وأدبنا ولغتنا.

ألمح الكواكبي ومن معه في كل مظاهرة تتحول الى بحيرة أخيلوس التي تسترد فيها العذارى بكاراتهن بعد حقبة من البغاء الرسمي، ما من كلمة قرأناها او موقف أثار فينا القشعريرة لمن استشهدوا الا ولها حصة في هذه القيامة. فنحن الان من الماء الى الماء ومن الدم الى الدم ومن الدّمع الى الدمع لسنا نبتا شيطانيا، فما من ثورة الا ولها أب او معطف خرجت منه، هذا ما قيل عن تموز (يوليو) وعباءة عرابي وعن اضراب 1936 الأطول في التاريخ والمقاومة ودنشواي والتحرير.

نهر لم ينقطع عن نبعه لحظة واحدة، لكنهم كانوا ولا يزالون يقيمون السدود في طريق المصبّ، او يفسخون الماء كما قال خليل حاوي الذي اصطاد قلبه كي لا يرى ما رأينا… ان ما كان للتوّ قبراً جماعياً بسعة وطن او زنزانة مساحتها اكثر من اربعة عشر مليون كيلو متر مربع، هو الان لحظة الحساب الأعسر منذ أول سقوط عربي…..!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية