أديس أبابا ـ من إبراهيم صالح ـ ما إن تدخل إلى مدينة “بالي روبي” في إقليم “الأرومو” الإثيوبي، على الحدود مع كينيا والصومال، حتى تلامس أذنيك، أصوات الأجراس، وهى تعلن عن نفسها، بأن القادم هو “حصان” يجر عربة محلية الصُنع تسمى “قاري” وهي بمثابة وسيلة مواصلات شعبية.
والجَرَسُ فى اللغة العربية، هو أداة من نحاس أو نحوه، مجوّفة، إذا حُركت تتذبذب فيها قطعة صغيرة صلبة، فيُسْمَعُ صوتها، وتسمى في إثيوبيا “دُولِي”، حيث لا تخلو رقبة “حصان” يجر الــ”القاري” في “بالي روبي”، منه، وهو يصدح بأصواته النُحاسية في أرجاء المدينة.
وعلى متن “القاري” التي تتسع لـ4 أشخاص غير السائق، تجد “حسناوات” دون أي حرج، لأجرتها الزهيدة 10 بر إثيوبي (ما يعادل نصف دولار أمريكي) لكل راكب، فى مشهد يعكس قدرًا من الجمال والرضا رغم فقر المدينة مقارنة بحال المدن الكبرى.
تشدو الحسناوات ومن جاورهن على هذه العربة مع صوت الكاسيت، المعلق أعلى العربة، بكلمات أوبريت وطني، اعتاد السائقون على تشغيله، وهو يعبّر عن وحدة الشعوب والقوميات الإثيوبية، ويقول مطلعه “بهر بهري سيبوش” (يا قوميات وشعوب كلنا أبناء إثيوبيا).
وتعد عربة “القاري”، التي تدر يوميًا لصاحبها نحو 300 بر إثيوبي (ما يعادل 15 دولارًا أمريكيًا)، مناسِبة جدًا لطبيعة الطرق غير الممهدة في هذه المدينة، والتى تكون مكانًا لتجمع مياه الأمطار الدائمة، خصوصًا فى فصل الشتاء، وتقطع مسافة لا تقل عن 3 كيلو مترات.
وفوق ذلك، تعتبر هذه العربة، حُلم الكثيرين هناك، لاسيما الخريجين الجدد، فمدخولها يغطى احتياجات أصحابها البسيطة، كبساطة حياتهم.
ومن يتجول فى إقليم الأرومو، يلحظ تفشى ثقافة تربية “الخيول”، مما جعلها أشهر حيوانات مدينة “بالي روبي”، ولا تكاد تجد أسرة هناك تخلو مزرعتها من حصان أو أكثر، حيث يمثّل لهم ذلك مصدرًا للتباهي والفخر.
وبين عربة الكارو أو الـ”قاري”، والحصان أو الخيل إلى جانب المزارع ، تمتد أحلام شباب المنطقة، فكل شاب هناك، يحلم بامتلاك هذه العربة لتساعد إلى جانب مزارعهم فى تحسين دخولهم.
ورغم أن هذه العربة تُصنع أساسًا من الأخشاب التى تشتهر بها المناطق الإثيوبية، فإن تكلفة الواحدة منها تصل إلى 6 آلاف بر إثيوبي، إضافة إلى 4 آلاف بر، ثمن الحصان الذى يجرها، وهو ما يساوى إجمالاً نحو 500 دولار أمريكي، لتملك عربة، وتنضم لمهنة لا تقارن هناك.
محمد خضر، هو أحد الخريجين الذين اتخذوا من “الكارو” مهنة يصرف منها على ذويه، ويتحسس بها طريقه إلى الزواج، قال لوكالة الأناضول، إن دخله اليومي أكثر من 300 بر إثيوبي، وهي قيمة غير عادية في منطقة يعتمد أهلها على الزراعة، ويعدون وجباتهم اليومية من مزرعتهم، ويتناولون الألبان من أنعامهم التي ترتاد المراعي، دونما تعب، فالكلأ يمتد فى كل مكان، والعشب الأخضر يعد ملمحاً بارزاً فى بلد لا تنقطع أمطارها.
كما أخبرنا، سعيد نقاش، أنه حقق من مهنة عربة “قاري” الكثير من أحلامه، قائلاً، إنه اتخذ مهنته هذه قبل عشر سنوات، ويعول منها أسرة تتكون من عشرة أفراد بين الأب والأم وزوجته التي دفع مهرها من هذه المهنة، قبل خمسة سنوات مضت، وأغدق الله عليه بالبنين، ثلاثة من الأولاد وبنتين.
وإقليم الأرومو، ذو الأغلبية المسلمة، من أكبر الأقاليم الإثيوبية سكانًا (ما بين 35 – 40 مليون نسمة)، وثروةً، ومساحةً (353,690 كلم)، ويحاذي أكثر من ستة أقاليم من أقاليم البلاد التسعة وهي (الأمهرا، التقراي، هرر، شعوب، قامبيلا ، الصومال الإثيوبي، بني شنقول غمز، عفر الإثيوبي).
وتبلغ نسبة المسلمين من سكان الأرومو، 70% من إجمالي عدد سكان الإقليم، فيما يمثل المسيحيون ما نسبته 20%، والباقي وثنيون.
ويمثل المسلمون نحو 34% من سكان إثيوبيا البالغ عددهم 91 مليون نسمة.(الاناضول)